الخميس، 14 فبراير 2019

تراث مغبون ..

افترش سطح داره مهموماً وراح يراقب النجوم بعد فشله في إيجاد ما يسد رمق نسائه وأبنائه، لا أعلم لمَ كان على أبطال قصص التراث استراق السمع على الأحاديث الدائرة عنهم، على الرغم من أن ما يُسمع في الغالب ليس لطيفاً، فما وصل مسامع "علي ولد زايد " شاعر اليمن وحكيمها تلك الليلة لم يكن بعيداً عن ذلك، وهو يدافع باستماتة عن نفسه باستنكار: "أمسيت من فقر ليلة سارق وزاني وحلاف!".  ‏

انتهت القصة بتطليق الرجل لزوجاته، والتي قد يبدو أن فيها عقاب مبالغ اقتضته الحبكة الدرامية المتداولة عبر السنين، فلم يكن تعدد الزواج في زمن ولد زايد رفاهية أو مزاج اختص به دون غيره، بل ضرورة فرضها المجتمع العامل. 

 ‏لم يكن من السهل على الفلاح افتتاح موسم زراعي منفرداً، لذلك كانت الزوجات - أيدي عاملة - لا تكلف سوى القوت والحماية مقابل مساعدته في "بتل" الأرض "وذريها"، ومن ثم القيام بعملية "الفقح"، "والحجن"، حتى يطل شهر آب "ليحوط" زرعه في انتظار ظهور الثمرة، ليتم بعدها قطع "المحاجن" حتى موسم "الصراب"، ولا يستطيع اعتبار نفسه قد أنهى موسمه فعلياً حتى يفصل الحب بما يسمى "بالدويم".  ‏

لا يمنح التراث شيئاً، لا جدوى منه في الغالب من الناحية العملية، لم يوقف حرباً أو يحمي ضحية، وعلى حد علمي لم يتوقف ديكتاتوري عن مزاولة إجرامه حياءً أمام بيت شعري أو حتى قصيدة، إلا أنه وبينما يمنحنا هويتنا كبشر يعطينا فرصة للهروب عبر بوابته لعالم أجمل، فسحة ما بين الوقت والآخر، دون أن يدرك بأن الحاضر أحياناً قد ينسخه للاقتصاص منه.

 ‏على الرغم من قوله : 

 ‏ما يجبر الفقر جابر غير القلم و الدفاتر ‏إلا أن "علي ولد زايد "..

 لم يحظَ بميزة كتابته، وبقي شخصية أسطورية لم تُمنح حق وجودها الحقيقي بين صفحات التاريخ، فقد كان التدوين رفاهية لم يمتلكها الغالبية، كما أن انتفاء وجود شعب قاريء- في ذلك الوقت-، أحيا النقل الشفهي المفيد في حياة الفلاح والذي لن يفيده حال بقاء حكم الرجل وتعليماته على أرفف المكتبات الأنيقة.  ‏


لعل البردوني أخطأ حين وصف الشاعر ولد زايد: "بأنه كل الشعب اليمني، وليست الحكايات التي تنطلق منه سوى بعض يومياته"، فجمع كافة فئات المجتمع في صورة "علي ولد زايد" مجافً للحقيقة، لوجود السلالة الهاشمية المرفهة والتي دَوَّنَت على الدوام "عطساتها" بكل أريحية..

 ‏لم تلطخ تلك الفئة يدها بحبر أو طين؟!، لم تشكُ يوماً من جور جوع بطون نسائها بقدر ما دافعت عن مغامرات العشق التي أتاحتها لها الحياة في القصور والحصون، لتجد نفسها عاشقه تقسم بأيمان مغلظة براءتها من تهمة الغرام الملقاة عليها: ‏حلفت ما احبك فكذبوني وقبل ذا كانوا يصدقوني..  ‏

وجروا المصحف وحلَّفوني  وقصدهم بالنار يحرقوني.. ‏لم يكن ما حمل إلينا من ميراث علي ولد زايد بعيداً عن جغرافية هذه الأرض، لذلك ستجد حروفه قاسية تلهث من التعب وهو يغرس معوله في طينتها الخصبة، وبرغم ولعه الشديد بها إلا أنه هددها وبكل صرامة بالرحيل إن هي ضنت عليه: ‏عز القبيلية بلاده ‏ولو تجرع وباها.. ‏يفر منها بلا ريش ‏ولا اكتسى ريش جاها.. 

 ‏وبالرغم من قصر الأبيات، وصرامتها إلا أنها تشعرك بارتعاشة واجفة للأرض، مقارنة بغنجها وهي تتمايل على وقع أبيات من قبيل: ‏ياكحيل الرنا ماذا الورش من نقش بالذهب خدّك ورشّ.. ‏من جلى بالحلا حسنك ومن علّمك ذا المجانه والشوش.. ‏من رقم خدك الوردي رُقم  لازوردي ومن ذا له نقش.. 

 ‏لن تخرج بعد تجوال قصير بين أبيات "علي ولد زايد إلا وقد اصابك الإرهاق، لن تتركك هواجس الجوع والفقر والمرض دون أن تلاحق جبينك بصفعاتها الموجعة، ستتوه بحملك اليابس من الزاد وانت تبحث ليلاً عن سهيل وبقية نجومه، هل سيتمكن نداء الدم فيك من فك طلاسم مواسم "المزارع علي ولد زايد" الزراعية التي كانت ومازالت المقياس الدقيق للفلاح اليمني: ‏

ما ينفعك ليلة ولا شي نصف السنة تسعة أشهر والنصف الاخر ثلاثة..  
التسع والسبع والخمس تبان فيها العيافه.. 

لا سمن فيها ولا بر  الله يجمل ويستر..

 ‏إلا أنك قد تكتشف وأنت تقلب صفحات شعر الطيرمانات نوعاً مختلفاً من المعاناة، والتي ربما سيكون التغني بها أكثر متعة من جلافة ولد زايد:  ‏
هو يرحمه قلبي لصُغر سنّه
 ما هو شفق في مبسمه وعينه.. 
 ‏وانتم تقولوا اعشقه لحسنه 
وأنّ قدّه غرَّني بغصنهْ..  
حُسنه‏ لنفسه وايش عليَّ منهْ
 ‏كيف اعشقه والهجر صار منهْ.. 

 ‏لم يتخصص " الفيلسوف علي ولد زايد" في الزراعة والفلك ووَصْف أرض اليمن التي بدا أنه تنقل بين جنباتها وحسب، بل امتدت المواضيع التي تطرق إليها لتشمل كافة مناحي الحياة الإجتماعية اليمنية في ذلك الوقت، أفراح الناس وأحزانهم، قيمة الصداقة وأحقية الجيرة، روح الجماعة وأهمية تكافلها، حتى الحرب حذر منها بحزم وهو يشبهها بما لم يسبقه إليها أحد:
 ‏حربي وحرب إبن عمي
 مثل الوجع بالصوابر..
 ‏أو مثل مقرانة السبع  
ما بين بجما وعاصر..

 ‏قد تشعرك نوعية الحياة التي خاضها المعلم ولد زايد بنوع من خيبة الأمل، فلا وقت مستقطع لديه للراحة، ولا فسحة بين مواسمه إلا لشقاء جديد انتهجه، لن تجد منه ما يشفي الغليل كالذي تتذوقه وانت تقرأ قصيدة يكتبها "سيد مسترخي" يأكل من خيرات تصل إليه في طير دون أن يمس تراب الأرض- التي لا تنسى بأي حال من الأحوال تذكير وجوب اتباعك للملة والمذهب المناسبين، كالقصيدة التي نسجها محمد بن عبدالله بن الامام شرف الدين:
 ‏المعنِّي يقول يامن سكن في فؤادي واحتجب في صدوده..
 ‏كم يكونُ الجفا يافاتني والبعادِ لا جزى من يعوده.. 
 ‏إنَّ جسمي نحلْ من جور هذا التمادي يا مطول صدوده .. 
 ‏ان شرط الوفا، في الحب ترك البعادِ للمُعنَّى وسيده.. 
 ‏فالتزم مذهبي واسمح برشفه لصادي من حُميَّا بروده ..

 ‏لعل الجزء الكبير من تراث اليمني قد تم الاستيلاء عليه قبل أن تغادر حروفه حلق صاحبها حين تمت تجزئة المجتمع عبر السلالة لطبقات اجتماعية غرضها امتصاص دماء غيرها، ولم يترك لتلك المغبونة إلا اجترار مظالمها: 
 يا غبنه ثلاثه غبون الغبن
 الاول: من جارت عليه الديون 
الغبن الثاني: من قلت رجاله يهون
 الغبن الثالث: من فارق كحيل العيون..  ‏

لقد تم سلب اليمني حين فرضت عليه حياة قاسية، وكتبت عليه عبر مئات السنين تأجيل الفرحة وإرجاء موعدها حتى موسم الحصاد، تسمح له فيه بقدر محسوب من السعادة، محصور في مجرد استراق نظرة أو لجمع شمل حبيب بحبيبه- إن رافقه الحظ في موسم زراعته- كما قالها الشاعر الكبير مطهر الإرياني في ملحمته بكل صراحة ووضوح:  ‏
ميعادنا وا حبيبي كان لا خير قادم 
 كم قلت ليت الزمن يا خل كله مواسم
 واليوم عيد الجنى بانت له اول 
علايم بشاير اول ثمر في لون ياقوت قاني.. 
 ‏كنت ارسم احلى الصور لموعد اسمى وطر
 يوم القران الأغر  يوم انتصار الأماني.. *

 المقال خاص بالمصدر أونلاين  

الأربعاء، 13 فبراير 2019

نساء في زمن الحرب

 نور ناجي١٤ يوليو ٢٠١٧ "

شاقةٌ هي المهمة.. عندما يولد الإنسان امرأة!" عبارة للشاعرة الأمريكية مايا أنجلو، بمجرد ان قرات العبارة حتى شعرت بثقلها ومشقتها، تمنيت أن أضيف إليها "والأكثر مشقة، أن تعيش امرأة وفي زمن الحرب"..

   الحرب دَين بلا دائن أو مَدِين..  ثمن يتم تحصيله على يد تجارها، لا احد ينجو من الدفع رجل كنت أو امرأة..

 لست من الدعاة للبحث عن حقوق المرأة، مؤمنة تماماً بأن لا وجود لما يسمى حقوق للمرأة في بلد لم يحصل الرجل فيها على أبسط حقوقه. فحين يسلب الجميع حقوقهم تكون المطالبة لحق فئة دون أخرى نوع من العبث..

لكن المرأة تدفع الثمن مضاعفاً، كونها امرأة قدر لها أن تعايش الحرب.. تدفع الثمن حين تودع زوجها أو ابنها للحرب مدعية القوة وهي تعلم بأنهما قد لا يعودا..

لا أحد يعود من الحروب وإن عاد جسده سليماً معافى، تعود الروح مريضة متشظية بحاجة لسنوات طويلة للتعافي، فتأخذ نصيبها من مشقة فقدانه أو مشقة علاجه!

وحين تقف في طريق ذهابه لساحة المعارك، تدخل في معركة قاسية مع نفسها، تخسر فيها حتى وإن انتصرت وهي ترى وطنها يجر للضياع، ما فائدة بقاء الرجل بجوارها وهما بلا وطن؟، وللحروب ضحايا من نوع اخر مختطف، أو مخفي قسرا،ً ومغيب في سجون بلا عنوان، لم أستطع حتى اليوم أن أتخيل كمية معاناة والدة أو زوجة أحدهم أمام السجان، لتطالب بحق رؤيتة سجينها، أو مشاعرها حين تتناقل الاخبار سوء المعاملة التي يلاقونها.

 دفعت المرأة ثمن خروجها ومواجهتها لمجتمع كانت هي حلقته الأضعف لتشارك الرجل ثمن رغيف الخبز قبل الحرب، وتضاعف ذلك الثمن وهي تعود بعد الحرب خالية الوفاض لتشاركه الإحساس بالعجز المرير..

 يتضاعف مجهودها البدني، بعد انقطاع تام للخدمات التي كانت من المسلمات، فتقف نصف نهارها أمام طوابير انابيب الغاز لتتجنب الطهي على مواقد الطين، والنصف المتبقي في معارك طوابير خزانات مياه المساجد كي لا تسطو إحداهن على دورها في التعبئة..

 لم تعد صواريخ الحرب مبعث رعبها وهمها الوحيد، عرفت الكثير من اللواتي يلتمسن نيران صواريخها لتكون نهاية مسلسل شقائهن المستمر، الرعب الحقيقي هو بقائها كمعيل وحيد للأسرة، تتمزق بين جوع أطفالها أو ارسال الذكور للعمل في الشارع كباعة للمناديل أو لمسح نوافذ السيارات، وتتخلص من الإناث سريعاً بزواج يزيح القليل عن كاهلها، وهي تتمزق بين مجهول قد يصيبهم في شارع لا يعرف الرحمة، او معاملة سيئة تتحمل هي إثمها.

 تنزح مع اقتراب نيران الحرب، على كتفيها اطفالها، والأمراض القاتلة تلاحقها بشتات لا يحمل بصيص ضوء لنهايته. لتصبح تحت قماش خيمتها الطبيب والممرض والدواء في غياب شبه كامل للخدمات الطبية والصحية، للوهم أحياناً نتائج فعالة فتلجأ الكثيرات للرقّية كعلاج نفسي لا أكثر.

 تقف بعناد أمام المجتمع الذي زادت امراضه الاجتماعية وفقد المثالية التي كنا نحافظ على بعض قيمها قبل الحرب، مجتمع قد يغفر للرجل كل شيء، ولا يغفر للمرأة كونها امرأة، فريسة سهلة الاصطياد في عينه!!..

وفوق كل ذلك لا تضع رأسها على الوسادة حتى توزع ابتسامات التفاؤل والأمل على صغارها، وقد فرغ رصيدها منه منذ زمن.

 لا أشقى من أن يولد الإنسان امرأة، وفي زمن الحرب..   

السبت، 9 فبراير 2019

ذكرى ثورة فبراير مجددا  
السبت, 09 فبراير, 2019 - 10:09 مساءً 
نور ناجي 

  أتذكر ذلك النهار وكأنه حدث البارحة؛ وقفت "نعمة" أمامي بقامتها القصيرة المنحنية وجسدها الهزيل قبل أن تمرر يدها على ظهر كفي: "وما فعل لنا عفاش يا بنتي؟! امسكي يدي وشوفي فضله عليّ" !!. لم أتخيل أن ألمس كف بمثل تلك الخشونة، وتحوي ذلك القدر الهائل من الشقوق..!!   

كانت تلك "نعمة" العاملة في المدرسة الحكومية منذ عشرون عاما، والتي علّقت حلم توظيفها على صدرها عام بعد آخر، حتى اكتشفت أن سنوات عمرها تجاوزت الحد المسموح للحصول على "وظيفة عامل"، فاضطرت لاختلاس بعض وقت من "دوامها الرسمي"، الذي لم تتلقى عليه سوى الوعود، لتتأكد من سلامة أوراقها في الخدمة المدنية، بعد أن استبدلت حروف "نعمة " غير المحظوظ، باسم ابنتها.   

وتمر الأيام، ليصحو حلم "نعمة" مرة أخرى، وقد ضمت لملف أوراقها حلما، اعتقدت أنه على وشك التحقق حالما تتم ولادة ثورة حالمة، بشّرَ بها فبراير. لا أعلم أين "نعمة" اليوم؟ ولماذا انبعثت ذكراها، بعد سنوات ضاعفت من أعمارنا، وضيقت مساحات ذاكرتنا؟!..  

 إنه فبراير، لا شيء يعيد لي "نعمة" سواه. بعد أن خاطهما خيالي وجمعهما برباط شديد الوثاق. فبراير شهر الصراع السنوي المتكرر؛ الشبح ذو الشجون، ونزاع اطرافه المدافعين عنه والكارهين؛ من يُلقي عليه تبعات الفشل، ومن يُمجد لنجاح لم ينله غير بضعة أفراد؛ ولم يُترك للزمن أخذ دورته الطبيعية، ليلقي عليه حكمه دون مجاملة أو محاباة، فهو الوحيد من له حق انصافه أو ادانته.. 

  لم تتوقف سخرية البعض من ثورة فبراير، التي لن يختلف اثنان على نسخ أهدافها؛ مظاهراتها؛ أو حتى بعض هتافاتها عن ثورات سبقتها بأيام، متجاهلين الحالة السياسية الراكدة والمحبطة لليمني الذي وجد في تجارب غيره ثغرة؛ فسحة من ضوء قد تفيد في حلحلة وضعه البائس، دون ان يتنبه الساخرون إلى أن التجارب الإنسانية، وعلى الدوام، كانت مجال للتدوير والتصدير منذ بدء تدوين التاريخ البشري؛ "قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَ?ذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ"..  

 كانت ساحات فبراير واسعة. واسعة جدا لتحمل بين جنباتها "المزيف" الذي كان ينتظر فرصة لابتلاع مساحة أكبر مما تصوره الشهر الغرّ؛ واستقبلت "الانتهازي" الذي شمر عن ذراعيه وشحذ حنجرته بخطب رنانة ألهبت حماس الثوار ومطامعه التي تُمنيه بمقعد حكومي ذو سلطة..!!   

كما كانت ثورة فبراير مركب النجاة لمن شعر بأن سفينة الرئيس السابق على وشك الغرق. لن يجد ذلك "الانتهازي" أفضل من ارتداء شخصية ثائر لصعود مركبا جديدا يعطيه مكانا بارزا، خاصة مع حاجة الثوار- الساذجة- لسياسي شرب حتى ارتوى في دهاليز الدولة القديمة ومكائدها..  

 ماذا عن الغالبية العظمى التي احتوتها الساحة؟!  

 كان إطلاق صفة "الثورة الشبابية" جائرا على فبراير. فقد كانت ساحاتها تمتلئ عن بكرة أبيها بكافة الأعمار والأحلام. ستجد فيها الفتى المراهق، وتقابل الكهل وهو يصدح بأمنيات لن يتذوق ثمارها، في الغالب، وقد اكتفى بالإيمان بنصيبه الذي سيناله ابناؤه وأحفاده.   

فتحت الساحة أبوابها للجميع، بغض النظر عمن غادرها بعد ذلك؛ سواء امتلاء بمكاسبه الشخصية، أم الآخر المنهك الذي تمنى لو أنها تأخرت حتى يحمل غيره ثقلها على كاهله؛ أم ذلك المكسور الذي جبر خاطره بقوله تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ"..  

 لكن ماذا بشأن من تمسك بالبقاء خارجها؟!..   

ربما كانت معضلة فبراير أنها لم تتخطى الساحات بالقدر الكافي. مرت على أحلام "نعمة" سريعاً، مربتة على يديها المشققة قبل أن تعود لملجئها بين جدران الساحات، وقد فتر حماسها عن شحذ همة "السلبي" الذي يراقبها من نافذة القنوات الإعلامية طيلة يومه، وهو يرى أن الدعاء والابتهال أقصى ما يستطيع تقديمه للثورة من تضحيات..   

لم تستطع الساحات استدعاء الفئة الرافضة لها بعد تعبئتها المشحونة، واشاحت بوجهها عن الفئة غير المبالية التي مارست حياتها في انتظار التغيير السهل الذي لن يكلفها شيء. ولعلها محقة في ذلك، فأي عاقل لن يدفع ثمن شيء لم يطالب به من الأساس، لتمسي فبراير- مع مرور الوقت- شماعة تُعلق عليها كافة الشرور والآثام، دون أن تخفي الثورة عجبها لمن تقّبَل فساد دولته ثلاثون عاما أو صمت عنها، ويطالبها في ذات الوقت، وهو يلقي عليها تهم التخوين والعمالة، بمفاتيح الجنة..  

 أخطأت فبراير حين لم تسلط الضوء على سبتمبر، بالقدر الكافي. فابتعاد المسافة الزمنية بينهما، جعلها نوعاً ما في غفلة عنه، وسلب منها معرفة الدروس الأولى التي كان ينبغي أن تعطيها لنفسها. لا يعفيها ذلك، كما لا يعفي من كانوا أكثر دراية بالتاريخ والشأن اليمني، والذين لم يجاهدوا لإيصال أصواتهم إلى الساحة.

   إلا أن ثورة فبراير، "بسمعها الثقيل"، لم  تدّعي أنها البديل المناسب أو الجمهورية الجديدة. ولم يكن حلمها بدولة مدنية كفرا بسبتمبر، يستوجب كل ما نالته من عقاب. بقدر ما كانت محاولة منها لتجديد الحركة الراكدة في المياه التي أمست آسنة بأمراض متوارثة عبر عشرات السنين..  

 هل يحق لنا محاسبة فبراير، ومحاكمتها، لعجزها عن تحقيق أهدافها، على الرغم من أنها فعل بشري غير منزه عن الخطأ، خاصة وقد صدها ما لم تقوى على حماية نفسها منه: مطامع الأحزاب وحسابات منفعتها؛ الدولة العميقة بتشبثها برجالها؛ مخاوف دول الجوار واتهامها لفبراير بتبعية خارجية لا تنوي خيرا بالمنطقة؛ بالإضافة إلى مخابرات العالم التي سعت لتغيير ديمقراطي مناسب لضرورات خنوع ما قد تنتج عنه الثورة في صناديق اقتراعها...؟!   

نخطئ، حين نُغفل رغبة الانتقام التي استولت على بعض ثوار فبراير، وجعلتهم يبحثون عن مكان لصب ميراث غضبهم وأحقادهم، والذي لم يجدوا له أفضل من رجال الدولة القديمة، بلا استثناء، غافلين عن الكراهية المجتمعية التي ستنتج تجاه مناقضتهم للمبادئ التي لقنتهم إياها ثورتهم ونادت بها..!!  

 لا أحد ينكر أن خطيئة فبراير الكارثية تمثلت بركوب الحوثي عليها، والسماح له باحتلال جزء من الساحات وبصوت صادح، وكأنها منحته مغفرة "لم يستحقها" عن ستة حروب وقف فيها ضد الدول اليمنية. ومثل الحوثي، تخَفّى الكثير من أعداء فبراير بين ظهرانيها، حتى غدت حصان طروادة عاجز، يقاد إلى طريق لم يتوقع في أسواء كوابيسه أن يسير عليه يوماً..!!  

 هل كان مجيء الحوثي نتيجة فبراير، أم كانت الساتر الذي سرع وعجل من ظهوره- الذي لم يكن خفيا على أي حال؟! 

  قد تكون تلك هي المعضلة التي يقف أمامها ثائر فبراير السابق عاجزاً حائراً، وقد وقع بين أمرين أحلاهما مر: هل سيكون الدفاع العنيد عن ثورته، وتجاهل سلسلة الأخطاء التي جُرّت إليها، هو ما سيزيح عنه تهمها المؤرقة؟! أم أن التبرؤ منها، وصب لعناته عليها وعلى خطايا صُنّاع القرار ومالكي زمام الدولة في عهد النظام السابق وما تلاه، هو ما سيريح ضميره؟! 

  ثم؛ أليس تسريع اسقاط الأقنعة، الذي أدى- بالتالي- إلى تعجيل الحرب، افضل من استمرار ارتدائها، وترحيل دفع مستحقاتها لجيل قادم؟!.. 

  ربما علينا، في المقام الأول، طرح سؤال مهم لن يعفي فبراير من الاعتراف بذنوبها، ولن يغير من الواقع الحالي شيئاً، لكنه سيكون أهم ما وصل إليه اليمني بعد معاناة مريرة، سواء كان من أبناء فبراير أم من بقية فصول السنة: هل أنهى ثوار سبتمبر خطر الإمامة، فعليا، لحظة وقفهم إطلاق النار واسكات أصوات معاركهم؟    

ألم يتغاضوا عن توغل رجال الإمامة، مجددا، في مفاصل الدولة؟ الأمر الذي اتضح، في وقتنا الحالي، أنه كان استعدادا لعودة جديدة !!..  

 لعل تهمة نسخ فبراير نفسها، من ثورات موازية، ليس دقيقا، بقدر ما نسخت الأخيرة أهداف ثورة سبتمبر، التي سبقتها بخمسين عاما، وورثت نتائجها بكل اتقان..!! 

السبت، 2 فبراير 2019

"فِذّاحة" حجور  

السبت, 02 فبراير, 2019 - 08:53 مساءً

 نور ناجي 

 اضطر أمام إصرار الرنين أن يخرج الهاتف من اسمال الجسد الميت، ليجيب المتسائل على الطرف الآخر ببساطة: "ابنكم فذّحت به حجور"..!!   

تقف بنا الحروب بين الحين والآخر على مفترقات طرق. وقد تكون "حجور" المنعطف الذي سيغير مسار الحرب، ويقلب موازين قواها بشكل درامي غير متوقع. فالقوة والصلابة، التي تواجه بها حجور حصار الموت والأسلحة المنهوبة من الدولة، ينبىء باحتمالية كبيرة لثورة قادمة من المناطق التي اتهمت على الدوام أنها حاضنة لجماعة الحوثي والمفرخ الأول لمقاتليها. 

  ما الذي اكتسبناه فعلاً بعد أربع سنوات من الحرب؟!  

 - ثقة تامة بأن القضاء النهائي على فكرة السلالة الكهنوتية وانتهاء الحرب مرهون بنبذ الخلافات القديمة بين اليمنيين وتكاتفهم أمام عدوهم الأوحد.   

- ترك رهان الشرعية وخيار انتظارها، جانبا. فأمامها من الجهد والوقت الكثير لتثبت أنها في موضع نصرة شعب أصر رغم تذوق المرارة على مساندتها أملا في اخراجه من مستنقع الحرب القذر. 

  - النقطة الأهم مما سبق: إدراك الجميع أن تحليق طائرات التحالف لا يعني بالضرورة النجدة والإنقاذ، بقدر ما يكون نذير شؤم يهدد الجندي والمقاتل بنيران صديقة، تقع على رأسه نتيجة "خطأ" لن تعرف أسبابه حتى الانتهاء من تحقيق، لن يتم فتحه!! 

  لم تكن المعركة الدائرة في حجور جديدة عليها. فقد تعاقبت معاركها مع الإمامة مبكراً، ولم يثنها حبس رجالها ونهب بيوتهم وهدمها. استمر ذلك الصراع حتى عاد الوجه الجديد للإمامة في الحروب الستة التي قامت ضد الدولة اليمنية وجيشها، واستمرت بعدها حجور في مواجهة الميليشيا منفردة دون أن تنكسر بعد تسليم معسكرات الدولة عام ٢٠١٤م، ليبقى ذلك الصمود صفعة مؤلمة وهاجس يؤرق الميليشيا حتى اليوم.   

لماذا حجور، وقبيلتها ؟! ما السر الذي حملته ولم تحمله غيرها من المناطق المحاذية لمسقط قوة الميليشيا ومناطق نفوذه؟!  

  لا أعلم إن كانت جغرافيتها صعبة لدرجة استحالة سقوطها، أم أن شدة في أهلها جعلتهم الأقوى؟!   أضاف تاريخ المعاناة الطويل لقبيلة حجور ضد الإمامة، خبرة لا يستهان بها. فهي تعلم قبل غيرها الخدع التي قد يسوق لها الحوثي وما ستفضي اليه معاهدات سلامه الزائف. إلا أن تلك الخبرة ليست السبب الوحيد لتماسكها.   

قد يرجع تماسك قبيلة حجور لارتباطها "بشخصية القبيلة الاعتبارية"، مقارنة بالقبائل التي أصابها الكثير من التشظي.   برغم ما يحمل البعض على القبيلة من مآخذ، إلا أن الخضوع لقوانينها الصارمة والمستمدة من الأعراف والتقاليد، والثقة المطلقة بمحاكمها القبلية، كانت النظام الذي وجد فيه الفرد اليمني عدالة ملائمة له؛ تقبلها وتماهت شخصيته بها، وإن جارت عليه بعض الحين.   

صُبت قوانين القبيلة عبر مئات السنين للحفاظ على مقومات الشرف لديها، والتي ارتكزت حول "العرض والدم والمال". فلن تسمح القبيلة المتماسكة بتفرق أفرادها عبر اختلاف انتماءاتهم السياسية بتهديد ثوابت وجودها وكينونتها، والسماح لذلك الاختلاف لأن يكون ثغرة وعون لدخيل يسقطها رهينة تحت قدميه.   

أدى تمسك حجور بالقبيلة الى عدم انخراط عقدها، بعد وقوع الدولة بين براثن الانقلاب أمام عينيها. جمعت نفسها وأعادت نظام القبيلة الذي لم تكن لتسمح باندثاره لتجعله بديلاً عن كيان الدولة حتى عودتها. ووقفت منفردة في مواجهة الميليشيا دون أن تسمع لها نداء محموم، كالذي يجتاح وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المطالب بتدخل طيران التحالف للمساعدة والانقاذ. 

  لن يركن "الحجوري"، في خضم معاركه، إلى جانب لا يأمن شر حساباته، للمساندة والدعم أو لتحمل نتائج اخطائه. ستجده هناك بعيداً عن كل هذه الأضواء، خلف مترسه، وعلى كتفه بندقيته التي علق عليها إيمانه وشرف قبيلته الذي لا ينفصل عن شرفه؛ بحواس متأهبة صامتة، ينتظر فرصة دحر عدوه وقنص "تفذّيحة" يومه منه. 

الجمعة، 1 فبراير 2019

ما بيعرفش يوقفها !! .. 

من منا لا يعرف الفنان ممدوح عبدالعليم رحمه الله، بطل مسلسل الضوء الشارد " رفيع بيك "، أو " علي البدري " في ليالي الحلمية الذي ساندته النسوة بمفارقة غريبة تخالف مبادئهن حين خان زوجته وجلب لها ضرة لا يستهان بها " زهرة بنت نازك السلحدار "، اخبرتكم سابقاً أن لا أحد سوى الله سبحانه وتعالى قادر على فهم النساء!!... 

لم ينل الفنان ممدوح عبد العليم حظه من السينما، ربما لأنه لم يرقى لمواصفات البطل المطلوبة في تلك الفترة، فلم يمتلك كوميديا عادل امام، أو قدرة ابتلاع غيره من الفنانين ببساطة الاداء كمحمود عبدالعزيز ، لكنه وبرغم المنافسة الشديدة ترك أفلام لن تمر من أمامها إلا لتتوقف متابعاً لها، كفيلم " بطل من ورق " التي جسد بها شخصية " رامي قشوع "، السيناريست القادم من القرية مع موهبته ليبحث عن حظه في القاهرة .. 

يشدك الفيلم من أولى مشاهده حين تكتشف وجود لص فريد من نوعه، لا تحمل مسروقاته المعايير المادية المتعارف عليها، تفوق على نفسه وهو يجسد سيناريو قشوع وجرائمه المكتوبة على السطور ، كان مبتكراً عظيماً في عالم الإجرام يجبرك على إحترامه ومتابعته لنهاية الفيلم.. 

يتأرجح الكاتب " رامي قشوع" بين متابعة أحداث روايته وبين محاولة إنقاذ الضحايا الذين كان دقيقا في وصف تساقطهم على الورق، وتماهى معه اللص في ذلك السرد ولم يحاول أن يضيف إليه جديد وقد شعر بأنه أمام سيناريو مثير مكتمل الأركان .. 

تتوالى الأحداث ويلتقي رامي قشوع بالقاتل المتفاجىء بعدم وجود نهاية مكتوبة للرواية ، فيعرض عليه وسط هرج القطار المزدحم إيجاد نهاية لروايته وللفيلم ترضي الجميع!! .. 

يطل علينا قشوع قبل إنتهاء الفيلم من باب ذلك القطار مستنجدا بالشرطة التي لا تخالف واقعها الحقيقي في الوصول المتأخر، وهو يلوح لها ويندب حظه وحظ تواجده مع قنبلة موقوتة : " ما بيعرفش يوقفها، ما بيعرفش يوقفها !!.. 

دعونا نتوقف عند ذلك المشهد، والتلويح الجزع لرامي قشوع، هل تتكرر أحداث الفيلم منذ البداية، أم أن الحظ وضعنا أمام نفس الأحداث ونفس اللصوص بنهاية ضائعة ؟!، لا يختلف سيناريو ذلك الفيلم عن حالنا في هذا الوقت، لأكون أكثر دقة وتحديداً، لا يختلف ذاك الفيلم عن ما أصاب اليمن وغيرها من الدول العربية على مدى السنوات الأخيرة الماضية.. 

تطابق في سيناريو تفتيت الأوطان يصل لحد الذهول للصوص ومجرمين لم يبالوا بتغطية وجوههم وهم يزرعون الاوطان بقنابل والغام مؤقتة بدأوا تفجيرها البارحة ولن يتوقفوا في الغد القريب، ونحن نراقب من بعيد كشرطي عاجز لا يملك القدرة أو المهارة لنجدة وطن يلوح له بصراخ ملتاع :" ما بيعرفش يوقفها، ما بيعرفش يوقفها !!".. 

نور ناجي

الأربعاء، 30 يناير 2019

انفاس مترس.. 

قضم شفته السفلى بأسنانه، وانتزع نسلة الجلد الجافة باظافره قبل أن يصوب نظره نحو قرص الشمس، " لقد أصبح الجو مناسباً الآن "، انتزع شاله من على رأسه بحرص محافظاً على شكله ووضعه على الأرض. 

كانت المساحة المتاحة له ضيقة، إلا أنه وجدها واسعة بعد أن فارقه المقاتل الأخير، لم يعد يطالب بآخر يشاركه الحراسة، من المزعج فقدانهم وبقائه حياً في كل مرة، اشعره ذلك الأمر بالذنب وكأنه بادل قدره المحتمل باقدار من رافقه. 

اعتاد مع مرور الأيام مرافقة أنفاسه وتردد صداها على جدران المترس الباردة، ليس وحيدا على أي حال، فهنالك ذلك الوغد المتأهب في الجهة المقابلة والذي ينتظر إتمام مهمته ولن يسمح له بالظفر بها، ليس انتقاما لمن سبقه، يعتقد أنه فقد أغلب مشاعره لم يعد لفظ الغضب، الحزن أو الوجع والانتقام يمثل له أكثر من أحرف مجهولة المعنى، ولكنه سينهي عمله على إيه حال!!.

 امسك قطعة الخشب ووضع عليها الشال واسندها على الجدار القصير بينما تأكد من تثبيت بندقيته، لقد أمسى خبيراً في الحركة في أضيق الحدود. مالت الشمس التي كانت تحدق به بعنف قبل ساعات لتتوضح الروية أمامه، لن يتأخر كما سيعتقد اللاعب الآخر، نعم أنه الآن في لعبة، المنتصر هو من سيستمر في التنفس ويبدو أنه بارع فيها وليست أنفاس المترس حوله سوى دليله على ذلك.. 

رفع القطعة الخشبية بعد عبر ببصره عبر منظاره، سيظهر الآن، لابد أن يظهر لقد استنفذ صبره خلال اليومين الماضيين، وسيجره اليوم لفخه، من السخرية المرة أن اللاعب المتمرس في ذلك الجبل أمسى أقرب الناس اليه، مع مرور الأيام ومراقبتهما بعضهما البعض صار يعرف تحركاته طريقة تفكيره وأوقات نومه وصحوه، حتى هواجسه امست أقرب اليه من الجدران التي كانت بيته قبل عدة أشهر !.. 

ذكريات بعيدة عنه وكأنها لشخص لا يمت له بصلة، حتى المكالمات ذات الصوت المتحشرج بدت له وكأنها تخرج من حنجرة شخص لا يعرفه، شعر بوخزة في قلبه حين تذكر نهاية آخر حديث، لقد كان جافاً قاسياً لا يعرف لماذا؟!، ولكنه حدث، سيحاول الاتصال الليلة، لعل الشبكة تسمح له بالتقاط عدة دقائق..

 " أين ذهب ذلك الوغد؟!، أنني هنا تعال واربح اللعبة"، همس قبل أن يسمع الرنين، هل يجيب؟!، لو أن الهاتف ينتظر قليلاً، لكنه توقف قبل أن يقرر، زفر بحنق وهو يشدد قبضة كفه على البندقية ويسلط نظره عبر الكوة الصغيرة للجهة المقابلة للجبل..

 تجاهل طرقات قلبه العنيفة التي تحاول اختراق سجن صدره والخروج منها، وهو ينظر عبر زجاج العدسة المكبرة، ما الذي جاء بهذا الشجن في وقت عمله الرسمي، ربما لأن شروط هذه الجدران قاسية أكثر مما يجب، ولا تسمح باوقات استراحة أو اجازات، "تباً لهذا المترس وشروطه"، قالها وهو يرفع مصيدة الشال.. 

عاد الرنين مرة أخرى، ليبتسم، ابتسم كل شيء فيه، حتى الفوهة الباردة اغمضت جفنها بسعادة، من حقه أن يرتاح بضع دقائق،" لن يذهب المترس بعيداً ولن يغادر الوغد الآخر مكانه طالما أنا باقِ"، ألقى بالشال وارخى إصبعه عن الزناد بهدوء وأدار رقبته ليتقدم صوب الهاتف، قبل أن تنطلق في الجو رصاصة قناص رابحة..

 تابعت الجدران صدى الأنفاس الاخيرة بضحكة خفيفة ماكرة، بينما استمر الهاتف بالرنين .. 

نور ناجي .. 

السبت، 26 يناير 2019

العارفين بالله

    السبت, 26 يناير, 2019 - 08:56 مساءً

  نور ناجي 

  انضمت لطاولتنا بعد أن جمعتنا لهجات اليمن تحت سقف مقهى بعيد عن صنعاء. لم أكن قد تشرفت من قبل بمعرفة أحد من سكان الساحل الغربي المشهورين بدماثة اخلاقهم ومودتهم، فشعرت بحدسي الذي "يخيب أحياناً" أنها ستكون بداية معرفة لطيفة.   

" ترى ما أحوال اليمن؟!"، تساءلت، لتتغير ملامحها ويُستبدل الارتياح الذي كان بادياً عليها بحزن عميق: "وكيف يكون حالها بعد أن هدم السلفيون أضرحة (التحيتا) بكل جلافة وقسوة"..

   للأسف، لا زلنا ندفع ثمن الجهل حتى هذه اللحظة، حين يشمر أحدهم على ساعديه ليضرب به تلك الأحجار؛ لا يحطم مجرد أضرحة وقبور لا تناسب معتقداته، بل يمحو جزء من هويته، تاريخه المتوارث عبر مئات وألاف السنين.   

وضعت يدي على كتفها: "لا ينبغي السكوت عن مثل هذه الجرائم، فتدمير الآثار يعني العالم كافة، كأرث انساني يجب الحفاظ عليه وصيانته". راقبت تأثر قسمات وجهها، قبل أن أكمل: "لقد وقعت محافظة الحديدة وسكانها للأسف بين سنديان الانقلاب وأخطاء تحالف الشرعية من جهة، وبين مطرقة حسابات الأمم المتحدة، التي يعلم الله وحده مآل مسارها، وما نسمعه عن معاناتها يفوق القدرة على التحمل. ليكن الله في عون أهلنا فيها".  

 بدى لي من نظراتها الزائغة ودمعتها المترقرقة أني أخطأت في تذكيرها بتلك المأساة. خاصة مع الهزات المتشنجة لرقبتها والتي بدى أنها تطرد فكرة ما وترفض تصديقها. حلقت العيون المتعاطفة حولها، قبل أن تنتفض فجأة من على مقعدها: "تخيلوا، لم تسلم القباب منهم" !! دهشت لجزعها الذي يندب نفسه أعلى تلة الاحجار الميتة، فأي كانت قيمتها الأثرية، لا يمكن قياسها بمعاناة الإنسان الذي ينزف على أرض اليمن منذ أربع سنوات.   

ألجمت لسان الشك الذي انتابني تجاهها، وثبت بصري عليها كمحقق شرطة خبير وأنا أكمل حروفي ببطء مقصود: "ليست القباب وحسب، لقد تم إدانة الميليشيا، بسرقة مخطوطات لكتب تاريخية وعلمية ونفائس نادرة من مكتبة مدينة زبيد"..    

هزت رأسها مستنكرة: "ما نفع المخطوطات وقد تم تحطيم الأضرحة على رأس ساكنيها". هتفت إحداهن بسذاجة: "هل يعقل أن تصل المعاناة باليمني ليتخذ من القبور ملجأ له؟ أي حال وصلنا إليه؟!". قاطعتها إشارة نافية: "لا أقصد الاحياء، بل أعني ساكنيها من العارفين بالله".  

 "لم يعد من هواء نقي !!"، قلت في نفسي وأنا ارفع كفي التي تربت على كتفها، لن اتمادى في تعاطفي لأتجاوز التاريخ المسفوك، أو هدم قبور على أصحابها بغض النظر عن مدى معرفتهم بالله.   تركت هرائها، إلا من لفظ "العارفين بالله"، وأخذت في تفحصه بين يدي. لم أكن بحاجة لقاموس أو حصص إضافية في اللغة العربية لتعريفه. على الرغم من أننا امسينا في ظل زمن علقت معاييره رأساً على عقب كخفافيش، لكني رميت عليها سؤالي: "ومن هم العارفين بالله؟!" ..  

 لم تفهم مغزى سؤالي، وردت بتفاخر: "أبناء الرسول وعترته، من الملمين بعلوم الحقائق والأسرار، الذين خص الله وجدانهم بنوره، وكشف لهم الحُجب، ليروا ما لا يراه الآخرين" ..  

 يجعلك لفظ "العارف بالله"، تفكر مليا في من يستحقه: هل من المنصف إطلاقه على من قضى عمره زاهدا متعبدا "لنفسه" في ركن زاوية ظليلة، معتمدا على بيض وسمن المريد الذي أسلم نفسه لتجهيله واغراقه بالتنبؤات المفجعة؟!..  

 أم أن الأولى به الفلاح اليمني الذي تسربت أيامه وهو يعرف الله عبر شق الأرض واحيائها؛ ابتهالاته التي رافقت حساباته الدقيقة لمواسم الري؛ تقطيعه للجبال بأظافره ليبني الحصون والقلاع التي لا تلبث أن تهدم أو تحتل بيد عارف آخر !!..  

 هل بالغنا في أوهامنا حين رسمنا صورة لمواطن يعرف الله عبر قوانينه العادلة؛ أخطأنا حين حلمنا بوطن يجمع الناس دون تفرقة بين الاعراق أن وجدت؛ بقوانين يستند عليها الفقير دون خشية جور أصحاب النفوذ؛ مساحة آمنة تقبل المتدين بكل مذاهبه ومعتقداته، وإن خلعها؛ يصافح ابن الجبل فيها من سكن التهائم والوديان بكل حب ومودة وبلا ضغائن ..  

 برغم صدق تلك الأحلام، إلا أن الواقع واجهنا بوهم سلالة ترى في نفسها أفضلية ممنوحة من السماء؛ ترفع السلاح بكل بشاعة أمام من يقف ضد مصالحها حيناً؛ وتستدير حال انكشافها وانكسارها لتدخل من باب خلفي بابتسامات زلقة وبركات مزيفة عارفة بالله !!..  

 أعلم بأني سأتهم بالعنصرية والتعدي على المذاهب، وقد تلحق بي تهمة التكفير الرائجة هذه الأيام، لكني لم أعد أبالي. أنا ابنة وطن أنهكته الحرب، جارت عليه حتى لم تترك فيه شبراً الا ونزف ميراث كراهية ثقيلة..  

  وكل ما أخشاه؛ عجزنا عن نزع أسباب تلك الكراهية، والقاء حمولتها على أجيال قادمة لا ذنب لها سوى سذاجتنا ..  

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...