الخميس، 14 فبراير 2019

تراث مغبون ..

افترش سطح داره مهموماً وراح يراقب النجوم بعد فشله في إيجاد ما يسد رمق نسائه وأبنائه، لا أعلم لمَ كان على أبطال قصص التراث استراق السمع على الأحاديث الدائرة عنهم، على الرغم من أن ما يُسمع في الغالب ليس لطيفاً، فما وصل مسامع "علي ولد زايد " شاعر اليمن وحكيمها تلك الليلة لم يكن بعيداً عن ذلك، وهو يدافع باستماتة عن نفسه باستنكار: "أمسيت من فقر ليلة سارق وزاني وحلاف!".  ‏

انتهت القصة بتطليق الرجل لزوجاته، والتي قد يبدو أن فيها عقاب مبالغ اقتضته الحبكة الدرامية المتداولة عبر السنين، فلم يكن تعدد الزواج في زمن ولد زايد رفاهية أو مزاج اختص به دون غيره، بل ضرورة فرضها المجتمع العامل. 

 ‏لم يكن من السهل على الفلاح افتتاح موسم زراعي منفرداً، لذلك كانت الزوجات - أيدي عاملة - لا تكلف سوى القوت والحماية مقابل مساعدته في "بتل" الأرض "وذريها"، ومن ثم القيام بعملية "الفقح"، "والحجن"، حتى يطل شهر آب "ليحوط" زرعه في انتظار ظهور الثمرة، ليتم بعدها قطع "المحاجن" حتى موسم "الصراب"، ولا يستطيع اعتبار نفسه قد أنهى موسمه فعلياً حتى يفصل الحب بما يسمى "بالدويم".  ‏

لا يمنح التراث شيئاً، لا جدوى منه في الغالب من الناحية العملية، لم يوقف حرباً أو يحمي ضحية، وعلى حد علمي لم يتوقف ديكتاتوري عن مزاولة إجرامه حياءً أمام بيت شعري أو حتى قصيدة، إلا أنه وبينما يمنحنا هويتنا كبشر يعطينا فرصة للهروب عبر بوابته لعالم أجمل، فسحة ما بين الوقت والآخر، دون أن يدرك بأن الحاضر أحياناً قد ينسخه للاقتصاص منه.

 ‏على الرغم من قوله : 

 ‏ما يجبر الفقر جابر غير القلم و الدفاتر ‏إلا أن "علي ولد زايد "..

 لم يحظَ بميزة كتابته، وبقي شخصية أسطورية لم تُمنح حق وجودها الحقيقي بين صفحات التاريخ، فقد كان التدوين رفاهية لم يمتلكها الغالبية، كما أن انتفاء وجود شعب قاريء- في ذلك الوقت-، أحيا النقل الشفهي المفيد في حياة الفلاح والذي لن يفيده حال بقاء حكم الرجل وتعليماته على أرفف المكتبات الأنيقة.  ‏


لعل البردوني أخطأ حين وصف الشاعر ولد زايد: "بأنه كل الشعب اليمني، وليست الحكايات التي تنطلق منه سوى بعض يومياته"، فجمع كافة فئات المجتمع في صورة "علي ولد زايد" مجافً للحقيقة، لوجود السلالة الهاشمية المرفهة والتي دَوَّنَت على الدوام "عطساتها" بكل أريحية..

 ‏لم تلطخ تلك الفئة يدها بحبر أو طين؟!، لم تشكُ يوماً من جور جوع بطون نسائها بقدر ما دافعت عن مغامرات العشق التي أتاحتها لها الحياة في القصور والحصون، لتجد نفسها عاشقه تقسم بأيمان مغلظة براءتها من تهمة الغرام الملقاة عليها: ‏حلفت ما احبك فكذبوني وقبل ذا كانوا يصدقوني..  ‏

وجروا المصحف وحلَّفوني  وقصدهم بالنار يحرقوني.. ‏لم يكن ما حمل إلينا من ميراث علي ولد زايد بعيداً عن جغرافية هذه الأرض، لذلك ستجد حروفه قاسية تلهث من التعب وهو يغرس معوله في طينتها الخصبة، وبرغم ولعه الشديد بها إلا أنه هددها وبكل صرامة بالرحيل إن هي ضنت عليه: ‏عز القبيلية بلاده ‏ولو تجرع وباها.. ‏يفر منها بلا ريش ‏ولا اكتسى ريش جاها.. 

 ‏وبالرغم من قصر الأبيات، وصرامتها إلا أنها تشعرك بارتعاشة واجفة للأرض، مقارنة بغنجها وهي تتمايل على وقع أبيات من قبيل: ‏ياكحيل الرنا ماذا الورش من نقش بالذهب خدّك ورشّ.. ‏من جلى بالحلا حسنك ومن علّمك ذا المجانه والشوش.. ‏من رقم خدك الوردي رُقم  لازوردي ومن ذا له نقش.. 

 ‏لن تخرج بعد تجوال قصير بين أبيات "علي ولد زايد إلا وقد اصابك الإرهاق، لن تتركك هواجس الجوع والفقر والمرض دون أن تلاحق جبينك بصفعاتها الموجعة، ستتوه بحملك اليابس من الزاد وانت تبحث ليلاً عن سهيل وبقية نجومه، هل سيتمكن نداء الدم فيك من فك طلاسم مواسم "المزارع علي ولد زايد" الزراعية التي كانت ومازالت المقياس الدقيق للفلاح اليمني: ‏

ما ينفعك ليلة ولا شي نصف السنة تسعة أشهر والنصف الاخر ثلاثة..  
التسع والسبع والخمس تبان فيها العيافه.. 

لا سمن فيها ولا بر  الله يجمل ويستر..

 ‏إلا أنك قد تكتشف وأنت تقلب صفحات شعر الطيرمانات نوعاً مختلفاً من المعاناة، والتي ربما سيكون التغني بها أكثر متعة من جلافة ولد زايد:  ‏
هو يرحمه قلبي لصُغر سنّه
 ما هو شفق في مبسمه وعينه.. 
 ‏وانتم تقولوا اعشقه لحسنه 
وأنّ قدّه غرَّني بغصنهْ..  
حُسنه‏ لنفسه وايش عليَّ منهْ
 ‏كيف اعشقه والهجر صار منهْ.. 

 ‏لم يتخصص " الفيلسوف علي ولد زايد" في الزراعة والفلك ووَصْف أرض اليمن التي بدا أنه تنقل بين جنباتها وحسب، بل امتدت المواضيع التي تطرق إليها لتشمل كافة مناحي الحياة الإجتماعية اليمنية في ذلك الوقت، أفراح الناس وأحزانهم، قيمة الصداقة وأحقية الجيرة، روح الجماعة وأهمية تكافلها، حتى الحرب حذر منها بحزم وهو يشبهها بما لم يسبقه إليها أحد:
 ‏حربي وحرب إبن عمي
 مثل الوجع بالصوابر..
 ‏أو مثل مقرانة السبع  
ما بين بجما وعاصر..

 ‏قد تشعرك نوعية الحياة التي خاضها المعلم ولد زايد بنوع من خيبة الأمل، فلا وقت مستقطع لديه للراحة، ولا فسحة بين مواسمه إلا لشقاء جديد انتهجه، لن تجد منه ما يشفي الغليل كالذي تتذوقه وانت تقرأ قصيدة يكتبها "سيد مسترخي" يأكل من خيرات تصل إليه في طير دون أن يمس تراب الأرض- التي لا تنسى بأي حال من الأحوال تذكير وجوب اتباعك للملة والمذهب المناسبين، كالقصيدة التي نسجها محمد بن عبدالله بن الامام شرف الدين:
 ‏المعنِّي يقول يامن سكن في فؤادي واحتجب في صدوده..
 ‏كم يكونُ الجفا يافاتني والبعادِ لا جزى من يعوده.. 
 ‏إنَّ جسمي نحلْ من جور هذا التمادي يا مطول صدوده .. 
 ‏ان شرط الوفا، في الحب ترك البعادِ للمُعنَّى وسيده.. 
 ‏فالتزم مذهبي واسمح برشفه لصادي من حُميَّا بروده ..

 ‏لعل الجزء الكبير من تراث اليمني قد تم الاستيلاء عليه قبل أن تغادر حروفه حلق صاحبها حين تمت تجزئة المجتمع عبر السلالة لطبقات اجتماعية غرضها امتصاص دماء غيرها، ولم يترك لتلك المغبونة إلا اجترار مظالمها: 
 يا غبنه ثلاثه غبون الغبن
 الاول: من جارت عليه الديون 
الغبن الثاني: من قلت رجاله يهون
 الغبن الثالث: من فارق كحيل العيون..  ‏

لقد تم سلب اليمني حين فرضت عليه حياة قاسية، وكتبت عليه عبر مئات السنين تأجيل الفرحة وإرجاء موعدها حتى موسم الحصاد، تسمح له فيه بقدر محسوب من السعادة، محصور في مجرد استراق نظرة أو لجمع شمل حبيب بحبيبه- إن رافقه الحظ في موسم زراعته- كما قالها الشاعر الكبير مطهر الإرياني في ملحمته بكل صراحة ووضوح:  ‏
ميعادنا وا حبيبي كان لا خير قادم 
 كم قلت ليت الزمن يا خل كله مواسم
 واليوم عيد الجنى بانت له اول 
علايم بشاير اول ثمر في لون ياقوت قاني.. 
 ‏كنت ارسم احلى الصور لموعد اسمى وطر
 يوم القران الأغر  يوم انتصار الأماني.. *

 المقال خاص بالمصدر أونلاين  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...