بينوكيو..
أجمل ما في أبطال الروايات أنهم" وهم "، مجرد خيال ساحر ، بأمكاننا تشكيله ونحته كما نهوى، حتى نقترب منهم ونعيد قرائتهم أكثر من مرة، يزول السحر وتظهر لنا حقيقتهم الواقعية، وهل من شيء أسواء من الواقع؟!..
كان "بينوكيو" _ اللعبة الخشبية التي نُفخت فيها الحياة ذات ليلة مقمرة أثر أمنية ودعوة صادقة لصانعها _ أكثر الشخصيات التي عشقتها صغيرة، وشعرت بلهفتها المجنونة وهي تسعى للبحث عن طريقة تحيل خشبها اللامع لواقع حقيقي، كنت حينها ما أزال ساذجة فالمساحة الضيقة لجماجم للاطفال تعجزهم عن التفكير المنطقي!..
أمر منطقي أن استوعب بعد هذه السنوات البطل الخفي للرواية، الكاتب الذي جلس طويلاً خلف الأوراق القلقة، لم أبحث عنه ولم يشدني الفضول لمعرفة إسمه حتى الآن، سيزورني حتماً ذات يوم، وسأكتفي بالشغف الذي ما زال يأسرني وأنا اقفز بخيالي بين ما اتذكره من الأحداث التي سطرها..
أكاد اجزم بأنه حين أمسك قلمه لم يكن يبحث لبطله عن جلد إنسان، لكن أرقام المبيعات اضطرته لاخفاء حلمه بأن نصبح جميعاً "بينوكيو"، لكن البطل الخشبي الساذج لم يفهم سر صانعه، واستمات حتى النهاية لاستبدال غلافه الخشبي بجلد آخر بشري الملمس..
هل أعتقد " بيونيكيو" بأن جلودنا أكثر نعومة من اخشابه، أو ظن بأن امتلاكنا لها سيزيد من مشاعرنا؟!، ليست الجلود من تجعلنا نختلف عنك يا عزيزي، فبرغم إفتقاد غالبيتنا حساسية الشعور الا اننا نكتوي من النار وتصيب مساماتنا لسعاتها..
لعل "بيونيكيو" لم يكن بتلك السذاجة التي اظنها، واستطاع بحيلة ماكرة أن يتمكن منا جميعاً، وحاك هو أحداث لن تصيب صاحبه بالملل الذي قد يجعله يتخلص منه في نهاية القصة، فأجمل الحكايات على الاطلاق هي تلك التي يتحول كاتبها لمجرم يقتات من دماء أبطاله !!..
كان الخلاص هي الحجة التي بررت "لبينوكيو" خداعه واقنعت كاتبه بتحقيق أمنية التحول التي ينشدها، فحين تتحول قطعة الخشب لإنسان لن تخرج خالية الوفاض، سيكون " بينوكيو " في منتهى الكمال حين يتخلص من أنفه الفاضح دون خشية انكشاف كذبه، فأنوف البشر تبقى على حالها، ولا تزداد طولاً حين تكذب!!..
كذباتنا أشبه بفقاعات صابون، جميلة الشكل بملمس لا يتحمل الخدش، ناعمة لطيفة تنعكس عليها أشعة الشمس فتحيلها مزيج من ألوان قوس قزح ممتعة، نتابعها ونحن نظن أن احتفالاتها لن تنقطع، حتى تضجر فتغادرنا دون أن تخلف ورأها أي أثر مطلقاً!!..
أفشيكم سراً،،،
أنا الآن اكذب، أمرر الكذبة وكلي ثقة من بقاء أنفي على حاله، فالكذبات تخلف ندبات موجعة، لا تزول بعد اكتوائنا بها، بل تبقى دخان حزين ينبعث من مساماتنا، كما تفعل النار " ببينوكيو"، وأكثر..
نور ناجي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق