الاثنين، 19 نوفمبر 2018

والقلب اذا هوى !!..
" ٢ "
لم أكن قد ميزت إن كان ما أراه حقيقة أم انني ما زلت ملتصقة بالنوم كناموسة على سطح صابون مبلول، دققت نظري بأجفان شبه مغلقة، قبل أن اعاود اطباقها سريعاً، "هل لمحتني يا ترى؟!"،
صرخ قلبي مستنكراً :" ما الذي أتى بها اليوم ؟!، رباااه، إن كنت في حلم فايقظني على عجل، وإن كانت زيارة حقيقة أرجوك اخفني في أحد كهوف النسيان لبضع مئات من السنين فقط!!"..
لعلكم تتسائلون عن المتربعة فوق مقعد التسريحة، وتحدق فاغرة فمها للمرآة بتركيز لنزع شعرة من حاجبها الأيمن؟!..
أنها " انا"، بشكل أدق النسخة المتفائلة من " نور "، تلك الساذجة التي لا تكف عن طرح المشاريع الفاشلة ورسم خطط الخزعبلات الوهمية التي لا تخرج عن نهاية مكرمشة ملقاه أوراقها في سلة المهملات، ما الذي جاء " بنور المتفائلة" هذا النهار بعد غياب ظننت أن لا رجعة له ..
طال وقت ادعائي النوم حتى يتسلل اليها الملل لعلها تغادر بصمت كما جاءت، لكن يبدو من خلال استراقي النظر لجلستها المستريحة أنها ستنتظر في الغالب لحظة استيقاظي ، لا مفر اذن، رفعت رأسي اخيراً من الوسادة اهرش شعري متثائبة في تكاسل :" ما الذي جاء بك في هذا الوقت المبكر ؟!"..
تركت " نور المتفائلة " المقعد لتقفز على طرف السرير بحدقات تلمع عليها آلاف النجوم، وهي تخرج عباراتها التي يبدو من سرعتها انها معدة سلفاً :" صباح الخير، مفاااااجاااأة، جئت لكِ بفكرة عبقرية، غير معقولة، سأنال عليها شكرك العميق لبقية أيام حياتك أو حياتنا لا فرق "، زممت شفتي وأنا أفكر بطريقة اقطع فيها الرباط المقدس بيننا، قبل أن اهز لها رأسي أن تكمل :" التوقف النهائي عن أحاديث السياسة، لا اخبار، أو متابعة للجبهات المفتوحة او تلك التي لم تكتفي من الإستراحة، لن نأتي مطلقاً على ذكر المفاوضات أو غريفث، لا حرب بعد اليوم، عملية فورمات كامل  لذاكرتنا حتى اربع سنوات مضت، وإن اضطررنا لمحو جميع ذكرياتنا لآخر رمق "، ..
تلفت حولي باحثة عن أي شي ثقيل بزوايا حادة لالقيه على جبينها، من المؤسف فقداني للمنشار الكهربائي فقد كان وجوده مفيداً، مثل " نور المتفائلة" لا تحتاج لمحو ذاكرتها، فذلك يتم تلقائياً دون أي مجهود، كيف لها أن تنسى تكرارها لهذا العرض السخيف لأكثر ١٤٦٠ مرة على الأقل منذ نشوب الحرب، فما الجديد الذي تطرحه اليوم، وقد كانت جميع اقتراحاتها فاشلة ومخيبة للآمال!..
نُجبر كثيرا على تحمل سخافات الغير ، فلماذا نزيدها بسخافة ما تلقيه أنفسنا علينا؟!..
لم تنتظر اعتراضي واكملت: " منذ هذا النهار سوف نملاء فراغات حياتنا بالمحبة، نحن بحاجة لمشاعر الحب، جميعنا في أمس الحاجة اليها، أكاد اجزم بأن اهم أسباب قيام الحرب هو فقداننا للحب ومشاعره"، اكملت الإستماع إلى نور المتفائلة الهائمة وأنا أحاول اخفاء سخريتي، فبرغم سخافة ما تقول، إلا أن موضوع كالذي طرحته لا يخلو من تشويق!..
رفعت حاجبي متسائلة :" الى اين هذه المرة ؟!'، أجابت بثقة :" مفاجأة !"..
لم تنتظر تبديل ثيابي أو تسريح شعري المنكوش بل أمسكت بكفي على عجلة لتختفي جدارن حجرتي الباردة الصغيرة، وتتحول إلى مساحة شاسعة من حديقة خضراء لا حدود لجمالها، رائحة الأزهار المنعشة تعطر الجو، أعشاش العصافير  على أفرع الأغصان تنبىء بصيصان مغردة محتمية فيها، نافورة مائية خلابة بألوان فسيفساء الفيروزية المتدرجة تتساقط بغنج ساحر، وكنت مع نور المتفائلة نقف على ممر حجري منقوش يشق تلك الحديقة الى مجهول، بدأنا بعبوره لنصل الى ما يحمله من مفاجأت..
مع تقدم خطواتي يزداد شعوري بالاحراج وقد لاحظت عدم تناسق قطعتي بيجامتي والوانها، "ما سنقابله أو من"، سيكون مهندما وانيق كهذا المحيط، ابطأت من دعساتي لأخفف من طرقعة الشبشب الذي ارتديه، وتلفت حولي قبل أن أبلل أطراف أصابعي بريقي لمحاولة تشذيب شعري الذي صمم على وقفة الكبرياء التي استيقظ عليها، وعضضت على شفتي بشدة حتى كدت أن ادميها لاضيف لها بعض من لون وردي..
صادفنا عبر الممر ذكر طاووس بالوانه الزاهية ينظر الينا بطرف عينه بازدراء، ربما اقتلع بعض من ريشاته في طريق عودتي لازين بها حجرتي، لا يهم عدم وجود وعاء يحملها، " قلص كبير" كفيل بذلك، حاولت استدراج" نور المتفائلة" التي تسبقني بخطوات، ومعرفة ما يحوى نهاية الطريق الا أنها أجابت:" لا تفسدي مفاجأتي يا نوررررر"، أعلم أنني ونور نحمل ذات نغمة الصوت الا أن ذلك لا يمنع شعور الاستفزاز الذي يصيبني حين أسمع حرف الراء الصادر منها، فلترحمني السماء حتى نهاية رحلتنا ..
تسللت إلى أسماعنا نغمات اوتار عود رقيقة قبل أن يطل قصر مهيب كان متخفيا بحذر خلف أشجار الحديقة الوارفة، كل ما حولي بديع، قريب للجنة الموعودة، إلا أن الجنة لن تأتي بسهولة انتقالي عبر قبضة يد نور المتفائلة، ابتسمت بدهاء وانا اهتف :" وجدتها "، لم تدر نور رأسها نحوي لعلمها أن ذكائي الحاد قد يكون احرق مفاجاتها، فما حولي ليس بعيد عن اسبانيا بين آواخر القرن الأول، حتى النصف الثاني من القرن التاسع!!..
أنا في الأندلس بنسبة تقارب المليون في المائة وسأجد نفسي بعد لحظات مباشرة أمام ابن زيدون وهو يتغزل بولادة " حبيبة القلب" ويبث لها من خلال ابياته لوعته وشغفه:.
‏‎ما سرّح الدّمع من عيني وأطلقه
إلاّ اعتياد أسى في القلب مسجونِ
صبراً! لعلّ الذي بالبعدِ أمرضني
بالقربِ يوماً يداوِيني، فيشفيني
لم أكد احرك شفتي بأبيات إبن زيدون، حتى أفسد الجو نواح نسائي، " ليس لمثل الأميرة ولَادة أن تنوح!! " قلت في نفسي، متداركة ما حولي وقد اقتربنا من مصدره ونحن نعبر بوابة القصر المفتوحة !..
لحظات قليلة وضحت بعدها الرؤية في صالة استقبال القصر، ما أن لمحتها حتى عرفت شخصية المرأة الباكية، أنها تلك الممثلة السورية التي لا أعرف إسمها، في مشهد قريب لذلك المسلسل التاريخي السوري الذي لم أتابعه والدائرة أحداثه كما توقعت  في الاندلس، ادرت رقبتي في أنحاء القصر المفتوحة بحثاً عن بطل المسلسل  " تيم حسن " الذي لا يمكن لأحد نسيانه، وهو يؤدي دور رجل الدولة القوي" صاحب تعز " محمد ابن أبي عامر!!
لعله في غرفة تبديل الملابس وسيظهر في  اي لحظة، أعدت محاولتي الفاشلة في تهذيب ملابسي، قبل أن تعود موجة بكاء جديدة للانفجار!..
لا تتوقف النساء عن الدراما حتى خلف الكاميرات!!،  كانت تجلس على الأرض كنائحة مستأجرة تلطم خديها وتصرخ بين لطمة وأخرى" الخائن الغشاش"!!..
أصبت بصدمة، يبدو أننا قد وصلنا متاخرين ونحن في نهاية الأحداث، ولا وجود لتيم حسن بكل تأكيد، لسنا في قصر الحكم بل بين جدران المنفى الذي حبست فيه" صبح البشكنجية" أو"  أورورا " محظية الخليفة الحكم المستنصر بالله، و أم ولديه عبد الرحمن و هشام، والوصية على عرش الخلافة..
غمرني شعور بالشماتة وأنا أجد " نور المتفائلة " تلقي بنفسها على " صبح " وتشاركها البكاء، وانا أرقص لها حاجباي خفية، واتمتم ساخرة " القانون لا يحمي المغفلين "، لا يحمينا الحب أيضاً من مواجهة الحروب، بل لعل عيونه العمياء تقودنا إليها وإلى أسوأ منها!!.
جلست بجوارهما وقد بدى لي أن أجواء الكآبة ستطول، لامد يدي لصحن نحاسي ملئ بما لذ وطاب، " لم يتغير سعر العملة اذن، ولم تفقد صبح  راتبها"، ابتلعت من الاطباق المرصوصة عليه دون أن ابالي بالرجيم الذي لم يبدأ بعد، بينما استمرت صبح ونور المتفائلة تبكيان نعش حب أناني وعرش ملك ضائع، لم يبق لها منهما سوى قصة عشق مخلدة على صفحات بعض كتب!!
فجأة شعرت بالاسف، لقد نالت صبح بعض من أبيات بليغة، ذكرى لن تنساها بحلوها وبمرارتها، على العكس منا نحن اليمنيين، أضعنا بلادنا بذنب خطيئة مخجلة، لن نتجرأ على تدوينها ولا نستحق ذلك، ما الذي يمكننا أن نبرىء به أنفسنا تجاة خطيئة الشراهة التي أطاحت بالبلاد، البطون والكروش الواسعة لمن يسمون بالسياسيين والوجهاء" جعل لهم السم "..
أفواه جراد ابتلعت الاخضر واليابس ولم تدرك أنها بشراهتها تقرض خارطة اليمن معها، نظرت للمائدة وقد فقدت شهيتي، ولم ابحث كالعادة عن قدح قهوة واكتفيت بشراب بارد من منقوع الزيزفون المختلط بماء الورد المصفى، حتى تمسح نور دموعها وتستعد للخروج.
عادت طرقات شبشبي تضرب أرضية الممر بتباهي بينما أنادي بصوت أملس:" أين أنت أيها الطاؤوس، أحمل لك مفااااجااااأة"، نكست نور التي لم تعد متفائلة برأسها مع حروفي التي نكزتها، وحثتني بالإسراع قبل أن تسأل: " هل من رجاء قريب في فتح جبهة نهم ؟! "، هززت رأسي بعلامة استفهام لا تحمل جواب وعدنا من رحلتنا..
نور ناجي

السبت، 17 نوفمبر 2018

ليس الظلام سيئ بقدر الصورة المأخوذة عنه مسبقا ..
إن حاولت اغماض عينيك وتقبل السواد عن طيب خاطر لا يصبح بذلك السوء، قضيت معه فترة لا بأس فيها مؤخراً، ورافقني اليوم بضع ساعات، لم يكن وحيداً بل طرق بابي مصطحبا معه موسيقى عالية لابنة جيراني المراهقة..
يبدو أنها غيرت ذوقها الموسيقي فجأة ووضعت علي عنبة جانباً واقامت صداقة جديدة مع المطرب اللبناني" جورج وسوف"، أسمعه الآن يصدح بمواويله من منور العمارة، لعلها بركات عيد الحب !!..
تغيير حميد على أيه حال، احييها عليه..
توقفت عن التجوال منفردة في قعر جمجمتي!!.. مازالت فارغة كما هي من لحظة ميلادي، لا أجمل من التخفف من الأفكار والذكريات..
لست بحاجة لوزن زائد لا طائل منه وأنت تنوي خوض غمار ريجيم قاسي ..

تنبهت لاقتراب جورج وسوف من أذني بشفتيه الرقيقة وعينيه الذابلتين : " يا الي تعبنا سنين في هواه ، عامل نفسه ما يعرفناش ، بعد العمر دا كله معاه، فاتنا وقال راجع ولا جاش، واهو دلوقتي لما باقابله عينه في عيني ما نزلهاش، حتى ازيك مستخسرها، مستكترها ما بيقولهاش يالي في حبه ضيع قلبي ورحت بلاش  !!"..
كيف لي ان اُفهم" وسوف" أن المشاعر التي ترغي وتزبد في صدره مجرد أوهام، كيمياء هرمونية لا أكثر تنتهي بمجرد توازنها، وليس من حقه أن يزعجني بها اولا واخيرا..
 فلتكن يا جورج ضيفا خفيف الظل!!..

حركت جفناي وانا التفت إليه لأجد الظلام الذي اخترته قد بهت سواده وانقشع عن صورة لساحل ميناء متوسطي بسمائه الرمادية الباهتة، كلانا انا وجورح نلبس معاطف شتوية ثقيلة ونجلس على الرصيف الرطب أمام الأمواج  المتكسرة، ، للعلم لن ينتهي هذا الشتا ابدا، لقد انتهت مفردة " الصيف " من حياتنا للأبد، ولم يبقى لنا سوى الشتاء البارد الأجواء والمشاعر..

تابعت مع جورج ورقة صفراء يابسة تصرخ وقد عبث الريح بها : " تركني وغاب وجوا في العيون دمعة، فراق احباب ، فراق مكتوب بلا رجعة ، يا دنيا يا زمن جراح ، تعبت اشكي حبيبي ساب لي قلبي وراح، لمين احكي  "!!..
لهذا الرجل قدرة غريبة على جعلي احزن بلا اسباب، ربما كنت جائرة في حكمي المسبق على علي عنبة!!..
فعلي عنبة لا يجعل منك كئيب يحاول اخراجك  من حالة السلام المتشبث بها ليختل توازنك !..
ربما علي عنبة يرفع من ضغط دمك لكنه لا يقترب من اوتار قلبك البتة!!..

تابعت بعيني الورقة الصفراء وفوجئت بها وهي تلقي بنفسها على حجري، أمسكتها لأتأمل الخطوط عليها، من المضحك أن لا تهديك الدنيا الا أوراق خريف ذابلة، وحين لا تطلبها!!..
 هل سقطت علي من باب الصدفة ام انها تعشق السخرية السوداء، بحث في حدقات جورج عن إجابة لسؤالي فأجاب:" مافيك تغمض عينيك، وتعمل حالك مش شايف ، صدقني بتروح عليك ، قوي قلبك ليه خايف، شو هالزمان الي وصلنا له ، ما بيترك حدا لحاله ايه والله صدقوا الي قالوا، هالدنيا خلقت الشاطر!!"..
شعرت بالضيق، لا احب النصائح الخفية " عندك شي يا اخينا، تحاكى، ما اشتي الغاز!!"..
ربما جورج على حق في نقطة واحدة ، الدنيا لم تخلق سوى للشطار وقد اجادت معاجم اللغة العربية في وصف معنى الشطارة !!..
قبضت على الورقة الصفراء حتى حولتها الى فتات..
تعودت الدنيا على خداعي ، لا تعطيني ما أريد حتى يصيبني اليأس منه أو أفقد  اهتمامي به ، لم اعد أطمح  في شيء نفخت بقايا الورقة في الهواء بغل، وطلبت من جورج اغنية عاطفية، وحذرته لا مزيد من الالغاز والنصائح ، فعاد ليغمض عينيه وهو يهز رأسه :
" باسأل على الناس كلها دائما علشان اسال عليه!!"، بعض الأغاني تجعل منك مغفل دون أن تدري!!..
لا احتاج للسؤال عن العالم ولبس أقنعة لآصل بطريقة ملتوية لأخبار شخص ما، حين اريد السؤال عن أي شخص سأسال عنه بمنتهى البساطة حتى أن كان " نتنياهو"، لم اعد اطيق تعقيدات هذا العالم، ولم اعد اطيق جورج وسوف، وربما لم اعد قادرة على تحمل نفسي!. 

من حقي ان ابقى في الوحدة المظلمة التي فضلتها أو فضلتني، لا اعرف تحديدا من منا متشبث بالآخر ، لا اتذكر دعوتي لجورج وسوف ولا لمواويله الساذجة ، ربما كنت مخطئة حين سمحت له باقتحام وحدتي..

استأذنكم سأغلق المنور بعد أن القي جورج وسوف   خارج حياتي، فانا مقبلة على غمار مغامرة شاقة وصعبة..
 ومنعطف جديد في حياتي..
الانغماس في الصمت، صمت اختياري، لا مزيد من اغاني جورج أو علي عنبة..

أو حتى من نفسي الأمارة بالمواويل والغناء..

نور
توقعات صائبة


 السبت, 17 نوفمبر, 2018 - 08:27 مساءً

نور ناجي

 كان ذلك قبل الحرب بسنوات. تقريباً مع نهاية أحداث فبراير، والتي انتهت بتوقيع المبادرة الخليجية. كنت في جلسة صغيرة مع بعض صديقاتي، قادتنا حواراتنا للإحداث في اليمن والتوقعات المتشائمة التي تنبئ باقتراب قيام حرب وشيكة. شعرت بالضيق وحاولت قطع الحديث أو تغيير مساره، إلا أني فشلت. فتابعته بحنق محدثة نفسي: "إن كان الطريق سيقودنا للحرب، فما الداعي لاستعجالها بالتنبوات!" ..

كانت روح الفكاهة مسيطرة على الأجواء، كل من فيها يتخيل مآل مصيرنا حال قيام الحرب فعليا. لم نكن من السذاجة لنتوقع أن حدود جيراننا ستفتح للاجئ. قد يفرض الجيران مبادرات؛ تسويات تضمن عدم الازعاج في المنطقة، وحفظ توازن قوى مريح بالنسبة إليها، لكن كرمها سيتوقف بعد ذلك على مساعدات إنسانية تُلقى من خلف الحدود، تريح الضمير وتحفظ المظهر العام أمام العالم..

اعطتنا تجارب الدول المنكوبة، التي سبقتنا، بعض من الحكمة. فلم نغلق علينا الأبواب المستقبلية للدول الفقيرة نسبياً. فالعلاقات بين الدول قريبة الشبة من الارتباطات البشرية. من تذوق الوجع، سيحاول التخفيف عنك بالكف عن آذاك، على الأقل. وترك بصيص من منافذ تبقيك على قيد الحياة.

ويبدو أن تلك التوقعات لم تكن بعيدة عما حدث فعلاً، ونحن نرى مئات الآلاف من اليمنيين متفرقين في كل من دولتي مصر والأردن.

كان المسلي في حديثنا الإجماع على أن الصومال ستكون ملجأ آمن!!. لعل ذلك يرجع لتهديدنا المتواصل بـ"الصوملة"، أو لنظرات دهشة الجالية الصومالية، التي تضرب كف بكف وهي تسترجع بدايات نكبتها ومقارنتها بالمسلسل اليمني الذي تعيشه. تسألت حينها: هل رفقت اليمن بأهل الصومال، أم سندفع غالياً ثمن لجؤنا المتوقع؟ خاصة وأن شهاداتنا، في بلد نفتقد للغته، لن تكون ثروة تغري أحد باستغلالها !

ومرت السنوات، لتتحقق نبوءة كان يخشاها الجميع: استلقت الحرب على اليمن بتكاسل، ونحن تحت رحمتها عاجزين، تخرج لنا لسانها بين الحين والآخر، وهي تلاعبنا بين أصابعها ككرات "بلي" زجاجية ..
قُتل الآلاف، وشرد مثلهم. ومن لم يتمكن من الفرار، بعد أن سدت عليه أبواب الهجرة، تعلق على القضبان المحاصرة لليمن بانتظار المجهول..!

مازالت أعيننا تلتفت بين الحين والآخر إلى الصومال، ليس لتعلم لغة مفقودة، أو البحث عن ملاذ، بل لتوقع ما قد يخرجنا من الحرب عبر استنساخ طريقتهم في النجاة. وقد تأكد لي أننا شعب يجيد التوقعات المستقبلية، دون أن نمتلك الأجوبة الصحيحة عن أسئلة الحاضر..!

لا يحمل اليمني، عموما، طبع التشاؤم. على العكس من ذلك. لكن طبول الحرب، التي لم تتوقف، أجبرته على ذلك، ولم تشفع له سخريته من نفسه أمام أيامها.

للأيام ذاكرة قوية، وطبائع ثابتة، لا تنزعها عن نفسها. إحداها مبادلة السخرية بأقسى منها. لعلنا نتوقف بعد هذه الحرب عن التنبؤات المتشائمة، وقد تعلمنا عدم المزايدة عليها..

الأربعاء، 14 نوفمبر 2018

يقولون أن الأمهات تموت، يقولونها بفجاجة وقحة !
يجدر بكل من يقول ذلك أن يموت، أصحاب مثل هذي المزحات القاتلة لا يستحق الحياة، حتى وإن صدقوا الوهم الذي يرددوه، لن اسمح باسقاط ذلك الوهم علي، وكلي ثقة أنه لن يصيب امي ابدا،،
قد تختفي أمهات الغير لبعض الوقت، اختفاء مؤقت!، ربما كن يمارسن لعبة تخفي على ابنائهن وأضعن طريق العودة، لا وجه تشابه بين الموت ولعبة الاختباء!
ثم إن أمي الطيبة لم تجد تلك اللعبة ابدا، انحصرت مهارتها الطيبة في الانهزام في لعبة " الباصرة "!!..
فأي دنيا تموت فيها الأمهات الطيبات، أي أرض !!..

لا تموت الأمهات من مجرد حمى، الأم أقوى من الحمى، أمي أنا أقوى من الحمى، هزمت من قبل الضغط ومرض السكر ، هزمت الحرب وواجهتها أشد مما واجهها الرجال فكيف تريدون أن اصدق بأن مجرد حمى بسيطة تغلبت عليها، لقد أكد لي الجميع أنها ماتت على سرير مستشفى بارد، لم تخشى أمي البرد مطلقاً، كانت أشد قوة منه، تستمع بشعوره على اطرافها،  أتذكر سخريتها وضحكتها الجميلة على ضعف جسدي المرتجف بينما تطلب المزيد منه بتحدي، محال أن تموت تلك الضحكة وتتركني لتستمع بكمية أكبر من نسمات البرد !!
أي أرض تغادر فيها الأمهات من أجل نزهة باردة؟! 

غرست بي أمي على الدوام فكرة تأجيل الانتقام أو إلغاءه من قاموسي نهائيا، تهز راسها بثقة غريبة، بأن حق الله وعدالته قائمة دون أن أسعي أو ألطخ قلبي بها، وانتظرت معها فقد كانت تحمل هي أيضاً قائمة لبعض نقاط العدالة المستحقة لها، فكيف استطاع أحد ان يلفق مثل هذه الكذبة!، كيف تموت أمي دون أن ترى العدالة كما وعدتني ووعدت نفسها بها؟!، في مثل هذا التصرف مخالفة لاتفاقنا!!..
أي أرض تموت فيها العدالة المستوجبة لامهاتنا؟! ..

حرمتها مني ساعات كثيرة، فكانت تهمس لي وهي تزيح عني عبء التقصير " لا تخشي، أنا راضية عنك، راضية جداً، أريدك فقط كما تحلمين، وستجلسي معي ما أن تحققيه" ؟!،
أي أرض هذه التي تموت فيها الأمهات قبل أن تلمس أحلام ابنائها؟!

أدين لها ببعض المال، أطلبه منها على استحياء لتعطيني سرا، حيناً انكس رأسي خجلا، وأحيانا ادعي القوة والثبات وأنا أؤكد اعادتي لاموالها قربباً، تحول ذلك " القريب" لعدم لا  معنى له في مفرداتي، أريد من ذلك " القريب" القليل جدا لتسديد  ديوني لامي، لا يجوز لاحد أخذ ما لا يخصه، خاصة ٱن كان يخص أمي!!.
أي أرض تسرق الوقت من بين أيدينا حتى لا نتمكن من سداد ديوننا الثقيلة تجاه امهاتنا ؟! ..

اكره الوداع، الجميع يعلم ذلك عني، اسمع تهامسهم بالانانية التي تجعلني الوح واهز رأسي على بعد مسافة كافية من الوجع، هربت سابقاً من وداع والدي واخوَي، لتعاقبني الحياة بكل سخرية وهي تحقق ما يليق بأنانيتي،،،
 لعنة استحقها بكل جدارة، حين كتب علي أن لا احظى بعد اليوم باستقبال مرحب لامي أو لقبلة وداعها،،

أي أرض تحرمنا من قبلة وداع؟!..


لا تغادر  الأمهات منازلهن دون تمهيد أو ترتيب مسبق، تتفقد كل شاردة وواردة حتى تتطمئن وتتأكد من وجود ما يكفي مؤنة منزلها، فكيف لامي الأكثر اهتماما من بين كل أمهات العالم أن تغادر ونحن على أبواب الشتاء!!، من غير المعقول أن تنقاد لحمى تجر  بيدها باستهتار وتفارق  منزلها دون النظر للخلف ولو لمرة واحدة !!
أي أرض تسرق الحمى فيها أكف الأمهات ؟!..

ربما لم تمت أمي، مازلت مصممة على ما أقول ، أنا من توفى دون أن أدرك تغير الزمان والمكان، لطالما كان يشدني الفضول لمعرفة ما يحدث بعد الموت، تراودني لحظات الشك عن عدم وجود حياة بعدها، حتى تأكدت اليوم، من وجودها فعلياً، حياة ميتة اخترقتني واستقرت بي لحظة أخطأ الأطباء تحديد شخص المتوفي، لم يدركوا أنني من فارق الحياة، والقي بي جانباً جسد بلا روح، كومة من تعب، ما يحزنني حقاً هو بكاء أمي على فراقي، لكني سأزورها في المنام، أعدها بذلك، لن اسمح بأن يؤلمها وجع فراقي، يكفي أن تعيش هي لأعبر  غربة موتي الجديد، وأنا مطمئنة أن والدتي حية، محال أن تكون قد توفت فعلا ..
محال أن تقبل أرض الأموات بحياة عامرة كروح أمي ؟!..


السبت، 10 نوفمبر 2018

رسالة من مهاجر..

حَسب الحرب أنها حرب، لن تضيف الكلمات والحروف لأمرها شيء. تنتصب أمام لياليك الثقيلة برتابة حجارة سوداء حتى تحسب ألا هروب منها سوى بالاحتضار.

ينتابها حس الدعابة، غالباً. فتسلى نفسها بالتلاعب بك، بسخرية متعمدة وهي تعيدك لأسواء ذكرى في طفولتك البعيدة. طفل حائر، تكاد أن تداس بين الزحام بعد أن انزلقت اصابعك الصغيرة من كف والدك. لم ينسى ذلك الطفل ضياعه، وغصة الشعور ببعض الخذلان من الكف التي كادت أن تفلته!..

يحسب من يعيش أيام الحرب، أنها عقاب خاص به وبمن ابقتهم الظروف في محيطها. لكنها لا تستثني أحد. ما أن اختارت اليمن مقراً لها، حتى ارخت من كبح شياطينها ليطيحوا شراً باليمني أينما كان. وإن ظن أحدهم أنه نفذ من شراكها، وشرك الحدود المقيمة بها، تستمر بملاحقته، والتعلق على ثوبه بكل تصميم وعناد ..

نبهني بريدي، قبل أيام، بنغمة رسالة واردة. فتحتها لأجد كلمات وحروف منهكة، تلهث تعبها على الشاشة وهي تحثني برجاء أن انشرها. لم أجد لها رداً. نعتقد لأوقات كثيرة، أننا مارسنا الوجع بإخلاص. تذوقناه، حتى التصقت ثمالته مُرَة على حلوقنا، اجتاحنا ووضع بصمته على قسمات وجوهنا، حياتنا، دون أن يستبعد نفسه عن تسكع الفتيان وضفائر الصبايا المخفية. لكن يبدو أن شهية الأوجاع مفتوحة وتحتاج دوماً للمزيد.

لذلك، قررت نشر الرسالة، لعل تقاسم بعض الأوجاع يمنحنا بعض من صبر وقوة:

"اختي نور؛

أكتبي عن وجع العزيز إذا أجبرته الظروف على طرق أبواب لا تفتح. أكتبي عن اليمني باني السد، وصاحب الحضارة، كيف أمسى مشردا، يبحث عن مساحة أمان لم يجدها تحت سقف أي سماء؟ إحساس من العدمية تنال منه، وهو محشور وسط الجموع التائهة، الباحثة عن أوطان بديلة تجد فيها راحتها..

اكتشفت بين جموع اليمنيين، أننا شعب لم يذق الراحة منذ سنوات..، سنوات أطول من الحرب نفسها!. محال أن يعرف الراحة من شعر بوطنه وهو يرزح تحت قلق متسابق نحو الحرب. فكيف به، وقد غرق في مستنقعات صراع لا بصيص رجاء لنزع سلاحه!!.

مئات من اليمنيين يسابقون الفجر، للاصطفاف أمام مكاتب المفوضيات، يسندون أنفسهم بالألم والمشقة إلا أن يقفوا على رأس تلك الصفوف. شاهدت بعضهم اليوم؛ بدت هيئتهم وكأنهم وصلوا للتو من اليمن، فمازال غبار الأرض على ثيابهم‏ وأرواحهم. لست غريب عن تلك الرائحة، فبعضها يبقى في قعر النفس لا يغادر ..

اقترب مني بعض الفتية متسائلين، لم يتجاوزوا الطفولة بعد، بأوراق ونظرات تائهة. كان الزي المدرسي للمرحلة الأساسية يغطي هزال أجسادهم. لكِ أن تتخيلي معنى عدم قدرتهم على شراء ثياب جديدة للسفر!..

ما نتحمله كثير. أكثر مما نطيق. لا أعلم حقاً مدى قدرتنا على التحمل أكثر!".

صمتت الحروف، وانتهت الرسالة، دون أن يذيلها مرسلها باسم. ربما أختار أن يكون مجهولاً، أضاعت الأيام موطنه، وظن عليه المهجر بقليل من أمان..

الجمعة، 9 نوفمبر 2018

انتقام 

نحن في عصر يتطلب العنف، القليل منه، بعد أن فرض علينا كمادة إجبارية..
ولكي اتخلص من بعضه الجأ للاختباء خلف قصص وهمية اعيشها مغمضة عيني أو اسردها عبر قلمي، فالحرف أقوى الأسلحة التي أؤمن بأنتصارها على ذواتنا الواعدة " بالانتقام" أو الغضب المفرط..

وبرغم السوداوية التي لطخت العالم، مازلت أملك علبة الوان مخفية بين طيات روحي اخفف بها حدة السواد الذي نحيا فيه، فالعالم برغم كل شيء أجمل مما نظن!!
ارسم بخربشاتي طريق آمن " لقمر " لا ظلم أو قهر أو حرب فيه، للأسف أملك من الأنانية ما يجعلني اخلع العالم وانجو بألواني وحيدة، فلا مكان شاغر في رحلتي ولا يجب أن يعاني القمر هو أيضاً من حرب بشرية جديدة, جميعكم يدرك أن العالم يزداد عبثاً مع انتشاركم فيه وازدياد قوتكم..

قد يعتقد البعض أن ما أكتب انعكاس لي ولمصاص دماء يسكنني، يقيده تابوت وحزمة من الثوم، والبعض" الاكثر لطفاً " يراها مجرد فضفضة تجهد نفسها لتبدو كوميدية أو لطيفة بعض الشيء..

أكثر ما أثار استغرابي اتهامي بشعور حقد دفين لسلالة بعينها وأن ما أكتبه ليس سوى انتقام لنقص حاد أشعر به في نفسي تجاهها !!
لن اتباكي محاولة استدرار النخوة والحمية للدفاع عني، لكن تلك العبارة اخذت من تفكيري الكثير!!..

بعد كل الدمار الذي لحق ببلادي وباهلها، دمار بدل ملامحها وغير كل شيء فيها، كل شيء عدى تفكيرهم !!
هل حقاً لم يدركوا حجم الكارثة التي وضعونا فيها، الم يصلهم أنين الموجوعين، وبكاء الأرامل ؟!..
ما الجين المسبب لتبلدهم ؟!
البعض لا يستحق عناء الرد، لكنه يحثك على التفكير ، البحث عن حل ..
لا أنكر أني غالباً أسقط الواقع السياسي في ما أكتب على الرغم من اعترافي الصريح بجهلي لعقول السياسيين ..

لكن فكرة الكتابة للانتقام، بعيدة كل البعد عما أكون، وربما العكس !.. 

حين أقرر أن أكون شريرة، لن اتخفى خلف أزيز نحلة ما، ولن أحاول كسب شهرة على حساب وحش محترم يقوم بعمله ودوره في الحياة بكل اتقان وتفاني!!
كما أني لا أملك الوقت الكافي لرسم الخطط والتسلل عبر أسطح مواقع التواصل الاجتماعي لالقي بوعاء ماء ساخن على رأس جماعة ما ؟!!!
اصدقكم القول، راقتني الفكرة وأنا اكتبها، هل من الممكن القيام بذلك ؟!، فكرة مثيرة، أيقظت الوحش الكامن بي!!..

الخلاصة ..
لن ادفن نفسي تحت مساماتي لأنفي تهمة الحقد عني، ولأكون في نظر البعض أكثر رقة ووداعة، ساخطط لجرائمي متى أحببت، وارسم" انتقاماتي" ووحشيتي حين يريد قلمي..

قد اصحو يوما لابقى مستلقية على سريري واقضي نهاري مع نغمات محمد منير، وفي يوم آخر ساوقظ صنعاء قبل أن تستيقظ الشمس لترقص معي وقد نفضناهم عنا، على الأقل تخلصنا منهم في خيالنا حتى حين..

قد أعشق يوماً ضفدعاً ينتظر قبلة تحوله لأمير، وربما ساسخط أحدهم بلعناتي ليصحو ونقيقه يملاء الشارع..
سأحيا كما أريد وسأكتب بالطريقة التي أهوى،  وبكل عناد سأبقى على هذه الأرض حتى يصابوا بالملل، ويغادرونا ..

نور ناجي ...

السبت، 3 نوفمبر 2018

السلالة الذكية

ليست الحرب بذلك السوء. لا أقول ذلك بسبب تجارتها المربحة التي تُخلق من العدم، أو هبة الإثراء غير القابلة للتفسير والتأويل، بل لمفاجأتها المبتكرة، الأقرب للصفعات!!..

كانت الثانوية العامة لعشرات السنوات، الوسواس القهري الذي يحمله الطالب في حقيبته المدرسية منذ عتبات يومه الدراسي الأول. يستمر ذلك الوسواس في نخر عقله حتى يتحول إلى كابوس، "وحش مرعب" لا سبيل للفكاك أو النجاة من أنيابه حتى لحظة اجتيازه امتحانات التقدم إليها. فقد كانت الثانوية العامة المنظومة التي اختارتها دول العالم الثالث لتقدير قيمة الطالب، وتحديد طريقه المستقبلي، ونوعية الرداء الذي سيميزه بقية عمره..

برغم هزلية تلك المنظومة، إلا أنها تضمن للطالب ذو الدرجات المتوسطة مقعد مستقبلي في إحدى هيئات الدولة ووزاراتها، ليندب عليه حظه العاثر ويشكو الفخ الذي غرسه في الكتلة البشرية السميكة لموظفي الدولة...!

بينما يأخذ المتفوق ساعات وقت أطول في تسوية هندامه وتسريح شعره، قبل أن يعلق المسطرة الشفافة الخاصة بكلية الهندسة على كتفه، ويخرج متباهياً بها. لطالما كانت تلك القطعة البلاستيكية الشفافة مدعاه للتفاخر والتباهي، مقارنة بزي الطب الأبيض- بالنسبة لي على الأقل..

كل ما سبق كان من الماضي. فقد أنهت الحرب تلك المنظومة "الجائرة"، وقضت على كابوس قلقها وندمها، الذي كان مكتوباً على جبين الطلبة بعد أن أثبت علماء الميليشيا (المبزغين) نظرية علمية جديدة ستغير نتائجها من مجرى التطور العلمي الحديث ونظرياته، دون الحاجة للاستعانة بالمعامل وتجاربها المخبرية، التي تقتطع من الدول المتقدمة جزء غير هين من دخلها القومي..

لم تكن نظريتهم الثورية جديدة المحتوى تماماً. فقد حاول "هتلر"، الزعيم النازي، برهنتها عبر حروبه العالمية بالحديد والنار. إلا أن اختياره الخاطئ للمعطيات التي ساقها، قادته للفشل الذريع والانتحار، قبل أن يدرك مكمن خطاؤه وسر هزيمته. تلقفت ميليشيا الحوثي تلك النظرية، وتداركت معادلاتها بتعديل طفيف، حين نحت عنها الجنس الآري، واستبدلته بسلالة أكثر نقاءً وذكاء بالطبع..!!

في ثانوية الميليشيا، أنت متفوق، ليس لاجتهادك أو موهبتك، يد في ذلك. فارتقائك نابع من انتمائك للسلالة الإلهية المنزهة، ولولاء كاف لمبادئها. أو لامتلاكك مهارة في الغش لا يملكها غيرك. هذا ما أقرت به نتائج الثانوية العامة للمناطق الواقعة تحت سيطرتها في الأربعة أعوام السابقة. أما بالنسبة للطلاب الذين حاولوا مزاحمتك في كشوفات الأوائل- من خارج التصنيف السابق- ليسوا سوى طفرة جينية؛ خطأ مطبعي سيتم التعامل معهم مستقبلاً عبر امتحانات قبول الجامعة.

لم يقتصر فضل السلالة على المتفوقين من طلاب الثانوية، فقد أزاحت عن "السواد الأعظم، ذو الكفاءة المتوسطة أو الضعيفة"، عبء دفن مواهبهم وحياتهم في أرشيف حكومي. فلم يعد للدولة من أرشيف أو وظائف أو حتى هيبة، بعد أن تم افراغها من مفهومها وكيانها، وأبقي- لأسباب خارجية- هيكل كرتوني يمثلها ويحتاج لوقود بشري حي يحرق في الجبهات لإسناده..!!

لا تعتقد، عزيزي المواطن، أن ميليشيا الانقلاب ظنت على أبنك دخول الجامعات وحرمته منها..! كل ما في الأمر، أنها- بحكم تفوقها الإلهي في التفكير والتدبير- اختارت ما تراه الأفضل والانسب لجيل مازال ممتلئ بالطموحات والقوة.

وجدت نفسها منصفة، حين عوضت طموحات أكتافه بأسلحة الكلاشنكوف والبازوكا، واستبدلت القماشة البيضاء لزي الأطباء، بأكفان على أهبة الاستعداد لـ"ستقباله"!..


نور ناجي

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...