الأحد، 10 يونيو 2018

ليس الخبز وحده !!

يقول السيد المسيح :" لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ"..

حاولت إقناع والدتي بهذه العبارات طويلاً، وانا أخفي روايات الرعب بين كتبي المدرسية، لكنها أجبرتني على الإقتراب من التنور، بالقوة تارة واللين تارة اخرى لتعلم فن صناعة الخبز!!

خيبت ظنها للأسف، برفض إدخال يدي وذراعي في فم التنور ذو الانياب الملتهبة، وأنا أصر على أن الوقت مبكراً على تذوق طعم النيران!!..

كفت عن محاولتها متبرمة حين وجدت أهداري للطحين والخميرة على الخبز  " القافح " الذي أصنعه، والذي لا يختلف كثيراً عن ما كان فقراء المسلمين يأكلونه في مسلسلاتهم الدينية.. 

تجبرك الحرب أحياناً على تقمص دور العدو والتفكير باسلوبه، تدور في أرجاء جمجمتك وانت تستمع لصدى تجولك فيها، وانت تعصر ما تبقى من خلاياك :" ماذا تفعل لو كنت مكان الميليشيا ؟!" ..
بعد بحث مستفيض للتاريخ القصير الذي عاصرناه معهم، ودراسة متأملة لأساليب عملهم المبتكرة، تنبهت بأننا على وشك أزمة جديدة ..

أزمة قمح هذه المرة..

كل الطرق تقود الى روما، أو للحديده بمعنى أصح، بعيداً عن الهزيمة المتوقعة لهم في المدينة الساحلية، لن يمر مثل هذا الحدث الجلل عليهم دون أن يستفيدوا منه،( الايد البطالة نجسة )، كما يقول المصريين..

فالحديده البوابة الرئيسية لإدخال المواد الغذائية على مناطق سيطرتهم، بل تمتد لغيرها من أراضي اليمن، ولن يتركوها تمر عبثاً ..

قد نتخلى عن الكورن فليكس أو الشامبو، سنلبس الاسمال البائسة ونتداوى من عطارة " بهارات ياسين"، قد يصل بنا الأمر لتربية معزة في المنزل للأستفادة من حليبها للأطفال، لكن لا مفر من لقمة العيش " الخبز " !!..

سيقترح أحدكم استبدال الخبز بالبسكويت، أرجوكم لا داعي للتذاكي فالحديده هي الممر الوحيد المتاح للبسكويت !!..

من حسن حظي، لا أعاني من قلق إختفاء القمح لوجود شخص من عائلتي يحمل هاجس نهاية العالم!!..

يحمله منذ فترة طويلة، أطول من الحرب نفسها، لذلك اخفى في سرداب عميق أكياس قمح تصل حد سقفه، وهو يبرر ذلك بنهايات قريبة لكوكب الأرض، حينا ينهي العالم بقنابل نووية لا تبقي ولا تذر، وحيناً أخر تكون المجاعات واختلاف الطقس هي هاجسه المخيف، المضحك في الأمر أن إمكانية إحتلال الأرض على يد سكان المريخ، كان أقرب إليه من انقلاب يحدث في اليمن !!..

لكني تنبهت وأنا في وسط اطمئناني بوجود السرداب وأكياس قمحه لأمر في غاية الأهمية، أنا لا أجيد صناعة الخبز، وقد تخلصت من التنور الذي كنت أملكه، لاعطي مطبخي مساحة واسعة !!..

قد يكون ذلك هو الجزاء الذي استحقه لعدم استماعي لنصائح والدتي التي لا أعتقد بأنها ستقبل بإعادة دروسها علي مرة أخرى، كما أني أشك بقدرتي على التحكم في العجين التي تصر على الالتصاق بين أصابعي!!..

أنظر لمكتبتي الصغيرة بعين آسفة، ورائحة خبز التنور تعذبني من الآن!!..

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لكنه لن يستطيع مواصلة العيش أو الحياة بدونه !!

نور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...