الأحد، 10 يونيو 2018

وفد حكومي !!..

سحب سكينه المثبت على جرابه الباهت قبل أن يسند بندقيته ويجلس جوارها، زفر أنفاسه وهو يقطع خيط بصره عبر الوادي الذي يفصله عن قمة العدو في الجهة المقابلة..

يوم هادئ، لا يقطع سكون الجبهة فيه سوى  صفير الريح وهمهمة بطن الوادي وهي تمضغ بهدوء " كريم " صديقه، وجبة البارحة !!..

النهار فارغ دون مواويله، ترى هل وصل خبر استشهاده لوالديه، ميزة تلك الأخبار أنها لا تعاني من بطء المواصلات أو تراخي لساعي البريد!..

من الجيد أنهم في الجبهات لا يسمعون بكاء أهل الشهيد، وأن وصلهم فهم لا يبكون، لا أحد يبكي في الجبهة، ينسيهم توالي الأيام طريقة البكاء..
لا يكاد يغادر خبر استشهاد أحدهم للمعسكر حتى ينشغلوا عن الموت بالتقافز بين قذائفه ورصاصاته!! ..

اقتربت الهليكوبتر،، ليتوقف عن شحذ سكينه ويحمل بندقيته على كتفه مع رفاقه ويقتربوا من منطقة هبوطها، متجاهلين عاصفتها التي حاولت تمزيق وجوههم، أخفت ضجة المراوح تساولاتهم عن هوية الزائر ؟!، فمنذ فترة طويلة لم تمس المساحة المنبسطة أية ألواح هبوط ؟!..

بلل شفتيه المشققة وهو يلمح " الوفد الحكومي"  يترجل من الطائرة بثياب رسمية وشعر لامع، يحدق أعضائه حولهم بابتسامات زاهية!!..

ما الذي يبعث على الابتسام في مثل هذه الأرض القاحلة؟!، " كريم " وحده كان من يجعلهم ينتصرون على كآبة المكان بضحكاته ومواويله، ولكنه لم يعد موجودا؟!، لعل خبر استشهاده لم يصل الوفد بعد !!..

تراجع عدة خطوات وقد لمح الميكرفونات والكاميرات تستعد لالتقاط الصور، لا يحب الصور فلا داعي لحشر نفسه فيها، لم يتم خطوته حتى استوقفته كلمات أعضاء الوفد  تخرج ثائرة عن " الصمود الأسطوري الذي لن يتزحزح قيد أنملة حتى سقوط أخر قطرة!"..

دماء " كريم" التي نزفت على كتفه وهو يحمله  تحت وابل الرصاص كانت آخر ما نزفته الجبهات، والوفد الحكومي يعد جمهوره بالمزيد منها؟! ..

أصوات طلقات نيران عابثة!!..

لم تُحرك المقاتلين الذين اعتادوا عليها، فهم يعرفون مصدرها وأسبابها، ليست سوى تحية ساخرة من الطرف الآخر لتذكيرهم بمجزرة البارحة، لكن أعضاء الوفد الزائر لم يفهموا الرسالة فاحنوا أجسادهم وقد تناثرت ابتساماتهم متهشمة على الأرض..

عادوا للطائرتهم سريعاً، وعاود سفح الجبل إغلاق فمه!..
جر خطواته مع رفاقه لأماكنهم، وهو يركل في طريقة بضعة أقدام بأحذية أنيقة أسقطها الزائرون، وامسك سكينه ممرراً حدها على الصخرة الحادة برتابة، وهو يردد إحدى مواويل " كريم " ..

نور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...