السبت، 12 يناير 2019

سحابة سمراء..  
السبت, 12 يناير, 2019 - 09:02 مساءً 

 نور ناجي  

 لم يكن الربيع العربي الانفجارة الأولى لثورات هذا القرن. فقد سبقته الكثير من الثورات التي اتخذت ألوان ومسميات متعددة، وقع أغلبها في المناطق التي كانت تقع تحت مظلة الاتحاد السوفيتي السابق، قبل أن تنطلق مجدداً في الشرق الأوسط "وربيعها"، الذي لم يختلف في المنهجية عن الثورات السابقة، لتتساءل بعد مرور هذه السنوات، إن كانت تلك الثورات خطت بقلم واحد، أم أن تشابهها كان محض صدفة؟!.. 

  لا أحد يستطيع إنكار الاستبداد الذي قامت ضده تلك الثورات، ليشعر الغالبية بوجوب التغيير الذي لم يكن يرفضه سوى المستفيدين من بقاء تلك الانظمة الاستبدادية- القمعية في الغالب- والتي لا أمل مرجو يلوح في انفاقها المظلمة.   إلا أن الانتقادات الداخلية الموجهة لها دون كلل، على مدى عشرات السنوات من أصوات المعارضة الداخلية، وارتباط مصالحها بدول العالم ومنظماته، جعلها تضطر للسماح بحرية نقابية وتعددية حزبية شكلية، لم تكن مرضية بأي حال من الأحوال. 

  تم التمهيد لتلك الثورات عبر سيناريو متقارب، واحداث منسوخة من بعضها البعض، حتى انحرف المسار فجأة، واختير لكل ثورة قدر مغاير للأخرى في الشكل، وبمضمون لا اختلاف فيه، بعد أن اختفت احلام شبابها الطامح كفقاعة صابون، ليفضي مسار تلك الثورات إلى واقع أسوأ مما كانت عليه بلدانهم قبلها.

   من الطبيعي أن يكون الحديث عن الثورات مبعثاً للسخرية، في زمن اختصرت فيه طبول الحرب كل ما يمكن أن يقال على معظم البلدان التي وقعت عليها. إلا أن ارتفاع وتيرة الاضطرابات الحادثة في السودان الشقيق، فاجأت الجميع، ببشائر "ثورة جديدة". ربما، من يعلم؟!   

مظاهرات وهتافات مشابهة لما ردده الربيع العربي. لكنها قد تختلف عنها في عدم وجود جهة منظمة محددة يمكن أن يلقى عليها مسؤولية اندلاع تلك الأحداث. بالإضافة لتجاهل إعلامي عمَّ كافة منابره- حتى تلك التي كانت تهتف باسم اسقاط النظام- يشير لعدم رضى المحيط الإقليمي أو الدولي عنها. على عكس ما حدث في الثورات السابقة. مما يجعلنا نلقي تساؤلا مهما: هل أدرك العالم أخطار الثورات فحذرها، أم أن مصالحه ليست متوافقة مع ما يحدث في السودان؟!   

لم يتضح بعد إن كنا نقف أمام ثورة شعبية حقيقية، لا أطراف خارجية مساهمة في تحريكها، أم أن ما يدور في السودان  مجرد سحابة سمراء ثائرة، ستأخذ  وقتها وتمر؟!    

ما يثير الدهشة والاستنكار، هو عودة منظري الثورات لمزاولة أعمالهم مع تلك المظاهرات؛ إما بترفع الثوري الذي اعتاد إلقاء النصائح المناسبة لما يراه والمتوافقة مع مصلحته، أو بتحذير وترهيب الحكيم المتخوف من سعي الشعب السوداني لغرق جديد في المنطقة؟!   

هتافات مؤيدة ومعارضة، وتراشق لم تخلو منه مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يعير أي من الطرفين الاهتمام بما يريده المواطن السوداني حقاً، ومدى معاناته؟!   

لا بأس من كونك ثورياً ساعياً للنضال. ومن المستحسن الخوف المبرر على أرض شقيقة، لم يلقى منها العربي واليمني على وجه الخصوص سوى الترحيب والمودة. إلا أنك بكل ما تحمل من أماني طيبة أو محاولات استرزاق جديدة، لم تسأل المواطن السوداني عن خياره ورغبته!! ولم تجهد نفسك في البحث إن كان الملل من دفعه للانتفاضة، أم أن الجور على مدى سنوات طويلة هو من جعله يلقي عنه ثياب الهدوء والصبر الذي اشتهر بارتدائه.   

دعوا أهل السودان لشعابهم وخيارهم الذي يرجونه. وليخوضوا تجاربهم سلباً أو إيجابا. ولا تتعاملوا معهم كناقصي أهلية غيبّوا عما دار في العالم خلال السنوات الماضية.   
من الأجدى بكل ثائر أو حكيم أن يلقي القليل من تفكيره على مشاكل بلاده الحقيقية التي- وإن أنكر- كان يدا صغيرة ساهمت بما آلت إليه.    

الخميس، 10 يناير 2019

بينوكيو.. 

أجمل ما في أبطال الروايات أنهم" وهم "، مجرد خيال ساحر ، بأمكاننا تشكيله ونحته كما نهوى، حتى نقترب منهم ونعيد قرائتهم أكثر من مرة، يزول السحر وتظهر لنا حقيقتهم الواقعية، وهل من شيء أسواء من الواقع؟!.. 

كان "بينوكيو" _ اللعبة الخشبية التي نُفخت فيها الحياة ذات ليلة مقمرة أثر أمنية ودعوة صادقة لصانعها _ أكثر الشخصيات التي عشقتها صغيرة، وشعرت بلهفتها المجنونة وهي تسعى للبحث عن طريقة تحيل خشبها اللامع لواقع حقيقي، كنت حينها ما أزال ساذجة فالمساحة الضيقة لجماجم للاطفال تعجزهم عن التفكير المنطقي!.. 

أمر منطقي أن استوعب بعد هذه السنوات البطل الخفي للرواية، الكاتب الذي جلس طويلاً خلف الأوراق القلقة، لم أبحث عنه ولم يشدني الفضول لمعرفة إسمه حتى الآن، سيزورني حتماً ذات يوم، وسأكتفي بالشغف الذي ما زال يأسرني وأنا اقفز بخيالي بين ما اتذكره من الأحداث التي سطرها.. 

أكاد اجزم بأنه حين أمسك قلمه لم يكن يبحث لبطله عن جلد إنسان، لكن أرقام المبيعات اضطرته لاخفاء حلمه بأن نصبح جميعاً "بينوكيو"، لكن البطل الخشبي الساذج لم يفهم سر صانعه، واستمات حتى النهاية لاستبدال غلافه الخشبي بجلد آخر بشري الملمس.. 

هل أعتقد " بيونيكيو" بأن جلودنا أكثر نعومة من اخشابه، أو ظن بأن امتلاكنا لها سيزيد من مشاعرنا؟!، ليست الجلود من تجعلنا نختلف عنك يا عزيزي، فبرغم إفتقاد غالبيتنا حساسية الشعور الا اننا نكتوي من النار وتصيب مساماتنا لسعاتها.. 

لعل "بيونيكيو" لم يكن بتلك السذاجة التي اظنها، واستطاع بحيلة ماكرة أن يتمكن منا جميعاً، وحاك هو أحداث لن تصيب صاحبه بالملل الذي قد يجعله يتخلص منه في نهاية القصة، فأجمل الحكايات على الاطلاق هي تلك التي يتحول كاتبها لمجرم يقتات من دماء أبطاله !!.. 

كان الخلاص هي الحجة التي بررت "لبينوكيو" خداعه واقنعت كاتبه بتحقيق أمنية التحول التي ينشدها، فحين تتحول قطعة الخشب لإنسان لن تخرج خالية الوفاض، سيكون " بينوكيو " في منتهى الكمال حين يتخلص من أنفه الفاضح دون خشية انكشاف كذبه، فأنوف البشر تبقى على حالها، ولا تزداد طولاً حين تكذب!!.. 

كذباتنا أشبه بفقاعات صابون، جميلة الشكل بملمس لا يتحمل الخدش، ناعمة لطيفة تنعكس عليها أشعة الشمس فتحيلها مزيج من ألوان قوس قزح ممتعة، نتابعها ونحن نظن أن احتفالاتها لن تنقطع، حتى تضجر فتغادرنا دون أن تخلف ورأها أي أثر مطلقاً!!.. 

أفشيكم سراً،،، 
أنا الآن اكذب، أمرر الكذبة وكلي ثقة من بقاء أنفي على حاله، فالكذبات تخلف ندبات موجعة، لا تزول بعد اكتوائنا بها، بل تبقى دخان حزين ينبعث من مساماتنا، كما تفعل النار " ببينوكيو"، وأكثر.. 

نور ناجي

السبت، 5 يناير 2019

بالة" مسافرة ..  السبت, 05 يناير, 2019 - 09:13 مساءً نور ناجي  
كانت "البالة" هي ما وصلني من دندنة السائق الذي قرر تجاهل المسافرين، المتبلدة ابصارهم على ذرات الصحراء المحيطة بهم دون أن يعرفوا ما تكنه؛ هل كانت مرحبة بوجودهم أم عازفة حتى عن متابعة العجلات التي تعبر درب سفرهم؟!   

جاء اشتقاق لفظ "البالة" من "البال"، أي "الحال أو الشأن". وهي نوع من أنواع الغناء التراثي اليمني الذي يعود لخاطر، يرتجله الشاعر من خياله في السهرات المسائية والمناسبات المتعددة، ليردده وراءه فريق أشبه بالكورال بتنسيق مبدع.    

لم تكن البالة حجراً على الرجال في مناطق اليمن المختلفة. بل تسابقت النسوة لارتدائه دون تهيئة مسبقة في مساء الريف الجميل، حين كان متعافياً.   

من حسن الحظ، أن السائق فَضَل الصمت بعد لحظات، وأناب مسجل العربة عنه لإكمال "بالته" على لسان المطرب "علي عبدالله السمة"، وكلمات الشاعر الرقيق "مطهر الارياني". ارتاحت جميع الأطراف لهذا الخيار واستمتعت بمطلع الأغنية بهدوء:   والليلة البال ما للنسمة السارية،، 
هبت من الشرق فيها نفحة الكاذية.. 
فيها شذى البن فيها الهمسة الحانية،، 
عن ذكريات الصبا في أرضنا الغالية..  

 تنهدت متألمة، وأنا أتابع اللون الاصفر المسافر بي؛ ترى من أي شاطئ أفريقي وقف خيال الشاعر لتأتيه النفحة الشرقية الكاذية؟ وهل أسقطت تلك النسائم دمعاته، أم أنها ابقتها معلقة حتى يعبر المضيق الضيق ويصل ميناء رجوعه؟!   
والليلة العيد وأنا من بلادي بعيد،، 
ما في فؤادي لطوفان الأسى من مزيد.. 
قلبي بوادي «بنا» و«أبين» ووادي «زبيد»،، 
هايم وروحي أسير الغربة القاسية..   

مازالت الغربة الوجع الازلي المتجدد في قلب كل يمني وعبر العصور. لا تعلم حقاً إن كان ذلك قدرنا، أم أنه "جين" يسري في دمائنا؟ قد تكون لعنة حلت علينا وعلى أرضنا التي تبادلنا معها الظلم يوماً، نجور عليها بقسوة وهي مستسلمة خانعة في انتظار اللحظة التي تأخذ بثأرها منا، وهي تباعدنا عن اسفارنا بتجنٍ موجع؟   

أيام ما موسم الطاعون قالوا دنا،، 
وماتوا أهلي ومن حظ النكد عشت أنا.. 
عشت أزرع الأرض واحصد روحي الذاوية،، 
ذكرت أخي كان تاجر أينما جا فرش.. 
جو عسكر الجن شلوا ما معه من بقش،، 
بكر غبش: أين رايح: قال: أرض الحبش.. 
وسار، واليوم قالوا حالته ناهيه..   

لقد شكى آباؤنا وقالوا الكثير. وما استعصى عليهم تدوينه، باحوا به بغناء موجوع. إلا أننا وببساطة لم نصغي، وعاتبناهم دون أن نعطي الشاب المنكوب بالطاعون، وفناء الأهل، بعض ما منحنا به أنفسنا من أعذار. بينما اخيه الهارب من "عسكر الجن"، مازال في أرض الحبشة ومطارات العالم منتظرا خلاصه!!  

 بكرت مثله مهاجر والظفر في البكر،،
 وكان زادي من اللقمة ريالين حجر..
 وابحرت في ساعية تحمل جلود البقر،،
 والبن للتاجر المحظوظ والطاغية!!..  

 قد تكون "البالة"، هي الأخرى، غناء متأهب للسفر. تشعر بذلك خلال تنقلاتها بين المقامات وايقاعاتها، المماثلة لتنقل بطل الملحمة المغناة بين "دكة" وداخل "عصب" في أرض الصومال. 

  سدت حلوق المستمعين بغصة حزينة. غصة شعب أنهكه الحزن والتعب منذ مئات السنين، حتى سود الفحم جلودهم "مثلما المدخنة". من المؤلم أن تعلم أنك فرد ضمن جموع توارثت الحزن، ولم تستطع تغيير قدرها، لتبقى خيرات بلدها حكرا مقتسم بين متاجرين وطغاة.   

لا تعلم حقاً؛ هل جارت الأيام على هذا الشعب أن أننا ضحايا أنفسنا؟ لم أجد شعب يعيد اجترار تاريخه بهذا التطابق المذهل! تبقى الجغرافيا ثابته لملايين السنين، لا خلاف عليها، لكن إعادة المشاهد بذات الأدوار، دون أي تحريف لحبكة أو نهاية، تجعلك تبحث عن السبب الحقيقي لمثل تلك الإعادات الهزلية!   

لم تعد المساحة الصفراء حيادية، كما كانت قبل لحظات. شعرت بذلك وأنا غارقة بين الحان "البالة" القريبة من نهايتها، حين بدأ بحر الرمال يمتد ليطبق على العربة المسافرة.   

 لعل شجن المغني قد أصابها، فرفضت استنزاف احزانها أو حمل أوزاره "بدمع يبكي الشجر والحجر"، وأغلقت الطريق بكل عناد أمام هاربين جدد، علها تعيدهم إلى صوابهم، بعد أن قبضت على دمعات غربتهم المبكرة وهي ترجو عودة قريبة:   
غنيت في غربتي «يا الله لا هنتنا» 
ومزق الشوق روحي في لهيب الضنى
 راجع أنا يا بلادي يا ديار الهنا
 يا جنتي يا ملاذي يا أمي الغالية   

السبت، 29 ديسمبر 2018

المقارنة الظالمة  السبت, 29 ديسمبر, 2018 - 09:04 مساءً نور ناجي  مازالت محاولة إسقاط فترة حكم "ملوك الطوائف" في الأندلس على الشرق الأوسط "الوطن العربي سابقاً"، تجري على قدم وساق، بمقارنة جائرة لا عدالة فيها..   يقول الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل: "إن استحضار الماضي مثل استحضار الأرواح؛ غير مقنع في أبسط الأحوال". وهذا ما يفعله منتقدي هذا العصر ومتصيدي أشباح الماضي بلذة فاحشة. لا أدعي أن منطقتنا العربية تتربع قائمة الدول الحضارية المزدهرة، لكن لا بأس إن احتللنا المركز الثاني أو الثالث!!.   يدرك دارس التاريخ أن تجزئة الأندلس كانت نتيجة سقوط الدولة الأموية في العام ???هجرية، واستيلاء بقايا وميراث أمراء الاندلس على مناطق نفوذهم، معتمدين على قوة عائلاتهم وولاء جيوشهم الصغيرة، حتى تحولت الدولة القديمة إلى كونتينات شخصية، سخر منهم الشاعر بقوله:   مِمَّا يُزَهِّدُنِي فِي أَرْض أَنْدَلُـسٍ،، أَسْمَاءُ مُعْتَمِـدٍ فيهـا وَمُعْتَضِـدِ. أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا،، كَالْهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صُولةَ الأَسَد.   لا وجه للتشابه بين تجزئة بلاد الاندلس، وبين ما أبدعه كل من السادة الأفاضل "سايكس ورفيقه بيكو"، في الاتفاقية التي تمت بداية القرن الماضي بحسابات دقيقة، كان للمسطرة فيها السيطرة والسيادة على الخرائط دون محاباة لجغرافية الأرض وإرادة الشعوب.   أشهر كل "أمير طائفة" سلاحه على أطراف حدوده؛ إما لصد غزو، أو للهجوم على جيش من الرفقاء القدامى، ليواجه به "الشك"- الوقود الحي لتلك العداوات. وهذا ما لم يحدث في وقتنا الحالي، سوى في حالات نادرة، دفعت الدول- التي أقدمت عليها- ثمن غالي افقدها كيانها، ليتعلم منها بقية حكامنا درس قيم، ملخصه: أن غزو دولة ما بسلاح صريح، خطيئة لا تغتفر.   للتخلص من خطر دولة ما، ليس عليك سوى إثارة البلبلة والقلاقل فيها، بأنفاق سخي دون الحاجة لفتح جبهات، لن يكون بوسعك اغلاقها، ولسد ذرائع عقوبات دولية لن تنزلق من بنودها ببساطة.   كان أكثر ما يؤخذ على ملوك الطوائف، مهادنتهم للخارج، لدرجة أنهم دفعوا الجزية صاغرين. ولم يكن الأشقر الفونسو (ملك قشتالة) سوى صورة لجابي وقح، لم يراعي الذوق، ولم يتحلى بالقليل من الأدب، وهو يرسل عماله لاستلام أموال جزيته. تجرأ البعض على مقاومته ورفض مشيئته المنهكة للخزائن، ليزاحوا عن عروشهم الورقية، تأديباً على مثل تلك المحاولات.   لا يمكننا الجزم باختفاء ملك قشتالة، وتواري خصلات شعره الأشقر في حاضرنا. لكن المؤكد لدى الجميع أن حكامنا لا يقبلون بتاتاً استقبال عامل جباية أو مسؤول ضرائب عابر للقارات على أراضيهم. فقد تطور العصر لتتولى التحويلات البنكية السهلة تلك المهام. كما أن السفر السياحي لقشتالة الجديدة، غذى أماني الحكام، لصداها الإعلامي، ومردودها الذي سيصب حتماً في مصلحة بقائهم على سدة الحكم لفترة أطول مما قدر لهم. كما سيمنح سيدة العالم الجديد الكثير من المليارات لصناعة الأسلحة المفيدة في قمع الشعوب الجشعة للكراسي.   ما يثير استغرابك، وأنت تقلب في صفحات ممالك الاندلس، الاثنان والعشرون، ازدهار الثقافة والعلم فيها بشكل غير مسبوق. وكأن امراؤها بحثوا عن شرعية تسند ادعاءاتهم الهزيلة بأحقية الحكم، ليكون العلم والثقافة هو القوة التي نجحت في اسنادهم لفترة ما؛ توسعت تجارة الكتب في جميع الممالك، وافتتحت الجامعات والمكتبات، وكان لتعداد العلماء واحاطتهم بالأمير مقياساً لرشاد حكمه.   يجعلنا مثل هذا الأمر، أن ندقق النظر في أوضاعنا الحالية، ونحاول الحكم عليها بإنصاف. هل يحتاج حكامنا فعلاً لأصحاب شهادات عليا، افترشوا الأرصفة لتعزيز ممالكهم وجمهورياتهم؟! منذ متى كان لصاحب الفكر رأي أكثر سدادا من حاشية الحاكم ذو الخبرة؟!   كان حكامنا- ومازالوا- أقوى من أي حركة ثقافية وفكرية تدعم اهليتهم واحقيتهم لكراسيهم. وإن كانت الكلمة مهمة لتكون محصورة بإعلام ممول يشيد بمأثورات الزعيم القائد والملك المفدى.   "والله لإن أرعى جمال ابن تاشفين، أحب إليَّ من أن أرعى خنازير لاذفونش. ووالله لا أعيد الأندلس ديار كفر، فتقوم عليَّ لعنة المسلمين على المنابر، كما قامت على غيري". كانت تلك عبارة المعتمد بن عباد، أمام رفض ملوك الطوائف الاستعانة بـ"يوسف بن تاشفين"، ضد ألفونسو "ملك قشتالة". لم يكن خوفهم من فراغ، فما أن تمت هزيمة الفونسوا على يد يوسف إبن تاشفين، حتى أدار ظهره بشكل غريب لأوروبا المفتوحة أمامه، واستدار ليبتلع ممالك الاندلس، واحدة تلو الأخرى، مانحاً حكامنا حِكمة لم تهرم ابدا.   صالحوا على أساسها كل "قشتالي"، وهادنوه، وحاربوا كل مغامر يرى في نفسه يوسف ابن تاشفين، وقضوا عليه. من الخير أن يبقوا ضعفاء على كراسيهم، على أن تستبدلهم بعديمي خبرة، وتترك جلالتهم على قوارع الطرق!.   حتى هذه النقطة، لن يكون استحضار الماضي سوى استدعاء لأشباحه، وهي تذكرنا بسخرية قاتمة؛ بأن واقعنا أشد قتامة مما عاشته قديماً.    فهل سيكون البحث عن مألات ما سيكون أكثر جدوى؟! أم أنه سيأخذنا إلى نقطة، يحاول الجميع الهروب من تفكيرها المحبط؟! 

الاثنين، 24 ديسمبر 2018

ثورة النساء .. 

ساد الهدوء على غير العادة، اتخذت صديقاتي أماكنهن وعلى رؤوسهن سحابة داكنة يمتد لسان برقها مزمجراً بين الفينة والأخرى.. طفح الكيل، بدأ الغضب المكبوت منذ سنوات بالكشف عن نفسه.. 
ماذا عساي أن أفعل!!، 
استشعرت من زفرات أنفاسهن المتسارعة إيقاع طبول وصخب ثورة قادمة!!..

 أنها الثورة إذن.. ثورة تهب بشائرها من عقر داري!!.. 

لم يكن الرجل مستهدفاً بالنسبة لي، لا أحمل تجاهه أي ضغينة، بل أني في أوقات كثيرة أشعر بنوع من الشفقة عليه، لكني ومن وسط " الديوان المكظوم" لن أشق الصف وسأساند بنات جنسي قلباً وقالباً وقد اجتمعن ولأول مرة على رأي واحد، لن أكون حجر العثرة أمام أي حركة تنفخ في أرواحهن الأمل في ظل هذا الجمود والاستسلام القاتل الذي نال من الأحياء، ليكن الرجل ضحيتنا الأولى، على أن لا نتوقف حتى يتحرر الوطن بأكمله بأذن الله. 

بما أن الثورة بحاجة " لقائد ملهم " قررت أن أكونه، لن يخلو موقعي الجديد من امتيازات مغرية ومكافآت أحسد عليها، فأنا من سأستلم ثمن النصر بسخاءً، بالإضافة إلى ميزة رفعي وهتافاتي على الأكتاف!!.. 
لن تجد نون النسوة المحيطة بي من هي أكثر تفرغاً وبذل للنفس والجهد مثلي، أعدهن بالتضحية المّرة في سبيل "القيادة"، أقصد في سبيل إنجاح الثورة..

 ترددت أغنية السيدة أم كلثوم على جنبات عقلي وفي خضم أفكاري الثورية بصوتها القوي الذي أستسغته متأخراً:
وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعاً 
كَيفَ أَبني قَواعِدَ المَجدِ وَحدي 
وَبُناةُ الأَهرامِ في سالِفِ الدَهرِ 
كَفَوني الكَلامَ عِندَ التَحَدّى.. 

ألهبت الأبيات حواسي وحماسي وأنا استعد للاستماع لشكواهن بقلم ونوتة ملاحظات صفراء صغيرة.. 
( الخيانة، التسلط ، الطغيان)، المثلث المتساوي الاوجاع الذي يطبق على صديقاتي اليوم، وعلى النساء كل يوم.. 

اقتربت من أولى الثائرات، لافتتح الجلسة واسمح لها ببوح "شك محموم"!، بالطبع كان زوجها هو المجرم الذي ألقت عليه عريضة اتهاماتها، أمسكت لساني الثرثار لافسح للثائرة مجال واسع تسرد اوجاعها عليه بإسهاب، أنا الأخرى بحاجة للغضب ولن أجد أكثر من شكوى زوجة غيورة ما يشعله بي، يحتاج أي مرشح لمنصب ثوري لرياح شديدة تبعث الروح في شرايين ثورته.. 

لن أواسيها بعبارتي الجوفاء التي على شاكلة : تعريف ( الخيانة ) مطابق لحالة توصيف ( الإرهاب الدولي)، التي لم يتفق عليها بعد، تختلف الخيانة بين الرجل والمرأة كما يختلف تعريف الإرهاب بين دولة واخرى، كل له حساباته ومعاييره التي تتناسب مع احتياجاته ومصالحة. 

إن كان حمل الهاتف جريمة وخيانة، فالجميع مشترك في الحملقة الجوفاء الباحثةً عن حياة وهمية أكثر جمالاً مما نعيشه، ولإحراز نصر يتيم في أحد العابه الالكترونيه.. 

استمرت (كمنجات) أم كلثوم بالعزف بينما انتقلت لثائرة أخرى تجز على أسنانها بغل، بدأت حديثها عن الحرب المستعرة بينها وبين شقيقها بسبب عباءتها، حاولت محو خيالي الذي صور لي " أذن " شقيقها المتسلط معلقة بين شفتيها وهي توزع علينا أوراق القات الذي قامت بسرقته من " العلاقية" بكل نجاح.. 

أنصت لثورة حروفها التي أجرت الدماء في عروقي بانتشاء وأنا ادون ملاحظاتي :" لا يعني إرتفاع عباءة المرأة في الشارع بضعة سنتيمترات بالضرورة، نيتها عرض نوعية قماش بنطالها، هناك تفسير أكثر منطقية وأقرب للواقع _ لمن يحاول الفهم_، على سبيل المثال لا الحصر، الخوف من التعثر بين الازقة المغبرة المليئة بأكياس القمامة سبب وجيه لمثل ذلك التصرف"..

 انهيت تسجيل الملاحظات واعتدلت لانتقل للثائرة الأخيرة، المنزوية بصمت مع هاتفها، هزت رأسها بإشارة مختصرة تفيد بموافقتها على كل ما نقوله دون أن تلتفت إلى قائدها الذي هو أنا!!.. 
هل استمعت حقاً لحوارنا؟!.. 
لم أتجراء على الطلب منها وبشكل حازم وضع هاتفها جانباً خلال اجتماعنا الخطير، ففتحتي أنفها التي تتوسع وتنكمش وهي تنفث لعناتها على مجهول خلف شاشتها لا تنبىء بخير!.. 

على القائد الذكي التساهل في بعض المواقف بديلا على الصدام، كما عليه العمل وبمنتهى السرعة على إنشاء جهاز استخباراتي قوي لمعرفة " المجهول " الذي تتحدث معه !!.. 

أمسكت بالنوتة أراجع ما فيها، لألقي بأول خطبي العصماء، تذكرت عبارة سمعتها في مكان لا أذكره (بأن الرجل يسرق طاقة المرأة الايجابية)، دونتها سريعاً حتى لا انساها، نعم انهم يسرقون طاقتنا، يسرقوننا بعيون ( مبهرره) ولن نستطيع بعد فقدانها استبدالها بأخرى ذات كفاءة، تختلف قوة المرأة الروحية عن بطاريات " اينرجايزر"، لذلك لا مهادنة أو تصالح، ولن نقبل بعد اليوم بهذا الجور والطغيان.. 

لم أكد أنهي الخطوط الأولى لما سأقول حتى رن هاتف الثائرة الاولى!!.. 
هربت من نظرات فضولنا لتهمس للمتحدث في الطرف الآخر ، زوجها ( الخائن ) ينتظرها بعد أن ترك رفاقه ليصالحها!!، لم اصدق نفسي وأنا أراها تمسك عبائتها وتهم بالمغادرة، تشبثت بثوبها بكل ذل وأنا اناشدها بعتاب :" ثورة ثورة، دار دار"، شد ضميرها الخجل جفيها للأرض، وتمتمت قبل أن تتوارى :" أبو العيال!!".. 

حاولت التماسك بعد خيانة أول الثوار ، وانا اتجاهل خفوت ألحان أم كلثوم في رأسي، عاندت هزيمتي بكبرياء مراق على حجري، بحزم :" لا يجب على القائد إسقاط دموعه ابداً، لقد نثر ( باسندوه) دموعه ذات يوم، ومازلنا حتى اليوم ندفع ثمن تناثرها".. 

هممت بإلقاء خطبتي لتقاطعني لصة القات :" سأتزوج يوماً وافعل ما أريد"، عجباً!، ما بال النسوة، يلجأن للهروب من مستبد لآخر ، أعرض عليهن الحرية، ليخلعن قيد ويرتدين بديل عنه قيد جديد؟!، عبودية تسري في الدماء وتسلط يضفين عليه الطعم اللذيذ ليقبلن به؟!.. 

لم أجد ملجأ لأفكاري ومسانداً لها سوى تلك الممسكة بهاتفها، يبدو أنها تملك ما لا يملك بقية الثوار، وفيها من الكفاءة ما يؤهلها لاستكمال مشوار الثورة، كما أن سواعدها من القوة بحيث تكفي لحملي على الأكتاف.. 

لم تكد حروفي أن تغادر شفتي حتى أطلقت ضحكة أقل ما توصف به أنها ( رقيعة)، وضعت بعدها الهاتف جانباً واستدارت رقبتها باتجاهي :" الجو لطيف هذا النهار، ما جديدكن فيه؟"، وضعت النوتة المخذولة جانباً، وامسكت بغصن القات المسروق وأجبتها ببرود مكسور عبارة الزعيم سعد زغلول : " ما فيش فائدة !!".. 
حينها فقط إتخذت الصمت، وسكتت أم كلثوم عن الغناء المباح !! .. 

نور ناجي

السبت، 22 ديسمبر 2018

لن يغلق "السيرك" قريبا  السبت, 22 ديسمبر, 2018 - 09:32 مساءً نور ناجي   لا أسرار في اليمن، ابتداءً من مشاكلك الزوجية التي تعلو وتيرتها بارتفاع قائمة دين صاحب البقالة، حتى معاهدات ترسيم الحدود وبنودها التي يدّعي الغالبية عدم معرفتهم بتفاصيلها!..   كانت ومازالت هذه الأرض مفتوحة ككتاب، لا ينقصه سوى لمسة أنامل رقيقة على صفحاته لقراءة حقائقه واتفاقاته السرية وتحالفاته. ستدهش حين تعلم أن جرائم اغتيالاته الخفية لم تمنح صفة المجهول لفاعلها مطلقاً..!   لقد كان انعدام فضولك ولا مبالاتك الباردة، هو القناع الذي ارتديته عن طيب خاطر لتخفي ما يحاك لواقعك أنت شخصياً. باطمئنان خاطئ أقنعك بأن جميع المكونات السياسية راضية بأداء دورها وبمقدار مكاسبها. فلا جديد وكل شيء باق على حاله، للأبد..   لماذا يجهد أحدهم نفسه للتخفي في بلد مفتوحة؟!، أتفق على ذلك سياسيو البلد الذين لم يكونوا بحاجة لدهاليز سرية أو طلاسم خفية. مجرد سيرك متجول أو مسرح بتكاليف بسيطة سيفي بالغرض، وقد كان.   تبادل الممثلون على خشبته الأدوار بكل سلاسة، واستعرضوا قدراتهم البلاغية ومهاراتهم القتالية. بالإضافة لتهديدات مبطنة- إن دعت الضرورة- أمام جماهير الشعب الهاتفه: ما أجمل هذا المنظر، يبدو رائعاً من هنا !! ..   حتى انطلقت الرصاصة الأولى، لتعلن عن تجديدات عروض للسيرك. انتشرت اللافتات في كل الزوايا، وضجت وسائل الإعلام عن استعراضات لا مثيل لها؛ سترضي فقراتها جميع الأذواق. هذا ما روج له المتحدثون باسم الحرب والممولين من الخارج.   كنا كشعب قد تأقلمنا مع السيرك. لم تكن إقامته الدائمة غريبة بعد أن استولى علينا مبكراً. وإن انحصرت أيام ازدحامه على مواسم الانتخابات والازمات السياسية..   لذلك، لم تجد الجماهير عذراً يمنعها عن قطع التذاكر، وهي تردد عبارة الفنان يوسف وهبي: "وما الحياة إلا مسرح كبير". ربما كان انقطاع الكهرباء هو الذي جعلها تنسى نمط حياتها اللامبالي. أو أن الحرب بحملها الثقيل اجبرها على عبور بوابة العرض، أملاً في البحث عن بوادر خلاص..   استماتت الجماهير لانتقاء أقرب المقاعد من أجل مشاهدة ممتعة. وارتفعت هتافاتها المتحمسة دون أن تدرك أن تذكرة الدخول المجانية لا تحمل تأشيرة مغادرة. وما أن أطبقت عليها المقاعد، حتى غدت جزء أساسيا من العرض، وأهداف سهلة لنيران الحواة التي لا تفرق بين الدماء الحية والاصباغ ..    حين يشعر كل ممثل ومؤدي بأنه النجم الأوحد والمتفرد، لن يوقفه شيء عن وجوب امتلاك الساحة والسيطرة عليها. لذلك، ما أن انطلقت اشارة البدء، حتى تفاجأت الجموع بإصرار "نجوم العرض" على أداء فقراتهم دون مراعاة للفوضى واختلال النظام..   ليس من السهل متابعة فقرات منتهية الصلاحية. وفي آن واحد، لن تبتسم لأداء المهرج وجودة نكاته، بينما تقاطعه المعارك الحربية، بين الحين والآخر، بلكمة في فكه أو ركلة على مؤخرته. لا قيمة للشعارات الرنانة وجدال المفاوضات، وقد تفوقت عليها الضحكات الماجنة لأشباه الراقصات الذين ملأوا المكان!   لا مجال أمامك لاكتشاف خداع السحرة، بينما تتجول الحيوانات المتوحشة بزئيرها الذي لم يترك للفرقة الموسيقية مساحة لاستخدام آلاتها.   لن يغلق السيرك قريباً ..   لم تكن فقرة المهراجا، الذي رقصت الجماهير على أنغام عدالته، سوى البداية. ولن تكون فقرة الوعود المسمومة، التي توزع بالمجان، مقنعة. سيبقى العرض سارياً بألاعيبه ومغامراته، وخداع سحرته ومهرجيه، وإن افترض الوقت وجوب إسدال الستارة!   لن تختم هذه الكوميديا المجنونة نفسها، حتى تبتلع المسرح بعروضه وجماهيره الصامتة، ولا داعي لاستنكار ذلك، فنحن من قرر ابقاؤها منذ البداية، بهتافاتنا التي مازلنا نطلقها من زاويتنا المريحة: "ما أجمل المنظر من هنا، لولا الحاجة لقليل من التعديل" !! .. 

السبت، 15 ديسمبر 2018

رُهناء السجن


 السبت, 15 ديسمبر, 2018 - 08:37 مساءً

نور ناجي

 " سيكون ذَكَر.. أشعر بذلك. تعلم الامهات بما في ارحامهن دون الحاجة لزيارة طبيب وأشعة سونار. ما يشغلني هو أيجاد اسم مميز له!" ..

لم أحاول عرض اسم "شادي" على السيدة الموشكة على الولادة. فالبعض لا يفضل النهاية المحبطة لأغنية "أنا وشادي"، التي تبقي فيها السيدة فيروز في حالة بحث محمومة عن صديقها الضائع، قبل أن تصاب بقسوة نسيان إعتاد على التلاعب بمصائرنا ..

هتفت المرأة فجأة: "عبدالصمد"، نطقت حروف الاسم ببطء. لن يكون "صمودي" سيئا، بالنسبة للحيادية المطالبة به هوياتنا، بعد أن أصبحت قيمة الإنسان وعلامة تمييزه تعتمد على بضعة حروف في البطاقة الشخصية، يعاقب عليها المرء أو يكافئ، يَقتل أو يُقتل لأجلها. هكذا قالت "الطائفية" التي استشرت فينا، لكني لم أعطي تعليقي. فاسم المولود يُحدد لحظة ولادته كما كانت تقول أمي.

ابتعدت عن الأسماء التي تناثرت في أرجاء العيادة، والتي لن ترضي المولود القادم على أي حال، ليشدني عقلي وهو يهمس باستغراب: "مازالوا ينجبون الأطفال؟!"

لم أنكر عليه سؤاله. مازال البشر لغز عصي على الفهم: كيف لمن يعيش حالة حرب- وان كانت بغرابة حرب اليمن- أن يبت بسهولة بقرار مصيري كالإنجاب؟!

"لا يجدر بنا التشاؤم". هذا ما نردده بثقة زائفة، ونحن نبادل بعضنا الابتسامات الجوفاء، مخفين الحقيقية التي تصرخ فينا: ما الذي يدعو للتفاؤل وإنجاب المزيد من الأطفال، وقد ألقينا بالآلاف منهم في محارق حروب لم يستطع الكبار تجنيبهم إياها؟ كانوا من الوقاحة بالتفاخر بتعليق صورهم في الشوارع، وانتقوا المدارس بسخرية قاتلة لإقامة احتفالات ابتلاع الجبهات لهم !..

لا أعلم إن كان سن الطفولة أكثر حكمة واستقراء للمستقبل مما نعتقد؟! أتذكر دهشتي وأنا أحاول فهم محاولات البشر المستميتة للبحث عن علاج، ولهفتهم لأدوية تطالب بالمزيد من "الوقت" الذي لم يكن سوى محطات انتظار مؤجلة لا تخلو من معاناة. فالجميع في نهاية المطاف يموت. وليست لحظة الميلاد سوى ايذان بموت جديد.

لن تكون الأفكار الطفولية مناسبة للطرح أمام امرأة موشكة على ميلاد موت جديد. لن يختلف أثر وقعها عن بيت الشعر الشهير لأبو العلاء المعري والذي اصطفاه من ضمن مئات أبيات شعره المتفردة ليكون شاهد على قبره: "هذا ما جناه أبي علي وما جنيت على أحد".

لم تكن ظروف المعري مختلفة عما تعانيه الشعوب الواقعة تحت نيران حروب هذا العصر. لعله لم يتذوق البراميل المتفجرة أو الصواريخ. لم يسمع بما تفعله الألغام بضحاياها، أو بالأشلاء التي تتبقى من أجساد وارواح المعتقلين. لكنه لم يكن بعيداً عن فوضى الانقلابات والتكفير والآخر المضاد، بشعارات لا تختلف عما يردده محاربي اليوم.

لم تدغدغ تلك الثورات المعري، ولم تُحّمّسه ليبدي تجاهها أي نوع من التعاطف. على العكس من ذلك، خرج صوته منددا مستنكرا، قائلا بأن المطامع الحقيقية لهؤلاء هو الوصول إلى سدّة الحكم والتمتع بملذات الدنيا ..

ليس ذلك وحسب، اختار "رهين المحبسين" حل صارم لمعالجة مشاكله مع عصره الرافض لأفكاره، برفض مقابل لجناية كان من الممكن أن يرتكبها بأنجابه طفل يرى أنه سيخوض معركة حياة لم يُستشر في دخولها ولم تؤخذ موافقته عليها، فاعتزل العالم بمطلق ارادته منذ عامه الثلاثين حتى انتهاء حياته في الثمانين، وقد وصف تلك العزلة بأبياته:

أراني في الثلاثة من سجوني،،
فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري ولزوم بيتي،،
وكون النفس في الجسد الخبيث..

الحرب سجن إضافي لسجون المعري. محبس ضيق، مهما حاولنا تجاهله أو الخروج منه، تخنقنا قضبانه الغليظة التي وقعنا جميعاً رُهناء لها وتحت اقامتها الجبرية. لعل الدعوة للاعتزال والتوقف عن المجازفة بارتكاب جرائم إنجاب أجيال جديدة، سيكون العمل الوحيد ذو القيمة الذي يمكننا إنجازه بين حدود هذه القضبان.

ما أن بدأت فكرة دعوتي ترسم نفسها، حتى جذبتني كف المرأة الغريبة لتضعها على بطنها. لم أحب يوما التصرفات البلهاء للأمهات. فما المثير في تجول كائن غريب تحت جلدك وبين امعائك؟! لم أكد اسحب يدي حتى توقفت فجأة؛ هل كانت قدم الجنين من حاولت اختراق الحجب بيننا أم أنها كفه؟!

ما الذي تريده هذه الكف الرقيقة التي لا ينقصها العزم؟! للحظة راودني شعور غريب أكد لي معرفة تلك الكف بما يدور في خلدي، ولم تكن لمستها سوى محاولة لمنحي بعض من ثقتها في الغد. راقني ما توصل إليه خيالي الذي وجد حل بسيط للخروج من مأزق الأسلاك الشائكة لتشاؤمه.

مازال بإمكاننا الحب، والبحث عن أسماء مواليد جدد، تحمل ما لم نحمله من إرادة وثبات. يجبرك هذا الإحساس أن تكون متفائل بالإكراه، وينسيك الحرب لبعض الوقت.

فخطيئة النسيان البشري قد تكون أحياناً ميزة إلهية بشكل أو آخر ..

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...