الجمعة، 14 ديسمبر 2018


رابطة الانذال القومية..

حاولت التهرب كثيراً من( خروجة اليوم) لكن الحاح ( صديقتي) تغلب علي وهي تؤكد بانها ستكون جلسة مميزة، تركت نفسيتي المدمرة تبحث في المنزل عن مشرط لتنفيذ عملية انتحار ما، وذهبت للجلسة..
لا أخرج من المنزل كثيراً، كانت اخر (خروجه) لي في نهاية الموسم الاخير من برنامج ( آرب ايدول)..
برغم عشقي للموسيقى!!، لكني لست من هواة هذه البرامج، قد أنكفىء يوماً على وجهي والقى حتفي بسبب جملة لحنية لبليغ حمدي، أو آهة من (محمد منير)، لكن أن أستمع للموسيقى لأصفع بعدها بترديد ( برااااڤو ) من فم احلام وهي تصفق باصابعها المليئة بالمجوهرات بحماس المقصود منه أصابة جمهورها بعشى ليلي!!!، أمر يستحيل علي تحمله!، مشرطي الحاد اكثر رأفة بي من هذه الميتة البشعة..
لن أطيل الحديث، دخلت ( الديوان ) لأجد مجموعة من الفتيات وقد تموضعن في اماكنهن..
ألقيت بالتحية، فرددن بأفضل منها وعلى وجوههن ابتسامة صادقة!!، تلمست خدودي وضحكتها الكرتونية الفارغة بينما انا اجلس؟!، لعلها حقنّ البوتكس، فلم تعد مثل هذه الضحكة اللينة متواجدة في اليمن منذ فترة، لابد لي من بعض الحقن انا الاخرى، الشعب بأكمله سيحتاج الكثير منها بعد انتهاء الحرب!!.. 
اسخف ما اواجه في الجلسات، بداية فتح الاحاديث والتعرف على الاخر، حاولت فتح حديث مع اقربهن، فاشارت بشكل غريب لإحداهن.. 
التفت فوجدت سيدة جميلة الملامح رقيقة التعابير، تجلس في ركن بارز في المكان تراقب المتواجدين حولها، ولا اعرف سبب لاحتلال صورة ماري منيب خيالي وانا اتابعها!!...
احست بنظراتي، فهزت رأسها بتحية الحكيم المتفهم، وقالت :" نحن ( رابطة الانذال القومية)، منظمة غير حكومية لا تسعى للربح، تقوم على نشر النذالة وتعميم مفاهيمها على المجتمع"، نفخت دخان شيشتها في الهواء واردفت:" في قلب كل منا نذل صغير، يموت إن لم يسقى ونعتني به، وقد حطمت الحرب هذا الصغير وفطمته قبل اوانه، لهذا أخذنا عهداً على انفسنا، بإحياء النذالة، ورفع شعارها مرة اخرى، لا يكون الإنسان انسان، إن لم يكن نذل"، تنهدت بعد شرحها الطويل ومدت يدها لتحيتي :" اعرفك بنفسي، انا رئيسة الرابطة والمكلفة بسياستها الخارجية، والداخلية، ووضع قراراتها ولوائحها، تستطيعين القول بأنني (( الكل في الكل))، فنظام عملنا ديكتاتوري بحت، سأكون الديكتاتورية الأولى حتى يأتي من هو اكثر فائدة مني للرابطة ويسلبني الحكم..
أغمضت عيني لأتأكد، هل وصلت هواجسي وبحثي المتواصل في اخبار الحرب أن أتخيل هذه الخزعبلات!!..
اين مجوهرات احلام؟، اين فستان نانسي؟، اين اللعنات التي تصبها النساء عادة على ازواجهن في مثل هذه الجلسات؟..
انا لا اتخيل، ما أراه حقيقة، لم اصل بعد لحافة الجنون..
بدأ الفضول يشدني (لماري منيب)، تملك كاريزما باذخة لا استطيع انكارها، واسلوب هادىء يرغمك على الاستماع، لابد أن أفهم ما الذي يدور حولي، هل تغلغلت الماسونية العالمية في مجالس اليمنيات، ام انها الرأسمالية البغيضة!! بدات بإلقاء الأسئلة، قبل أن يقتلني الفضول..
س_ ما هي أهداف هذه الرابطة ؟
أجابت الرئيسة: 
ج_ كما قلت لك نشر النذالة..
س_ وما هو تعريف النذالة في نظرك، فتعريفها لغوياً لا يشعل حماس أحد للإنظمام اليها!!
ج_ النذالة في الحرب، هي الانتظار والانكار، والتأمل البعيد، لا تصدق احد، لا تؤمن بشخص، فكر كثير قبل ان تصدق البكائيات، ضع سماعات اذن قبل أن يهتف احدهم بشعارات رنانة، ولا تلق بالً للمقالات الساخنة اغمض عينيك سريعاً قبل أن تقرا احرفها، جميع ما سبق أعداء هذه الرابطة، والسبب الحقيقي لانشائها..
فلا أحد يملك الحقيقة.. لا يملك المعرفة الكاملة سوى الاموات، استمتعي بحياتك الان حتى يحين الموت لتعرفي الحقيقة، أن كنتِ ستبقين مهتمة بها"..
راقني الحديث، فأكملت طرح الأسئلة..
س _ ما شعاركن؟؟..
ج_ كن حزبياً ما شئت، لكن كن نذلاً أولاً وأخيراً..
س_ ما الصفات المطلوبة ليكون المرء نذل ؟.
ج_ لا ينضم للنذالة سوى من يستحقها، الحائر الباحث عن السلام، من خاب ظنه في من ألقى عليهم احلامه، الصادق الذي عانى من وضوحه ودفع ثمنها وجعاً وقهر...
تنهدت بعمق وهي تنظر لي بحنان، أرى فيك عينيكِ حيرة وحزن، تستحقين الانضمام لرابطتنا لكن يلزمك الكثير من العمل الجاد لقبول انضمامك..
كادت دمعتي أن تفر ، وقد شعرت ( بايموشن) الحزن مطبوع على وجهي، استجمعت شجاعتي وتجرأت على الطلب :" اريد الانضمام، كرهت الضحكة الكرتونية والخيبات المتوالية، بغضت الحزن الذي استوطنني"، رفعت عقيرتي بحماس:" ما هي الشروط المتوجبة علي، وسأنفذها الان.."
هزت الرئيسة رأسها بإشارة رافضة : " تخلصي من الحماس الذي ارتفعت في نبرة صوتك اولاً، لن يؤثر علينا، بل سيجعل قبولنا لانضمامهم أمر صعب "، انكمشت على نفسي بعد تحذيرها، فابتسمت لي:" شروطنا صعبة، لا نقبل بالإخلال بها أو التغاضي عن أحداها اتمنى ان تستطيعي اجتيازها:
_ يمنع منعاً باتاً سماع نشرات الاخبار، أو غيرها من المنغصات..
_ يمنع رفع صور القادة، الرؤساء السابقين واللاحقين، ورؤساء الاحزاب، القادة العسكريين _خاصة قادة جبهة نهم_، بالإضافة إلى صورة المعالج بالأعشاب الدكتور( الضنين )!!..
_ يمنع دخول الموبايل الذي يحوى كاميرا، وجنة الاطفال منازلهم..
_ يمنع منعاً باتاً دخول وسائل التواصل الاجتماعي بعد الساعة العاشرة..
_ حفظ نشيد الرابطة القومية خلال ساعة واحدة، وهي أغنية ( ياوليد يا نينو) للمبدع المرحوم فيصل علوي ..
_ يفصل فصلاً لا رجوع عنه، ويمنع من دخول الرابطة نهائياً من يلقي على اي احد سؤال" ما أصلك؟، ومن أي منطقة انت في اليمن؟"..
توقفت الرئيسة عن سرد الشروط، وأخرجت ورقة من ملف امامها، لتضعها بين يدي،" تستطيعين مراجعتها، وكتابة بياناتك ان احببت الانضمام..
عادت لجلستها المراقبة وقد وأشارت لاحداهن أن تفتح جهاز (الستريو)..
صدحت الموسيقى في ارجاء الديوان، فغادرته لقراءة استمارة الشروط وطلب الانضمام للرابطة..
نقاط كثيرة معظمها سهل مقدور عليه، ( يمنع لبس الشرابات القطنية على الصنادل!)، اهتمام الرابطة بمثل هذه التفاصيل يبعث على التفاؤل، يجب على النذل الاهتمام بأناقته..
"رابطة رائعة"..
تحمست وانا اكتب بياناتي، لكن ذاكرتي بدأت بخيانتي كالعادة، وانا احاول استعادة كلمات اغنية (يا وليد يا نينو)، بدون جدوى!!..
كابوس حي يطاردني وانا حائرة، هل عبارة ( شنشني شنشني ، يا مطر رشني) تقع في نفس الاغنية؟؟.

نور ناجي ..

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

"ولا يوم الطين ؟!"..

هل أصابني الهذيان أم أنني سمعت ما سمعت حقاً؟!، هل يعقل بأنه سالني عن يوم الطين؟!، تركت مغزلي ورفعت رأسي باتجاهه، بالكاد ميزته عبر مصباح الزيت الذابل لاجده يحدق بي، اختلفت ملامحه اليوم عن ما كانت قبل سنوات قليلة، إلا من تشابه في الدهشة التي يبدو أنها لن تفارقه يوماً !..

ادرت وجهي في أرجاء الكوخ الذي تغمر جوانبه العتمة لأتأكد بأني لا أحلم!!..
مازلنا هنا، في "اغمات" منفانا  الذي فرض علينا، ورغم ذلك استطاع زوجي " المعتمد ابن عباد" تذكيري بيومه المشهود!!..
ألم يكن الطين هو من أوقع بنا وساقنا في رحلة اقسى من قدرتنا وفاض من رؤوسنا وجع ومهانة، كنت أعلم منذ البدء أني جارية مشتراه، لم أحلم يوماً بالاقتراب من حياة الدعة والرقة المشابهة لحياة أمير..

أمير لم ينقصه سوى القاء الشعر الحسن وايجاد نديم يتقنه ليكتمل ترفيهه، وكنت أنا " إعتماد" الجارية الخبيرة بغزل خيوط الصوف، والمتفوقة على الكثيرين بنظم أبيات الشعر الحاذقة..
زفرت أنفاسي بجراة لم يعتدها، وانا اسلط قسوتي عليه، كان يجب أن أخبره من قبل بأني مارأيت منه خيراً قط، خير المرأة وسعادتها مرتبط بالأمان الذي لم أكن واثقة منه في قصره ، أخطأت سابقاً في الكتمان، ربما لا يجب علي تاخير بوحي..

لم يرق لي" يوم الطين" أبدا، شعرت بسفه عجينة الطيب والبخور والمسك التي أمر بها زوجي، إلا أني أخفيت استنكاري بذكاء كان يعلم أنه لا ينقصني، أين ما يحدث من طلب النزهة القصيرة التي لم تكن ستكلف الدولة_ التي فقدناها فيما بعد_، درهم أو دينار، فأي جنون انتهينا إليه ؟!

غيرت وضعية جلوسي بعد أن تنملت ساقي، لم تكن الحصيرة اليابسة التي تحملني أكثر رأفة من استجداء الجواب الذي أراه في عيني المعتمد، لم اشاهد هذه النظرة من قبل، أتذكر جيداً ابتسامته المختالة ذلك النهار حين رفعت ثوبي عن ساقي وسط ضحكات الجواري لادوس أرضية القصر الذي اُزكم بالروائح الثمينة، بينما كان يقف بخيلاء على كرسي الحكم يراقب دعساتي، كنت من اللطف ولم أخبره حينها بأن نفسي عافته ذاك النهار وقد احسست بتقمصه دور إله مغرور، صنم يرتدي ما لا يستحقه من ذهب، يبستم مستعجلا لحظة انبهاره القادمة بمعجزة لم تكلفه سبع ساعات، دون أن يسأل "عبده" إن راق له ما صنع له أو إن كان يريد القيام بذلك؟!..

لكني أملك القدرة اليوم على لوم سهام نظرته الذاهلة، فالعالم ملىء بالمتاهات التي قد نكون نحن من خطط لبنائها، لن يجد زوجي أكثر اماناً له من متاهة صعبة الحل لإخفاء أخطائه ونسيان طريق العودة إليها، كما أن تكريس المظلومية وسيلة جيدة للهرب من واقع القيود والطين الذي لم يعد محصوراً به، بل أمسى قيدا ثقيلا علي وعلى ابنائي..

كادت شفتاي أن تتحرك لأزيح عني ذلك العبء، قبل أن أشعر بلفحة ريح تصفع ظهري، لم تكن لابواب القصر صرير يخدشنا، أحاطت به الحراسات كطوق محكم يمنع لفحات رياح شتاء الاندلس الباردة!!..

عبرت ابنتي الليل وقطعت المسافة بين والدها وبين اعترافي الوشيك، ووعائها يفرغ بعض مما في جوفه مع خطواتها القصيرة، دون أن تبالي ببلل قدميها الملطخة بالطين، يبدو أن عشق الطين متوارث في عائلتي!!..

اعدت المغزل لكفي ببطء شديد وبيد مرتعشة، كنت أعتقد أن السعادة فقط هي ما تحول القلب لتحفة ناعمة من الزجاج البراق، حتى اكتشفت أن الحزن يمتلك هذه الميزة، لذلك يتوجب علي معاملة حزني بمنتهى الحرص!..

التفت بكرة الخيط القاسي حول قلبي، أتابع تطاير ذرات الصوف وأتأمل اناملي التي لم تعد ناعمة كالايام الخوالي..
رفعت طرفي لالمح المعتمد وقد احنى رأسه صوب الحصيرة، إلى ماذا يحدق؟!، ما الذي يراه في هذه القطعة الممزقة ليطيل النظر إليها بهذا الشكل؟!، وضعت الخيط جانباً، وقد تجلى انعكاس وجهينا على الحصير، كم كانت تشبهنا؟!، كلانا ممزق باهت الملامح والروح، عاجز عن متابعة الحياة، لن تجد دموعي مكان أفضل منها للتساقط..

نور ناجي 

السبت، 8 ديسمبر 2018

بائعة ريحان


 السبت, 08 ديسمبر, 2018 - 08:28 مساءً

نور ناجي

مازلت أتردد بين الحين والآخر على ذلك المقهى المنزوي، أحاول الإدعاء وأنا أطلب فنجان القهوة بأن الحرب لم تكن أبداً، ومازلنا بخير..
نحن بخير، لم تهرم القلوب من ثقل الأخبار ولم تتشقق الأرض قبوراً وألغام جديدة..
ما نراه مجرد كابوس ثقيل الظل، أطبق علينا بثقله على سبيل الاستظراف وخفة الدم، وسيزاح ما أن نفتح أجفاننا..

لم أكد اقترب من لافتة المقهى المكسوة غباراً حتى لمحتها من بعيد، تسند ظهرها على الجدار مفترشة عباءتها، وقد مددت ساقيها المنهكين على الرصيف، كانت قد فردت أمامها قطعة قماشية قطنية واسعة رصت عليها باقات أزهار وأعواد من "ريحان وشذاب" منسقة بأناقة بسيطة، لم تكن بحاجة للإعلان عنها فقد تكفلت الرائحة العذبة بتلك المهمة..

قَصَر الشارع المسافة بيننا لأجد تغضن جلد جفناها ينبئ عن عمر كبير، أكبر من أن يسمح الشارع لنفسه بإفساح مساحة لافتراش بؤسها عليه، أين العدالة في هذا العالم حتى تفرض الأرصفة على مثل هذه المرأة، عوضاً عن تكريمها في مكان لائق؟!..

رفعت إلي أزهى باقاتها ليدغدغ عبيرها نقطة ضعفي قبل أن تتحدث بصوت أقرب للهمس: " هل بإمكانك شراء باقة يا أبنتي ،،، أرجوكِ"..
توقفت أمام لهجتها التي دلت على بائعة غير متمرسة لا تجيد تسويق منتجاتها..

لمحت بصعوبة عينيها التي جاهدت لإخفائهما وقد بدا واضحاً أنها لم تكن قادرة على مواجهة العالم بعمل زاولته متأخرة، فاختبأت عنه بلثامها وبباقتها الملونة، هل ظنت أن تلك القطعة القماشية قادرة على ذلك؟!، أم أن باقاتها الزاهية خدعتها وأعطتها أمان زائف؟!..

لم يكن صمتي رفضاً للعرض كما اعتقدت، فأعادت همسها الذي تحول لسكين حاد مزق طبلة أذني:" أرجوك خذي باقة، فابنتي وأبنائها لا يجدون ثمن طعام الغداء!"..
اختنق الجو، وذبلت شهيتي للريحان، لكني قبضت على الباقة وفررت من أمامها متعثرة الخطى، فمن الصعب إهانة السيدة بوضع مبلغ مالي دون مقابل ..

لم أعد أريد القهوة، عافت نفسي رائحتها بعد تحول الريحان الجائع  لأذرع وقبضات تحيط بي وتدير وجهي باتجاهها لأصحو من أوهامي، لم أكن أدرك أن بإمكان الحرب تقمص الريحان ورائحته، كيف أهرب منها ومما يختبئ فيَ؟!.
للحرب أعين لا تغفل شاردة وواردة، فقط الأبرياء الذين أخرجتهم من ديارهم كتلك السيدة ما تعمى عنهم، أي جبروت تملكين أيتها الحرب؟!..

كنت قد تخلصت من الريحان في طريق عودتي لأتجنب صوت السيدة الذي أصر على ملاحقتي بطلب شراء الريحان، وحتى أتمكن من ارتداء كابوسي الخاص مرة أخرى ..
لم أكن أنانية بقدر ما كنت جبانة لا تريد الاستيقاظ من كابوس حرب حصرتها على شاشات هاتف وتلفاز ونقاشات حائرة لن تجد يوماً موضع لاستقرارها!..
الحرب حقيقية أكثر مما نتصور، حقيقية لدرجة مروعة..

السبت، 1 ديسمبر 2018

مجبر صغير


 السبت, 01 ديسمبر, 2018 - 08:51 مساءً

نور ناجي

يقال بأن الإمام يحيى سار إلى بعض القبائل التي خذلته بوقوفها ضده في معاركه مع خصمه الإدريسي، ليسألهم معاتباً: "ليش هكذا؟!"، أتاه الرد السريع: "أنت إمام المذهب، وهذاك إمام الذهب"!..

أرسلت لي صديقتي هذه الحكاية، ملحقة برموز ضحكات فكاهية، لكني لم أضحك. لم أجد في ما قرأته مادة مسلية، بل غصة مازالت عالقة في حلقي.

لم أحاول نفي الحادثة، برغم عدم تأكدي من صحتها. ولم أكابر بعناد للبحث عن ذرائع ومبررات لتفنيدها. فلم يكن التاريخ بخيلاً علينا بمثل هذه الحكايات. كثيرة هي الليالي التي قضاها، وهو يسرد علينا تحالف سيف بن ذي يزن الأسطورية مع الخارج.

أخذت بنا أحداثه تدريجياً، حتى أوصلنا لواقع زاخر بأذرع تحالفات خارج حدود اليمن، عقدتها كل من القبائل والأحزاب، وامتدت لتشمل بعض الأفراد. وكأن الأمير المتجول، الباحث عن كرسي حكمه من الخارج، شرع ومهد لنا الطريق الذي يجب علينا سيره في خط حياتنا.

الغريب في الأمر، أن المجتمع لا يجد غضاضة في فكرة التحالف والتمويل من دولة أخرى، ولا يستهجنها. على الرغم من أنها تعتبر جريمة تصل لحد الخيانة العظمى في قوانين دول العالم.

على العكس من ذلك، نتقبلها ونتداول أخبارها على الملاء بنوع من السخرية الخفيفة، أو الاستظراف، وربما أمنية في الحصول على فرص مماثلة غير مبالية بالاستتار، بينما نتأمل منابع النفط القريبة منا.

أعتقد بأن التاريخ ذو الجذور العميقة لمنطقة ما، يشكل عبء ثقيل على أبنائه، على عكس الشعوب المتخففة منه ومن دروسه. وقد لعب التاريخ والجغرافيا دورا في صناعة الشخصية اليمنية.

بعد موت الدول اليمنية القديمة، وهجرة الكثير من قبائلها لأرض أكثر لينا وطوعا له، اختارت بعض القبائل المتبقية سكن الجبال، فتكلفة الحماية فيها أقل من تلك المنبسطة رغم مصاعب العيش فيها. ودفعت في ذلك ثمنا باهضاً من الجهد والوقت لاستصلاحها والباسها كسوة المدرجات الخضراء التي تميزت بها. وانتظرت بقلق- أصبح من سماتها- منح السماء عليها.

رغم جدية اليمني في التمسك بمذهبه، إلا أنه كان يضطر أحياناً لتفضيل الذهب عنه، بعد عودة دعواته من السماء حاسرة. فسد الأفواه الجائعة بالطريقة المتاحة أمامه- سواء كان المذهب طريقها أو الذهب- أمرٌ لا يعيبه، بل يكافئ عليه، شريطة أن لا تمس أرضه، أو تقترب منها يد بسوء.

ومع استمرار مواسم الجفاف، أصبح "الفيد"، الذي تطور لتحالف مع الغير، طريق للنجاة وللحياة، بضريبة أجبرت القبيلة توسيع بعض المفاهيم والقيم والباسها ثياب فضفاضة تقاس حسب قبضة الدولة المسيطرة القوية ومسئولياتها التي تتكفل بها تجاه القبيلة، أو ضعفها.

كانت أيادي أبناء القبائل هي السلاح الذي يدافع عن تلك الدولة بكل إيمان، حتى تتكالب عليها عوامل الضعف التي تعيد المقاتل القبيلي لقريته بغصة قلقه القديم؛ ينتظر فيض السماء بمعول في قبضة، وهاجسه الأزلي يستعد بالقبضة الأخرى لغزوة فيد جديدة قد يضطر للقيام بها قريباً.

رغم مرور مئات السنين، لم تتغير ظروف هذا البلد، ليتمكن أبناؤه من التخلص من ذلك الإرث الثقيل. فما زالت القبائل تعتمد على الزراعة مصدرا للرزق. بالإضافة لهجرات فردية لا تمثل دخل ثابت ومأمون. فاضطرت بعض القبائل لعقد تحالفات لا تعتبرها تنازل حقيقي، حتى تشعرها بتكلفة لا تستحق أو ثمن فوق طاقتها.

ساهم في تلك العودة، تجاهل الدولة الحديثة مسؤوليتها، طوال عشرات السنين، تجاه القبيلة والمواطن بشكل عام؛ والخيبة المتأخرة التي أصابت الغالبية لمردود اكتشاف النفط الوهمي، الذي لم يكن سوى "فيد" بمواصفات حديثة، لا تستفيد منها سوى فئات محددة.

لعل التحالفات القديمة كانت أقل تكلفة، ولا تتجاوز غزوات متفرقة بين القبائل، لا تفقدها في المجمل السيطرة على أرضها أو سيادتها، داخليا على الأقل. فصعوبة جغرافية اليمن، لم تجعل منها ذلك المطمع السهل الذي يغري أي غريب لاستغلال خطيئة اليمني وشهوته. الغازي المضطر فقط، هو من تجرأ على محاولة إخضاع الأرض العصية وبفاتورة غالية.

هل يراهن اليمني اليوم على سياسة قبول التحالفات غير مأمونة النتائج باطمئنان لوعورة جغرافية "خطه الاحمر الوحيد"، أم أنه تنبه لمعادلات الزمن المتغيرة، وقد أصبحت الأرض التي يقف عليها من آلاف السنين أثمن- في نظر الغير- مما كان يعتقد ؟!..


الجمعة، 30 نوفمبر 2018

الشاعر الثائرنور ناجي٣٠ نوفمبر ٢٠١٨

نحتاج بين الحين والآخر ليوم غواية، شغف محموم بين دواوين الشعر، دون خشية مقاطعة أو ازدحام أهوج لساحاته ومجالسه، لحظات خاصة فقط بأولئك الذين أطلق عليهم جوراً "شعراء الجاهلية" نسبة لعصرهم، فأين الجاهلية من عبقريتهم ونبوغهم؟!

يدعُونَ " عنترُ " والرّماحُ كأنّها .. أشطانُ بئر في لبَان الأدهمِ..

مثل هذه الليلة المقمرة تستحق السفر لمضارب بني عبس والاقتراب من خيمة فارسها عنترة بن شداد التي قضى فيها جزءً غير يسير من حياته بعبودية لا تختلف عما تعانية مدينتي المحاصرة بالقضبان، على الرغم من سهولة ألفاظ شعر الأخ عنترة إلا أني وضعت القاموس جواري، من باب الحيطة والاحتراز وقد تذكرت حيرتي إزاء ما قاله امرؤ القيس قبل مماته: "رب جفنة مثعنجرة وطعنة مسحنفرة وخطبة محبرة،، تبقى غداً بأنقرة!!".

لمن لا يعرف: ابتدأت العبودية في التاريخ البشري مبكراً، واعتبرت تحولاً ايجابياً في تاريخ التطور الأخلاقي الإنساني، بعد إن استبدل الإنسان قتل الخصم وأكل لحمه إلى محطات استرقاق تتبدل عبر الزمن من شكل لآخر..

كان الشاعر "عنترة بن شداد" عبداً ضمن سياق تعريف العبيد في العصر الجاهلي للجزيرة العربية: "متاع، كائن يعامل (كشيء) يبيعه صاحبه وسيده متى شاء، يرهنه وفاءً لدين أو لعله ينهي حياته إن عاد عليه موته بالفائدة"، لذلك قد نصاب بالدهشة حين نقرأ لعبد سابق مثل هذه الأبيات المكتظة بالقوة الحكيمة التي لم يكن بحاجة لها في مهام يومه المجهدة..

حكّمْ سيُوفَكَ في رقابِ العُذَّل،،

واذا نزلتْ بدار ذلَّ فارحل

وإذا بُليتَ بظالمٍ كُنْ ظالماً،،

واذا لقيت ذوي الجهالة ِ فاجهل..

اكملت ترديد القصيدة بدهشة مسموعة التقطت أذناي كل حروفها، ببطئ مضغ قطع حلوى تخشى انتهاءها:

وإذا الجبانُ نهاكَ يوْمَ كريهة،،

خوفاً عليكَ من ازدحام الجحفل

فاعْصِ مقالَتهُ ولا تَحْفلْ بها،،

واقْدِمْ إذا حَقَّ اللِّقا في الأَوَّل

واختَرْ لِنَفْسِكَ منْزلاً تعْلو به،،

أَوْ مُتْ كريماً تَحْتَ ظلِّ القَسْطَل!!..

تشعرك قصيدة عنترة بقسوة السينما العربية التي فرضت علينا محاكاة الفنان الكبير "فريد شوقي" رحمه الله لدور عنتر بن شداد. رغم لطافة الفيلم القديم، والمواقف الطريفة لشيبوب، إلا أنه كان مأساة لمتذوقي الشعر والتاريخ، وقد وجد المخرج أن تقمص روح الشاعر ستبرز من خلال طلاء أسود على وجه البطل وستتجلى بمعالجة سطحية لقصة حب ساذجة، لا أبعاد حقيقية لمعاناة الشاعر فيها..

هل كانت مشاعر عنترة تجاة عبلة مجرد حب عذري لابنة عمة التي رفض والدها تزويجه أياها، أم أنها معركة وجودية بين ثورة فارس حقيقية ونفسه الخانعة؟!. أنت أمام شخصٍ تربى على تقديس العبودية، والرضا بها كجزء عزيز في نفسه وقد تجسدت أمامه بوالدته التي دفع ثمنها في سوق النخاسة، وبين دهشة حرية تذوقها متاخراً بعد أن استدعي لإنقاذ قبيلته!!

لم يدرك لحظتها المكانة التي منحتها له قوته الجسدية وحسب، بل شعر بقوة أخرى كامنة في قلبه، حين اكتشف الإمكانية المتاحة للعبيد بالعشق كأسيادهم تماماً، لن يغفل القارىء عن ملاحظة الارتباط الوثيق بين عبلة و "سيفه البارق كثغرها المتبسم" !..

من خلال مقارنة وضع عنترة في العصر الجاهلي وما أراه في العالم "المتحضر"، أعتقد أن زملاء عنترة من العبيد كانوا أول من أنكر ثورة رفيقهم وصراعه مع نفسه، فالبعض يعشق العبودية، وإن اختفت من أدراج أسياده صكوكها الصدئة وحروزها، تعرف هذه الوجوه العاشقة للقيود من سيمائهم، من بحثهم الدؤوب عن طاعة صاغرة، إن اختفى سيدهم المختار اليوم سيجدون غيره في الغد، عبودية البعض "عقلية"، تفضل يقيناً عجائزياً جنائزياً على إعمال عقولهم، وكأنهم يخشون خوض الحياة منفردين، ناقصي الأهلية بلا توجيهات وأوامر!!

تساءلت وأنا في خضم صراعات الثائر، كأي يمني يحترم عاداته "التي تدعو للشفقة"، عن أصل عنترة واسم عائلته، وإن كانت قبيلته تنتمي لأصول يمنية، لكني لم أكد أنادي محرك البحث "جوجل "، حتى فوجئت ببعض أبيات الشعر تنتزع نفسها من على سطح القصيدة، لتقف أمامي متقمصة دور عنترة  عاقداً حاجبيه مغضب الجبين وقد تحركت كفه صوب مقبض سيفه المعلق وهو يهتف بحنق:

إنْ كُنْتُ في عددِ العبيدِ فَهمَّتي،،

فوق الثريا والسماكِ الأعزل،،

أو أنكرتْ فرسانُ عبسٍ نسبتي،،

فسنان رمحي والحسام يقرُّ لي

وبذابلي ومهندي نلتُ العلاَ،،

لا بالقرابة ِ والعديدِ الأَجزل!!

مخطىءٌ من يعتقد أن الشعر والأدب مجرد وسيلة ترفية نقضي بها أوقات فراغنا، نزهة نتابع من خلالها قصص مسلية. حين تتجول بين أبيات شاعر ما، لا تردد ما قيل على طرف لسانه أو قلبه، بل تسير على أرضه، تشتم رائحة أيامه، ترث جزءً من معاناته عاش تفاصيلها، من أنا لأجادل إرادة عنتر التي غيرت نسبه في غمضة عين، ما بين ميلاد بيت شعر وانتهائه خلع عنه أوراق هوية القبيلة_ التي أنكرت نسب لونه_  واستبدلها بالرماح والحسام كشاهدي تعريف مناسبين له..

لم يكن الأمر بسهولة ترديد الشعر فأنت أمام مجتمع عنصري، يتفاخر فيه أفراد القبائل بحسبهم ونسبهم الذي يفتقده، يرى ذلك في نظرتهم لبشرته السوداء، ويسمعها عبر "زواملهم وعنترياتهم"، لعل القسوة في بعض أبياته لم تكن موجهة لعدوه وحسب بل كانت إعلان ثورة وانتقام على عنصرية مجتمعيه بتهديد غير مباشرة وهو يقول:

ولقد نكبت بني حريقة َ نكبة ً،،

لما طعنتُ صميم قلب الأخيل

وقتلْتُ فارسَهُمْ ربيعة َ عَنْوَة ً،،

والهيْذُبانَ وجابرَ بْنَ مُهلهل

وابنى ربيعة َوالحريسَ ومالكا،،

والزّبْرِقانُ غدا طريحَ الجَنْدل..

كان السيف والدماء الحية المتساقطة من حروفه السلاح الأقسى والأمثل لرهان قبول المجتمع بلونه الأسمر، فما زال يحمل عقدته الأزلية التي لا أعلم يقينا عدد السنوات التي سرقت من عمره وهو يصارعها حتى تغلب عليها، وصفع قبيلته بسن قانون جديد، رفع به من شأن "والدته" التي لم تكن لائقة بالشكل المناسب لمواصفات جاهلية ذلك العصر، وراح بكل امتنان يصف الجسد الذي قبل به دون أن يرفع له حد السخرية والعنصرية:

وأَنا ابْنُ سوْداءِ الجبين كأَنَّها،،

ضَبُعٌ تَرعْرَع في رُسومِ المنْزل

الساق منها مثلُ ساق نعامة ٍ،،

والشَّعرُ منها مثْلُ حَبِّ الفُلْفُل

والثغر من تحتِ اللثام كأنه،،

برْقٌ تلأْلأْ في الظّلامَ المُسدَل..

لم يطلق " لفظة الجاهلية " على ذلك العصر مجازاً، المفارقة أن شيئاً لم يتغير على مدى القرون التي تفصلنا عن الشاعر، وكأن عجلات الزمن عادت للوراء، وعدنا لعصر أشد جهلا وقسوة، فحين تكون لوحة شجرة سلالة معلقة على صدر مجتمع هي الوسيلة الوحيدة للتباهي والتفاخر فاعلم أنك غارق حتى اذنيك في جاهلية صفراء مقيتة، وما يثير السخرية فعلا بأن شرط قبولك الوحيد للحياة في "الجاهلية المعاصرة" هي امتثال وطاعة لعبودية أقسى من تلك التي عانى منها عنترة بن شداد!

أنت عبد، لا تمت "لعنترة" بصلة، ولن تثأر لأرضك "سويداء الجبين" كالثائر الأول، لا تستطيع إخفاء أنك "زنبيل " على نفسك أو مجتمعك، وإن استيقظت يوماً وقد أصابتك حالة غثيان من نفسك حاول اسيعاب وحفظ ما أنتهت به القصيدة:

لا تسقيني ماءَ الحياة ِ بذلة ٍ،،

بل فاسقني بالعزَّ كاس الحنظل

ماءُ الحياة ِ بذلة ٍ كجهنم،،

وجهنم بالعزَّ أطيبُ منزل..


* المقال خاص بالمصدر أونلاين


الأحد، 25 نوفمبر 2018

اغدا القاك؟!

تملك النساء بجانب نون النسوة ميزة إلهية لا يملكها الرجال، ربما لانعدام حاجتهم إليها أو لعدم استحقاقهم مثل هذه المكافأة، فالأمر أكبر من أن يستوعبوا أهميته أو يدركوا ابعاده، من يعلم ومن يهتم على أية حال؟!..

" نعمة البكاء "..
لا أتكلم هنا عن خاصية البكاء العادي المتعارف والمتداول بين البشر في ظروف الحزن أو صفعات الزمن، بل ذلك الذي يطرق بابك بلا استئذان أو أسباب، تجد المرأة نفسها في بداية صباح مشرق لطيف ودون أي مبرر أو أسباب تصدر لنفسها قرار سيادي يوجهها للقيام بموجة بكاء حارة، تتراوح  ما بين البكاء العميق الهادىء حتى نوبات التشنج العنيف التي تتطلب عادة بعض من البهارات وأحداث الاكشن التي تلزمها بإيجاد ضحية محتملة تسقط عليها تبعات النواح واسبابه الملفقة، التي قد يكون تهديد انقراض طائر البطريق احداها..

وقد قررت هذا النهار أن الوقت ملائم للاستمتاع بهذه النعمة الإلهية، وبدأت مبكراً بأداء طقوس البكاء الغير مسبب، بحثت عن ضحية حية مناسبة إلا أني عدلت عن هدفي في اللحظة الاخيرة، ليس عجزا مني لكني لست في مزاج يسمح بتحمل تبعات النوبة الجنونية التي كنت على وشك تنفيذها..

حتى وجدته في المطبخ متكئاً على سلة الخضار، بلونه الوردي المستفز وكبريائه التي تشعرك بالغيظ:"  من تظن نفسك ايها البصل المغرور، لست أنا من ينظر اليه بهذا البرود، أو يلقى عليه بالتهم جزافاً، كلانا يعلم الفاعل الحقيقي المتسبب بتلويث أجواء كوكب الأرض، وسمح باهمال مريع بتوسع ثقب الاوزون فكف عن اتهامي بذلك !"..

استدرت ببرود لتجهيز ادوات مهمتي الإنسانية بعد أن رمقت البصلات المغرورة بنظراتي الميتة وقد اشتممت بين اغلفتها رائحة ارتعاشة الخوف بعد أن ايقنت نهايتها المحتومة.
 لوح تقطيع الخضار الخشبي في كامل جهوزيته امامي، وقد اطبق شفتيه وعينيه في انتظار ضربات السكين الحاد الذي أخذت بشحذه بهمة ونشاط، قبل أن اتنقل خلال شاشة الهاتف، بحثاً عن موسيقى تصويرية مناسبة للحدث المقدس !!

كانت أم كلثوم في شدة اللطف معي ليلة البارحة اخذتني معها لعالم نوراني حالم وهي تشدو لي بأبيات قصيدة " اغدا القاك " في حفل خصتني به دون عن العالم وقد ارتدت لي ثوب انيق متدرج بين الأبيض والاسود ومنديلها الحريري الناعم يتهادى بخفة بين حركاتها:
أغداً ألقاك يا خوف فؤادي من غدِ،،
يالشوقي وإحتراقي فى إنتظار الموعد!!

الجاهل في الموسيقى يعتقد بأن المساء فقط هو الموعد المناسب للاستماع لكوكب الشرق، قلة من يدركون قيمتها الفنية في البدايات الأولى للصباح، فلترافقني إذن لتكمل لي ما فاتني من حفلة البارحة..
همست للسكين الذي ازداد لهاثه المحموم وسال لعابه على شدقيه أن يكون مهذب ويكف عن تعذيب البصل، مسح فمه على عجل بحركة سوقية قبل أن يقترب من رأس البصلة الأولى التي اغشي عليها فجأة، يدعي البعض القوة حتى يواجه أولى تجارب الحياة الحقيقة!!..

لن أكون متوحشة وانزع روح جسد فاقد للوعي، يجب على ضحيتي الاستمتاع بكل ما امنحه لها، قبضت على رأس اخر من بصلاتي وهشمت رأسها بحركة خاطفة، لانعش برائحتها تلك الفاقدة للوعي وانا اتمتم  لها بحنان وبكلمات رقيقة مطمئنة بأن لا تخشى شيئا وأن كل شيء سيسير على ما يرام، بالطبع كنت اكذب، لا شيء يسير وفقا لما يتمنى المرء خاصة بالنسبة لي وللبصلة وفي هذه اللحظة، مهما حاولت ام كلثوم تعزيتنا :
آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه إقترابا
كنت أستدنيه لكن هبته لما أنابَ
وأهلت فرحة القرب به حين استجابا
هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا!! 

توقفت كثيرا عند نهاية البيت وكررته على نفسي "هكذا نحتمل العمر نعيما وعذاباّ"، لذلك يا عزيزتي البصلة يجب أن تتحتملي عذابك النهائي بذات الشجاعة التي تقبلت فيها نعيم الحياة في السابق، لم يحدد الشاعر " الهادي ادم " في ابياته  الطريقة التي يجب علينا احتمال العمر بها، البعض يحتملها بالاماني وكثيرون وأنا منهم نخفف اعباء الحياة وعذابها بقتل البصل !!، لا يوجد خلاف بين الطريقتين بل مجرد اختلاف ثقافات!..
بدون تردد ممرت طرف السكين  على رأس الشهيدة وجززت عنقها بكل إصرار وترصد، ولم تزدني شقهة النهاية لضحيتي سوى لذة سرت تحت جلدي بشعور رائع قلما أحسست به!..

سارعت أصابعي في وتيرة عملها بسرعة واحترافية كبيرة دون حتى أن القي نظرة اشفاق لرؤوس واحشاء البصل التي تناثرت حولي، لأشعر اخيراً بحرقة في اجفاني وهي تنبىء بدمعات تنتظر لحظة الإنفجار، اهتز منديل السيدة أم كلثوم وقد امتدت حماستي اليها :
أنت يا جنة حبي واشتياقي وجنوني
أنت يا قبلة روحي وانطلاقي وشجوني
أغداً تشرق أضواؤك فى ليل عيوني
آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني
كم أناديك وفي لحني حنين ودعاء!!
لن تجدي عزيزتي المرأة أكثر من هذه الابيات لتذرفي عليها دموعك، انصحك باستخدامها..

لعلي أكف الان عن ادعاء القوة، اعترف لكم باحساس الذنب الذي يأكل روحي وأنا أفرم أجساد الضحايا أمامي، ذنب يقطعني ويثقل كاهلي حتى اقتربت روحي من هلاكها، لكن ما باليد حيلة لقد تم الأمر وانقضى ولن يعيدني الانغماس في شعور الذنب عما حدث، على العكس تماماً، شعور الخطيئة الدائم يجعلك تعتاد عليها وتسعى لتكرارها املاً في تخفيف وقع صدمة وقوعها الأول، لم تشعر كوكب الشرق بما يعتريني  وقد امتدت عدوي الدموع اليها :
يا رجائي أنا كم عذبني طول الرجاء
أنا لو لا أنت لم أحفل بمن راح وجاء
أنا أحيا لغدِ الآن بأحلام اللقاء
فأت أو لا تأتي أو فإفعل بقلبي ما تشاء
أغداً ألقاك؟! ..

وصلت دموعي لذروتها عند لحظة التساؤل المندهش ؟! اغدا القاك ؟!
نظرت للبصل الذي انتهيت منه!!
لم يعد لبقايا اجسادها المفرومة على يدي من غد كانت ترجوه وتتمناه، أي سبب للبكاء أشد وانكى من هذا السبب، وضعت السكين واسندت جبيني على الطاولة لانفجر في نحيب تحسدني عليه الكثيرات !!

لم تستطع كلمات المواساة الحارة التي وضعت كفها على كتفي بحنان وانحنت على أذني لتهمس لي :
هذه الدنيا كتابٌ أنت فيه الفكر
هذه الدنيا ليالٍ أنت فيها العمر
هذه الدنيا عيونٌ أنت فيها البصر
هذه الدنيا سماءٌ أنت فيها القمر
فإرحم القلب الذي يصبو إليك
فغداً تملكه بين يديك!!

لم اتمالك نفسي وافتتحت مرحلة العويل لامد يدي وأشد منديل كوكب الشرق من بين اناملها  وهي تنظر لي باستنكار، دون أن تتوقف عن أدائها الشجي:
وغداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلاّ
وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى
وغداً نزهو فلا نعرف للغيب محلا
وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا..

مسحت اثار دموعي وما علق على أنفي من بقايا بكاء، وأنا أفكر جدياً ببقايا الضحايا المسفوكة على طاولة مطبخي وكيفية اخفاء جثامينها، قبل أن تنجدني ذاكرتي بطريقة طهو " الزقني " التي ارسلتها لي جارتي قبل بضعة أيام، راجعتها سريعاً قبل أن أقف أمام الفرن واتخيل رائحة وجبة الغداء بكل تفاؤل!.
سحبت ميكروفون السيدة أم كلثوم دون أستئذانها إنهاء قطعتها الرائعة، ورفعت عقيرتي بنشازي الذي بدى رائعا تلك اللحظة وهو يشدو:
قد يكون الغيب حلواً ..
إنما الحاضر أحلى!!..
أغدا القاك !!

أعدت ام كلثوم لنقطة البداية وأنا اشعل الموقد لاخفي ضحايا بكائي بين وجبة الغداء وقد جددت نشاطي بعصر جميع الدمع التي كانت مخفية في جعبتي، لأشعر بارتياح كامل وخفة في وزني!!..
 لذلك أردد دائما أن البكاء نعمة، لا يستحقها الجميع ..

نور ناجي

السبت، 24 نوفمبر 2018

"فتحية".. ومطلب العدالة


نور ناجي

 جلست فتحية على رأس الديوان بلهجة القرية النقية، وجسدها الرفيع ككبرياء حرف الألف وهمزة لثامها الذي لا يفارقها. كنت أعرف فتحية منذ سنوات لكنها تبالغ في الغياب ككل الأشياء الجميلة في حياتنا.
 
كلٌ منا قابل يوماً ما شخصا شبيه بفتحية. القوي الذي يخفي اوجاعه خلف جدار صلب، وإن بدى منها طرف سخر وهو يلهو بها كدمية خيوطها بين يديه. يشعرك مثل هذا الشخص، وأنت تقارن مصابه بحالك، بأنك طفل متباكي على قطعة حلوى.
 
انتزعتني قبضتها القوية من حالة تشتتي لتعيد الشقوق التي تملئ وجهها ويديها ترتيب جزء مني. كانت شقوق كف فتحية بحاجة لعمر إضافي لمحاولة رأبها. إلا أن شقوق البعض، بقدر ما تجرح صاحبها، تسمح للضوء بولوجه. لذلك تجده مبتسم بثقة طوال الوقت.
 
أعادت لي ذاكرتي الضعفية بعض من قصتها وهي تجلس بجواري: انتزاع أطفالها الصغار من أحضانها بعد أن طلقها والدها من زوجها الذي كان قد أغضبه في جلسة مقيل. أتذكر جيداً وجود "هَجَر" لم يدفع للوالد، "وثور" لم يقبل الزوج بذبحه. لتقضى فتحية حياتها وحيدة إلا من بعض زيارات لأبنائها في سنواتها الأخيرة.
 
لم أتوقع أن الهربَ من حديث الحرب أمر صعب حتى مع فتحية المرأة القروية البسيطة، التي أمسكت بغصن القات الذي غرسته وسهرت على حمايته بيديها، لتبدأ بسرد الأحداث الدائرة في جبهة مريس ودمت. صححت بطرف الغصن على أرضية الديوان خريطتي الخاطئة لسير المعارك بكل دقة، وهي تؤكد حقيقة المعارك لسماعها بعض الانفجارات ومشاهدة هروب بعض من أفراد الميليشيا بأم عينيها.
 
"كانوا حفاة الأقدام، شعث مدبرين" قالت فتحية؛ يتلفتون حولهم خوفاً من اقتراب جنود الجيش الوطني الذين لم يفصلهم عنهم سوى ساعات وإرادة (أرجو ألا زيف فيها هذه المرة). لوت شفتيها بقرف وهي تعيد العبارة التي ألقتها عليهم ما أن لمحتهم أسفل حقلها: "لو مسكت أنت وهو المفرس، وشقيت بأرض أبوك وجدك ما تبهذلتم هذي البهذلة". أعادت الموقف أكثر من مرة على مسامع النساء اللواتي شدهن ضوء ابتسامتها المنيرة للمكان، وكأنها تسرد نصر شخصي لها. هتفت احداهن: "ما خفتي، لا جبرش"؟ جزت فتحية أسنانها بصوت مسموع وهي تجيب: "والله لو معي سلاح كنت قنصتهم بنفسي".
 
ألقت بعض النسوة عبارات ساخرة على تباطؤ وتخاذل حكومة الشرعية والجيش الوطني، لتتصدى فتحية للدفاع عنهم باستماتة وإيمان أعمى لم أجده في أكبر منظريها وصحفييها، دون أن تتوقف عن رجائها من الله إتمام نصره عليهم، وهي تغلق كل عبارة بدعوة: "أنا فدوهم".
 
اصابتني حماستها بالدهشة! ما سر حربها الصغيرة التي تقودها في المكان، سيدة لم تقرأ يوماً ولم تعرف التاريخ لتدرك الأبعاد السياسية أو العقائدية لفكر جماعة الحوثي؟! ليست موظفة لتتضرر من قطع راتبها، ولم تقم الجماعة نقطة عسكرية حال بينها وبين حقلها. على العكس من ذلك، مُنعت اغنامها من الرعي بالقرب من معسكرات الدولة سابقاً، كما ذكرت لإحداهن، فلماذا نصرت الشرعية دوناً عن أي جماعة غيرها؟!
 
ترددت قليلا قبل طرح سؤالي، وتلقي رده منها: "يا بنتي لازم الحق ينتصر مرة، الى ايحين بيبقى الظلم محلق فوقنا"؟ غص قلبي حين أطل من عينيها، وفي لحظة ضعف، الوجع الذي قضت أيامها في طيه وكتمانه. توق وحاجة إنسانية لهزيمة ظلم بيَن بلغ غايته. ترجو هزيمته والنصر عليه، سواء نالت جزء من ذلك النصر وعدالته، أم مر عليها دون أن تصيبها ثماره.
 
لم تكن فتحية فقط من تطالب بالعدالة. ملايين من هذا الشعب طالب بها بسلمية قريبة للسذاجة قبل قيام الحرب. ومازالوا يحملونها، وان اختلطت بالكثير من الخيبات. ورغبة، وإن كانت خفية حتى عن أنفسهم، باستخدام العنف (كفتحية تماما)، لتحقيق ما يصبون اليه، بينما يراقبون وهج المعارك التي لا تلبث أن تشتعل حتى تخبو.
 
تسير فوق مأزق وجودي صعب، حين تضطرك الحياة للبحث عن عدالة. تخشى من السير مرغماً على ما يراد لك من عبودية لا تقبلها على نفسك. وتفزع في نفس الوقت من لحظة انهيار جدار انسانيتك الهشة وانزلاقك لمنفذ وحيد ينتظرك وهو يمد لك بسلاح همجيتك الجديد...!
 

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...