"ولا يوم الطين ؟!"..
هل أصابني الهذيان أم أنني سمعت ما سمعت حقاً؟!، هل يعقل بأنه سالني عن يوم الطين؟!، تركت مغزلي ورفعت رأسي باتجاهه، بالكاد ميزته عبر مصباح الزيت الذابل لاجده يحدق بي، اختلفت ملامحه اليوم عن ما كانت قبل سنوات قليلة، إلا من تشابه في الدهشة التي يبدو أنها لن تفارقه يوماً !..
ادرت وجهي في أرجاء الكوخ الذي تغمر جوانبه العتمة لأتأكد بأني لا أحلم!!..
مازلنا هنا، في "اغمات" منفانا الذي فرض علينا، ورغم ذلك استطاع زوجي " المعتمد ابن عباد" تذكيري بيومه المشهود!!..
ألم يكن الطين هو من أوقع بنا وساقنا في رحلة اقسى من قدرتنا وفاض من رؤوسنا وجع ومهانة، كنت أعلم منذ البدء أني جارية مشتراه، لم أحلم يوماً بالاقتراب من حياة الدعة والرقة المشابهة لحياة أمير..
أمير لم ينقصه سوى القاء الشعر الحسن وايجاد نديم يتقنه ليكتمل ترفيهه، وكنت أنا " إعتماد" الجارية الخبيرة بغزل خيوط الصوف، والمتفوقة على الكثيرين بنظم أبيات الشعر الحاذقة..
زفرت أنفاسي بجراة لم يعتدها، وانا اسلط قسوتي عليه، كان يجب أن أخبره من قبل بأني مارأيت منه خيراً قط، خير المرأة وسعادتها مرتبط بالأمان الذي لم أكن واثقة منه في قصره ، أخطأت سابقاً في الكتمان، ربما لا يجب علي تاخير بوحي..
لم يرق لي" يوم الطين" أبدا، شعرت بسفه عجينة الطيب والبخور والمسك التي أمر بها زوجي، إلا أني أخفيت استنكاري بذكاء كان يعلم أنه لا ينقصني، أين ما يحدث من طلب النزهة القصيرة التي لم تكن ستكلف الدولة_ التي فقدناها فيما بعد_، درهم أو دينار، فأي جنون انتهينا إليه ؟!
غيرت وضعية جلوسي بعد أن تنملت ساقي، لم تكن الحصيرة اليابسة التي تحملني أكثر رأفة من استجداء الجواب الذي أراه في عيني المعتمد، لم اشاهد هذه النظرة من قبل، أتذكر جيداً ابتسامته المختالة ذلك النهار حين رفعت ثوبي عن ساقي وسط ضحكات الجواري لادوس أرضية القصر الذي اُزكم بالروائح الثمينة، بينما كان يقف بخيلاء على كرسي الحكم يراقب دعساتي، كنت من اللطف ولم أخبره حينها بأن نفسي عافته ذاك النهار وقد احسست بتقمصه دور إله مغرور، صنم يرتدي ما لا يستحقه من ذهب، يبستم مستعجلا لحظة انبهاره القادمة بمعجزة لم تكلفه سبع ساعات، دون أن يسأل "عبده" إن راق له ما صنع له أو إن كان يريد القيام بذلك؟!..
لكني أملك القدرة اليوم على لوم سهام نظرته الذاهلة، فالعالم ملىء بالمتاهات التي قد نكون نحن من خطط لبنائها، لن يجد زوجي أكثر اماناً له من متاهة صعبة الحل لإخفاء أخطائه ونسيان طريق العودة إليها، كما أن تكريس المظلومية وسيلة جيدة للهرب من واقع القيود والطين الذي لم يعد محصوراً به، بل أمسى قيدا ثقيلا علي وعلى ابنائي..
كادت شفتاي أن تتحرك لأزيح عني ذلك العبء، قبل أن أشعر بلفحة ريح تصفع ظهري، لم تكن لابواب القصر صرير يخدشنا، أحاطت به الحراسات كطوق محكم يمنع لفحات رياح شتاء الاندلس الباردة!!..
عبرت ابنتي الليل وقطعت المسافة بين والدها وبين اعترافي الوشيك، ووعائها يفرغ بعض مما في جوفه مع خطواتها القصيرة، دون أن تبالي ببلل قدميها الملطخة بالطين، يبدو أن عشق الطين متوارث في عائلتي!!..
اعدت المغزل لكفي ببطء شديد وبيد مرتعشة، كنت أعتقد أن السعادة فقط هي ما تحول القلب لتحفة ناعمة من الزجاج البراق، حتى اكتشفت أن الحزن يمتلك هذه الميزة، لذلك يتوجب علي معاملة حزني بمنتهى الحرص!..
التفت بكرة الخيط القاسي حول قلبي، أتابع تطاير ذرات الصوف وأتأمل اناملي التي لم تعد ناعمة كالايام الخوالي..
رفعت طرفي لالمح المعتمد وقد احنى رأسه صوب الحصيرة، إلى ماذا يحدق؟!، ما الذي يراه في هذه القطعة الممزقة ليطيل النظر إليها بهذا الشكل؟!، وضعت الخيط جانباً، وقد تجلى انعكاس وجهينا على الحصير، كم كانت تشبهنا؟!، كلانا ممزق باهت الملامح والروح، عاجز عن متابعة الحياة، لن تجد دموعي مكان أفضل منها للتساقط..
نور ناجي
جميل استاذة نور ناجي
ردحذف🌼🌼🌼🌼
حذفرائعه كالعاده
ردحذفتسلمي
ردحذف