الأحد، 14 أكتوبر 2018

جلسة استجواب..

التقطت طرقعة رقبتها ومفاصل أصابع كفيها المعقودين مع بعضهما البعض وهي تمد ذراعيها  لاقصى مداهما، وضعت سلاحها ومحفظتي المصادرة من قِبلها على الطاولة، وسحبت الكرسي المعدني ببطء لتصدر متعمدة  ذلك الصوت الشبيه لخربشة عظام الجبين بموس حاد، قبل أن تتوقف وتجلس عليه لتضع إحدى ساقيها على الأخرى في طقوسها قبل أي جلسة تحقيق تجريها!!..

لم تكن غريبة عني أعرفها منذ مولدي، وتعودت على استجواباتها طوال حياتي حتى لم تعد أسلحتها والتجهم المرتسم على وجهها يخيفني..
أخطأت كالعادة، وليكن؟!..
ما الجديد في الأمر ؟! ..
جميعنا يخطىء، حتى نفسي اللوامة المتحفزة أمامي مدعية النزاهة وحسن التصرف ارتكبت الكثير منها، ما يجعلني دائماً في موقف المتهم هو عدم أحساني لتسجيل الأخطاء أو ترصدها في المقام الأول..

بدأت بإلقاء اسئلتها لادير عنها رقبتي وأنا أعقد ذراعي حولي بعناد طفولي..
تعرف إسمي وتاريخ ميلادي!!..
لن أجيب مجدداً على مثل هذه الترهات وانصاع لها بعد اليوم، حتى لو أرهبتني بعقاب السجن الانفرادي وحرماني من الطعام، لم يعد ذلك يخيفني بعد أن أصبح ذلك السجن المحطة الوحيدة لابتعادي عنها، كما أنه سيكون مناسب لمشروع الرجيم الذي اؤجله كل يوم..

شعرت بنظراتها تحدق بي وأنا مازلت مستمرة في تجاهلها، " لن تنتصري علي هذه المرة" حدثت نفسي وأنا أضرب أرضية الغرفة بمشط قدمي بحركة رتيبة لاتوقف فجأة وقد تنبهت بأنه دليل على الشعور بالعصبية والتوتر..

طال الصمت، لماذا لا تتحدث؟!، أو تهدد؟!، أو تلقي بنصائحها علي كما تفعل دائماً؟!..
أكره شعور الترقب والانتظار، اخسر الكثير لعدم اجادتي له، لكني فعلا لا اطيقه..
سأحاول جاهدة أن اشغل عقلي في التفكير في أمر بعيد عن مركز الشرطة الذي اقطن فيه !..

لن اتوجه للتفكير في الحرب، فأي معركة في العالم ستقودني الى سلسلة الهزائم التي نلتها في مواجهة نفسي، ربما التفكير في الفن والموسيقى سيكون مفيداً، بدأت جمجمتي تدندن" أني اتنفس تحت الماء، أني اغرق،، اغرق،، اغرق!!"..

يبدو اني سأتوقف عن التفكير تماماً فكل ما جاد به عقلي لا يناسب وضعي في هذه اللحظة، الصمت هو الحل المناسب، صمت طويل مماثل لصمت أصحاب  الكهف!!..
تمنيت لو أني كنت اشتركت في مثل تلك المغامرة، أن تبقى مئات السنين نائماً دون أن يحمل عقلك أيه أفكار نعمة عظيمة لا ينالها الا ذو حظ متميز!!..
إلا أن نومي خفيف، خفيف جداً، ربما لو كنت ضمن ذلك الفريق لبقيت المستيقظة الوحيدة، اقلبهم على جنوبهم ذات اليمين والشمال خوفاً من قرحة الفراش، ونفسي تشرف على ما أقوم به بكل حرص لمنعي من إرتكاب الأخطاء _ كما تتهمني دوماً _.. 

هل اخبرتكم أني اكره الإنتظار؟!..
قلتها كثيراً،،، حتى أصابكم الملل!!..
لا بأس إذن، لأني على وشك إنهاء هذه الحالة!! ..

التفت إلى " نفسي" وأنا على اهبة الإستعداد لهجوم مباشر، ضربة استباقية مباغته أو نصر قصير قبل أن تلتقط غريمتي أنفاسها وتقوم بتكبيلي..
بدأت العد، واحد ، إثنان، ثثثثث...

لا تتوقعوا الكثير!!..
لم يأخذ صوتي الكثير من الوقت لخذلاني وسقوطه تحت قدميها مرتعشاً متقطعاً :" انا لم اخطىء، كل ما في الأمر أني غير ماهرة في الإفصاح عن مشاعري، لا أعلم ما السر الذي يجعلها تتدحرج من لساني لتصل للآخرين معكوسة، مغلوطة ، صدمات يتلقاها من حولي بدهشة لأدفع لاحقاً ثمنها غالياً  "..

عدلت " نفسي " من جلوسها واحنت جذعها باتجاهي وقد بدى على قسمات وجهها الشبيه بوجهي الإهتمام والإنصات الشديد، تساقطت دموعي لاستجلاب رحمتها وأنا أكمل :" خيالي هو المخطىء هو من يحاول رسم أدوار جذلى سعيدة لما حولي، أدوار لا تشبه الواقع البتة، لكنه مصمم على أن يلبسها تصميماته بكل سذاجة،  ولا يمر عليه وقت طويل حتى يأتيني باكيا من قسوة الحياة وخذلانها له"..

تنهدت بحرارة :" كيف له أن يدرك أنه خيال مخبول حين يتوقع من فراشة التحليق بأجنحة نسر؟!، اخبريني كيف لي ان اكبح جماحه بعد أن وضع قصص ما قبل النوم  على حجر أسد وانتظر منه طوال الليل أن يقرأها له!!"..

بدأت لحظتها بنحيب صادق قبل أن تقترب مني "نفسي" وهي تلقي علبة المناديل الفارغة خلفها، وترفع طرف بيجامتي لتمسح بها وجهي وأنفي المبتل، قادتني بهدوء من كفي الى السرير لاستلقي عليه كطفلة واتخذت هي مكانها جواري ككل ليلة ..

ما أن توقفت عن نحيبي حتى سمعت همسها يخترق أذني:" كنت أريد أن أسألك عن سبب اختفاء النقود من المحفظة، أين ذهبت؟!، وكيف سننهي الشهر دون أن نعاني من عجز في ميزانيته؟! "، اغمضت عيني مدعية النوم وأنا أفكر بتبرير مناسب للهراء الذي هذيت به قبل قليل، والبحث الجاد عن طريقة حاذقة أواري فيها فاتورة الملابس التي ابتعتها قبل أن تسبقني " نفسي " في الاستيقاظ المبكر غداً ...

نور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...