الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

تحية لروح شهيد..

خلف تلة جدباء صغيرة توسط  شيخ هزيل الجسد عدد من الرجال الاشداء، تخرج كلماته بقوة وعزيمة مخالفة تآكل جسده على يد السنين التي تجاوزت الستين..
لا تستطيع تبين الكثير من ملامح وجهه، خدود جوفاء متكئة على فك قوي، وجرح قديم يعلن عن نفسه بأنف مبتور ومحجر عين فارغ..
تنفذ العين السليمة مخترقة المحاربين الملتفين حوله كسهم حاد يبحث في أعماقهم عن اي وهن او لمحة تردد مختبئة..
لا مجال للتراجع الان!!..
استمعوا له بإنصات شديد وتفرقوا منفذين أوامره بكل دقة، اتخذوا اماكنهم فوق تلال وتباب مرتفعة وخلف كمائن اعدوها مسبقاً..
سكن الرجل كالصخرة الجامدة امامه مرهفاً حواسه للطريق الترابي، وكأن دهر مر عليه وهو متأهب بسكون كشف زيفه قلبه الخافق بضراوة..
طرف جفنه مع اقتراب غبار العربة السوداء وهي تشق الطريق الترابي وبين جنباتها جزار اليمن، اخرج ورقة صفراء من جيب محفظته، وثبت نظره للمرة الاخيرة على اختام العلماء الممهورة على إجازة له بالقضاء على ذلك المتخفي وسط العربة، لفها على مقبض زناده وضغط عليها بشدة، وهو يغمض جفنه ليطرد صور الماضي التي اقبلت تراوده عن نفسها..
ازدادت نبضات قلبه بإيقاع متسارع، طبول حرب قوية تصم الآذان لكنها تنذر بخير قادم..
لم يكن خائفاً، لم يتجرأ الخوف على الاقتراب من قلبه حتى وهو فتى يقارع وحوش البرية، فقد خُلق قلبه منزهاً من الخوف والرهبة..
توقفت العجلات لتزاح الصخور المعيقة لدربها، ولم يلحظ احد من الحراس ذو الثياب الزرقاء النظرات المستعدة للانقضاض، والانفاس التي تنفث نيرانها لتشعل ساعة القصاص..
لم يكد الحراس ينحنون للصخور، حتى رفع الليث راسه من مكمنه وصاح  بصوت جهوري: " اطلق "..
قضت اصوات الرصاصات عليهم قبل ان تصلهم نيرانها، مستثنية الامام الذي تركته ليواجه نيران غريمه القديم..
لهثت البنادق زافرة رائحة البارود بعد ان افرغت ما في جوفها، واقترب (على ناصر القردعي) بمشاعر كثيرة تجتاحه وهو يراقب فرار الروح التي إزهقها، من ظلاله..
حزن، وجع قيد القديم، مرارة انتقام، أمل يتجدد!!...
لم يترك المجال لأي منها، فالمعركة لم تبدا بعد!!..
غادر مشاعره والجسد الملقي، وطفق يمشي متحدياًً خيوط الشمس وأرواح أصحاب الرؤوس التي قطعت على يد الجزار تلاحق خطواته وهي تسمع صدى الجبال تردد : 
ياذي الشوامخ ذي بديتي ::::: ماشي على الشارد ملامه
قولي ليحـيى بن محمد ::::: بانلتقي يوم القيامة 

ولم تنتهي فصول تلك القصة حتى اليوم..

صانع الحلوى ..
نور ناجي
http://almasdaronline.com/article/93373

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...