البورزان..
لم أكن أحب المعارك منذ الصغر، لا أتذكر دخولي لمعركة أدت لتشابك الأيادي، لا أعني بذلك اني إنسانة مسالمة لكني أضع حد للمعارك التي يجب علي خوضها، خط أحمر يوقف أي نقاش حاد أو جدل يمكن أن يصل لانتفاض عروق خصمي أو بحثه عن جسم حاد يصيب به فمي..
النقاشات والحوارات التي قد تقودني لفخ المواجهة المباشرة بنتيجة قد تجعلني أخسر من أمامي تجعلني اغير ملامح وجهي تدريجياً بطريقة درامية وانا أدعي فيها الانصات والتظاهر بالموافقة القلبية على ما قيل ويقال..
حتى تلك المعارك التي تدار داخل عقلي ولا تخرج نيرانها للعلن أحاول جاهدة أن لا اخسر فيها أحد ابطال خيالي، بقناعة تامة أن لا جدال في الحياة يستحق خسارة صديق، قريب أو خيال مقيم ..
لكن العالم يجبرك أحيانا على كسر القواعد التي الزمت نفسك بها، وقد أوقع بي ذلك العالم بفخه، أخطأت حين قررت عودتي للدوام بعد استيقاظ مفاجيء لضميري هذا النهار..
افقت مبكراً لاجده يقف على رأسي ويشدني من شعري صارخاً متقمصاً دور لينين الثائر امام ساحة مكتظة بالعمال في أوج أيام الثورة البلشيفية وهو يشير بيده لي بانفعال صارخ وكأنه يقف على منصة إحدى ساحات بطرسبرغ :" أن قطع الاوغاد لرواتب الموظفين ليست سوى خدعة إمبريالية محكمة لعودة الاقطاعية البغيضة وإفراغ الدولة من موظفيها واستبدالهم بموالين لهم، وسيأتي اليوم القريب الذي ينزعون لقب الجمهورية التي ساوت بين أفراد الشعب من العلم والنشيد الوطني ويستبدلوه "بعازف للبورزان"..
حاولت أن اغرق في وسادتي مجدداً، متبرمة :" منذ متى كانت الجمهورية بسلام وخير، يتنازعها الخطر ويحيد بها عن مسارها منذ لحظة ولادتها"، للأسف كان لينين قد رفع الستائر الثقيلة ليسقط ضوء الشمس علي بمؤامرة محكمة..
لم لا أخرج على الأقل لاشفي فضولي لما حل بالمكتب وبقية الموظفين، وكما يقول الطب الحديث الذي لا ينصت إليه أحد أن المشي مفيد للحالة النفسية الغير مستقرة _ وما احوجني اليها_ لأفرازه هرمون ال.... والآخر .... اللذان لا أعرف نطقهما فكيف لي بكتابتهما ..
لم يطل الوقت حتى وقفت أمام مكتبي المغبر، لا أحد غير المشرف الحوثي منكب على رزمة من الأوراق وقد غير موضع مكتبه لزاوية استراتيجية يستطيع من خلالها مراقبة ممر الدور ومرتاديه بسهولة، يحتاج المكان لقليل من التهوية والنظافة لطرد الذباب الذي يحلق في سماء المكتب قبل أن يحط على المشرف وأوراقه بإحترافية عالية..
ترى ما الذي يكتبه؟!، أربع سنوات منكب على صفحات بياضه لم تنتهي تقاريره ولم نرى نتيجتها في تطوير العمل بل على العكس؟!..
قد أكون مخطئة وما تنفذ في الواقع من وضع يزداد سوء سنة بعد أخرى هو المخطط المطلوب.
جلست على المقعد المغبر أتمنى الانقضاض على روسيا البلشيفية التي ايقظتني، فلا بديل احتل موقعي وسلبه، ولا مكتب جديد أضيف للمكاتب القديمة، دقائق قليلة ووصل " عبده " ، وعبده لجاهلينه أكثر الموظفين في المكتب انتقاداً لاحوالنا، سياسية كانت أو اقتصادية واجتماعية، وُلِد عبده معترضا على كل شئ وأي شيء إن لم يجد يوما ما لا يعترض عليه ستجده يعترض بلا تردد على الاستقرار والسكينة التي تعم كوكب الأرض وهو يوجه لك تهمة تسببك فيها..
لم أكن قد شاهدت عبده منذ فترة طويلة لكن ذلك لم يكن سبب كافي لتتغير ملامحه بهذه الطريقة، سأساله قبل مغادرتي عن نوع الكريم الذي يضعه على بشرته وأضاف له هذا البريق والنضارة، ثم ما هذه الكتلة الغريبة التي تهتز أمامه؟!..
عجباً !...
كرش منتفخة يبدو من تضاريسها المرتفعة بشكل عجيب أنها نمت بسرعة ولم تأخذ الجاذبية الأرضية بعد فرصتها للتعلق بها وشدها باتجاه الأرض..
تجاهلني وسارع للمشرف بمودة لم اكن على دارية بحبلها الموصول بينهما، بعد حضن طويل وقبلات حارة سأله المشرف :" أشرح لي مشاعرك بعد الدورة التثقيفية ؟!"، أجاب عبده وهو يتجاهل الصدمة التي انفجرت على وجهي :" يكفي أني أردد الصرخة الآن بشعور من الارتياح، هالة من الطنانينة تطير بي للسماء، أخيراً ظهر الحق وعرفت مساري في الحياة!"..
عبده في دورة تثقيفية؟!..
لم يكن إحلال الموظفين كما اعتقد الجميع استبدالهم بآخرين، بل بمسح بيانات الموظف القديمة وأفكارهم ومشاعرهم واحلال الصرخة وملازمها بديل لها، تلفت حولي باحثة عن شيء حاد، قنبلة موقوتة، فرقاطة تعب المحيط جواري لأوجه أسلحتها على عبده وصرخته، لأول مرة في حياتي تمنيت معركة حقيقية أواجه تبعاتها وخسران العالم في سبيل انتصاري بها..
خرج صوتي مفاجئاً لي:" ألم تسمعوا الأخبار؟! "..
ترك عبده ومشرفه حديثهما الحميم والتفتا إلي، " أي أخبار ؟!"..
اجبت وأنا لا اعرف كيف ترتبت حروفي لتخرج بهذا التناسق :" اخبار جبهة نهم!! "، تضاحك الرجلان واهتزت الكرش الجديدة لعبده مستفزة لي :" هل أقيمت فيها فعالية فنية جديدة، يقال بأن لديهم مواهب فريدة تسلي جنودنا من حالة الملل الذي يصيبهم هناك "، هززت رأسي باستهتار :" إذن لقد نجحت خطتهم، فخلف تلك الفعاليات السخيفة أنباء لا تسر أحد" ..
أكملت وانا اهب من مقعدي لاضرب كفاي على غبار المكتب مشتعلة حماس :" ليست الفعاليات المقامة سوى حركة تموية لدخول مرتزقة جدد قادمون من تنزانيا ورومانيا وجزر ساحل لامونيا " ، لا يوجد ساحل بهذا الإسم لكن الأسماء الغريبة لها مفعول السحر، أحياناً..
واصلت قصتي الوهمية وأنا أرسم باصبعي خرائط على غبار المكتب محددة عليها مراكز قوة العدو وتسليحها، ولحظة الهجوم الذي لم أعلم توقيته بالدقيقة والثانية لكني سمعت أنه سيكون عقب احتفالية ما على جبهة المرتزقة في نهم، فليكونا على حذر ويبلغا القيادة بذلك في أسرع وقت ..
انهيت قصتي بذكر مصدرها الذي يستحيل على رجل تعقبه، السيدات فقط من يملكون خبرة تعقب صديقة صديقة إبنة عم خالة ألاخت غير الشقيقة أو تلك السمراء التي استقت اخوتها بالرضاعة من أحد المنافقين الملتحقين بجبهة العدو مؤخراً..
أنتشيت للقلق الذي بدأ يسري فيهما وأنا أشعر بالنصر في معركتي الأولى، لعلي لا أستطيع مواجهة المعارك للرمق الأخير لكني أجيد صنعها في العقول، والمعركة التي اسمع صرخاتها في عقليهما يكفيني في المرحلة الحالية..
غادرت وأنا على يقين من عدم زيارتي القريبة، لن أقبل بتحول نصري لهزيمة وأنا أسمع سخريتهما من كذبتي الملفقة، ربما سأنتظر قليلا لعل تفاصيل ما لفقته _ بعيداً عن الاستعانة بمرتزقة لاموريا_ يتحقق بمعجزة، فالمعجزات مازالت تتحقق..
أرجو الله أن تتحقق..
نور ناجي
البورزان : آلة نفخ نحاسية كان يستخدم في جيش المملكة المتوكلية " الله لا رد أيامها، قولوا آمين " ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق