أنصت للمزايدة المقامة في منتصف الحقل، يبدو الجمل متململا ويحدج الجد الذي نزع عنه المحراث بنظرة حانقة، ليتركه بعدها لمعاينة المشتري القادم من قرية بعيدة ..
" لم يعد شيء باق على حاله بعدك يا جدة!!" قالها وهو يقبض على حفنة التراب ليتركها تتسلل بدهشة موجعة بعد ان بدأ الجمل بالابتعاد ورغائه المستنجد يلحق به، " لا أحد لينقذك فقد رحلت بعيدا"ً !!..
لم ينتظر جده لينضم إليه وعاد للدار سريعاً، أصبح الفناء فارغ موحش، إلا من صدى نداء قديم لعابرين جوعى يتردد فيه على استحياء :" جاوع يا فاطمة بنت مسعد !! "، لم يتوقف الجوع عن انتهاش أمعاء العابرين، لكنهم توقفوا بعد رحيلها عن طرق باب دارهم..
لا يحمل الأحياء الوفاء، كان هذا أول دروس الحياة الذي تلقاه مبكراً، الجميع يتجنب ذكر جدته أمامه، يصمتون عنها حين يعبر من امامهم أو يهب لهمسهم بإسمها في إحدى زوايا الدار، يود لو صرخ فيهم "لماذا تتوقفون؟!، أعرف أن الموت غيبها وقبلت بذلك الحرمان، فلا تنضموا إليه وتحرموني من ذكراها!!"..
لم يجد من هو أكثر وفاء لجدته من حجارة الدار، يسمعها في الليالي الباردة تهمس بضحكات مكتومة وهي تعيد عليه سرد نوادره مع جدته، الريال اللامع نصيبه اليومي من كيسها القماشي، قطعة الجبن التي كانت تخصه بها دون غيره في وجبة الإفطار، احتضانها له في المساء وقد نزعت عنها المعطف الجلدي ذو الازرار العريضة..
مسح دمعاته بكم ثوبه وكور جسده على الفراش، "يجب أن تكون رجل" هذا ما يكرره عليه جده ساخرا من ضعفه، لا تجتمع الرجولة والدموع، "يجب أن تسحقها قبل أن تصل لاجفانك"..
لم يستطع سحق الدموع، لكنه تعلم كيف يساقطها تحت جلده وهو يحتضن معطف جدته فاطمة قبل أن يغفو..
نور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق