السبت، 16 يونيو 2018

الصديق الوفي..

توقفت منذ فترة طويلة عن فكرة البحث عن صديق، مجرد صديق..
كيف لي أن ابحث عن صديق ويكون شرطه الوحيد الوفاء!..
لست من هواة الاصدقاء، منطق أن امضي معظم أيام حياتي وانا اسامر صديق اخر النهار للبوح له بمكنون نفسي او احداث يومي، مخاوفي، احلامي، تجاربي القديمة، أو لمجرد أن يضحك لنكاتي المملة السمجة، أو العكس!!، فكرة غبية من أساسها..
نمل من تكرار رؤية انعكاس وجوهنا في المرايات، فكيف لا نمل من شخص يحوم حولنا كذبابة طوال اليوم ..
الصديق في الحياة كالزواج، فكرة لا انسانية، قد تكون نافعة في مملكة الحيوانات حيث تحتاج القطعان لبعضها البعض من أجل البقاء، أما في عالمنا فالوضع مختلف، الاقتراب الشديد بين البشر يبعث على الكأبة والتبلد خاصة في أيام الحرب..
كيف لي مثلاً ان اعيد سرد اوجاعي من عفاش، أو ان اصف مراراً النار التي تحرقني وانا ارى مجازر الحوثي ، ايعقل أن اسمح لصمت هادي، وتزلق احزابه بالتكرار امامي اكثر من مرة  في اليوم!. يكفي أن أمر على اخبار هذه العصابات سريعاً، ابحث في احشائها عن فرحة يتيمة اعلم يقيناً أني سأدفع ثمنها في انفجار قريب، أو انسحاب تكتيكي في نشرة أخبار قادمة. فلا احتاج لإعادتها على مسامعي عبر  صديق وفي..
انا صديق نفسي، ولم اجد من هو أوفى مني لي..
كان هذا بالأمس القريب، فقد حدث ما غير قناعاتي تماماً..
كانت الشمس قد استيقظت مبكراً، وطرقت على الابواب بشدة ورفعت عقيرتها، "أن لا طعام أو شراب فقد أتى النهار، لا عذر لأصحاب السمك المعلب أو الزبادي"... صحوت فجاءة، انا الذي تعلم السهر بعد سنين طويلة من النوم المبكر، اصحو بعد الشروق وبساعات، لأجد نفسي في منتهى العطش!!، عطش قاتل !!
حاولت تجاهل الابريق المجاور لي وهو يخلع مئزره امامي في محاولة لأغرائي بمفاتنه، أعطيته ظهري وانا اتمزق من اللهفة، فلست من اللذين يفطرون في رمضان، ارتفع صوت نداء الابريق بدلال وهمس مغري، وانا اسد اذني عن صوته بعنف، اقترب مني بعد أن وجد مني الصد كحورية اعلى سريري، عبث بشعري طويلاً، وقطرات الندى العذبة تتساقط علي لتزيد من اشتعال رغبتي. أغرقت نفسي في الوسائد متجاهلاً تلك الحورية، استحضرت صوت والدتي تصيح بي وبإخوتي، اخرجوا السنتكم لأتأكد من صيامكم، كم وددت وانا صبي صغير الوشاية بهم، أن اخفاء تناول الطعام ليس بالأمر الصعب، تمنيت لو افشيت لامي تندرهم خلف ظهرها بنجاحهم الماكر في خداعها، لعلها كانت تدرك ذلك وتدعي العكس لتبقى هيبة صيام رمضان حاضرة في وجداننا..
لم تمنع انفاس الابريق المغوي انشغالي بأفكاري من الاقتراب مني اكثر، فجاءة مست اصابعه الباردة خدي!!..
 باردة ناعمة..
اغمضت اجفاني وانا اتخيل شفتي تنطبقان على حد الابريق الفاجر، صوت شيخ الجامع القريب ارتفع من ضميري محذراً وانا ما زلت منقاد!!، طبول اناشيد طيور الجنة ترتفع لتحذيري، وانا في غيي اعمه!!، حتى الزوامل وصرخات أصحاب الشمة زعقت بأصواتها الحادة في محاولة اخيرة لصدي..
بلا فائدة..
وقع المحظور، ووقعت في الخطيئة، كأسان باردان من الحجم الكبير، وعلبة عصير عنب، (راوخ) كانت تقبع في دولابي انضمت لمياه الإبريق في جوفي.
فرغ الابريق ، وفرغت روحي من شبقها، والقيت بجسدي كومة فارغة أمامهما!!..
اين اذهب بخطيئتي، كيف لي ان امحوها...
اخجل ان اطلب من ربي المغفرة ومازالت شفتاي ملطخة بآثامي وضلالي..
بدون تفكير أمسكت بالهاتف لأبحث عن نجدة، أي نجدة؟، قادتني أصابعي اليه، صديقي الوفي..
بصوت جزع أخبرته بما حدث، لم اسمع منه رد للحظات حسبتها دهراً، هل أصيب بالخيبة من فعلتي الشنعاء، ام أنه يبحث عن طريق خلاصي؟..
استمر الصمت وانا اتلهف للإجابة، أي توبيخ في تلك اللحظة كنت سأقبل به، أي طريقة تنقذني من الضياع التائهة فيه نفسي، سانحني لها صاغراً..
واخيراً، وصلني صوته هادئاً متزناً على غير العادة " هل كان الماء بارداً ام ساخن؟؟"، تلعثمت، هل تختلف العقوبة بحسب درجة حرارة الماء، هل من مستويات معينة للجزاء الذي استحقه، لم اهتدي للجواب، فأجبت منكسراً وصادقاً :" بل كان بارد زلال"، تغيرت نبرات صوته وهو يجيب " جعل سُمٙك "، وضعت الهاتف مطمئناً، وقد انزاح عن كاهلي عبء كبير..
لم افكر بطريقة التكفير عن ذنبي وكفارتي، سأتركها لوقت صلاة الظهر او للغد..
سأكتفي الان بالحمد والشكر الجزيل لربي، للمنحة الالهية التي خصني بها، امتلاك مثل هذا الصديق لا تقدر بثمن..
أنه ليس أي صديق، فلقد وهبت وبدون أن ابذل الجهد الكبير، اكثر الاصدقاء الحقيقيين وفاءً وصدقاً ..
ولم انسى اخفاء علبة العصير في الدولاب خوفا من انكشاف امري...

نور ناجي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...