الأحد، 10 مارس 2019

‏انتقام متشفِ ..

  الأحد, 10 مارس, 2019 - 02:15 صباحاً 

 نور ناجي 

 هل فقدنا الوطن فعلياً إثر عملية الانقلاب، أم أننا فقدناه قبل ذلك بكثير؟! ..

 ‏لم تكن محاصرة صنعاء هي البداية، أو حتى عمران ودماج، ربما لا نستطيع تأريخ لحظة مخصصة لافلات اليمن من بين أيدينا، نحن أمام تاريخ وقع على بركة مغمسة بالدماء وارتوى، حتى بدى أنها حكر عليه. ‏خاضت اليمن الكثير من الاضطرابات، أوشكت على السقوط لمرات لا يستهان بها، وتهاوت وانكبت على وجهها أكثر مما نتخيل، إلا من عودات جمعت فيها نفسها بصعوبة ببضع أجزاء من خيوط وأسلاك شائكة..

 ‏بامكاننا توجيه إتهامات حقيقية على السلالة المريضة بآفة التميز العرقي على غالبية المصائب التي وقعت في اليمن، لكن ذلك لا يعفي اليمني نفسه من تهمة المشاركة في الأذى وهو يعلم غالباً تبعاته لكنه رغم ذلك مستمر في خوضه وكأنه أمام لعبة أو أحداث مغامرة :" من سيدمر البلد ؟! ".. 

 ‏قد يكون الحكم ورغبة السلطة وراء سعي أسياد الحروب في إثارة البلبلة والقلاقل، لكن ما الداعي الذي يرافق الملبين لها؟!، ما الذي يثار في دماء البعض لحظة سماعهم زمجرة  الحرب الأولى وهتافات غربانه، ما الرغبة التي تسري في عروقهم وتجعلهم يلقون محراثهم عنهم ويستبدلوها برغبة متوحشة تتشبث بالسلاح وبرغبة انتقام لا يستطيعون إنكارها؟!..  ‏

حين تراقب بضعة أطفال في لعبة جماعية، لن تجد الجميع سعداء بالنتيجة التي ستوزع فيها الهزيمة على الاغلبية، فالكل يتمنى الاستئثار بالنصر وامتلاكه لكنهم ومن أجل استمرار اللعب يتبعون قوانينه وبالتالي القبول بنصر الغير، فقد انتموا فعليا للعبة وشروطها منذ لحظة اشتراكهم بها، قلة فقط من ستسعى لكسر وتحطيم قواعد اللعبة وتخريب ساحتها مع علمهم اليقين بأنهم سيكونون أول محروم منها!!.. 

 ‏حين تحاول فهم مثل ذلك السلوك ستجد أن عجز الطفل "المخرب" عن إتمام اللعبة مهما بذل من مجهود جعله يشعر بالنبذ الذي أفقده انتمائه لساحة اللعب..

 ‏لا تختلف ساحة اليمن عن تلك الساحة سوى بالأعداد الغير قليلة لمن يحاول تحطيمها مرة تلو الأخرى، بنشوة اندفاع لذلك الفعل لا ينقصه سوى هتاف شمشون: "علي وعلى أعدائي!!"..

 ‏هل يتبادل اليمني مع أرضه علاقة طبيعية، أم أنها تحمل من التعقيدات ما يفوق علاقة الإنسان بأرض يسكنها؟!.. 

 ‏حين تقف أمام مشاعر اليمني تجاه أرضه تجد أنك أمام محب يرى أن علاقته بأرضه كعلاقة حب بعاشقة ليست بعيدة عن "زليخة" حسب تصوره، تعاتبه يوما: "لم لا تمنحني القليل وتقاسمني بعض حبي لك؟!"، وتعطيه ظهرها حينا وهي تسأل الجلاد أن يزيد في تعذيبه؟!، وهو يقف بين جنونها حائرا في كيفية التعامل معها، هل يعطيها ظهره ويغادرها باحثا عن حبيبة أكثر رأفة به، أم يحاول الامساك بيدها مرتهناً لصدفة تعقلها حتى يتجاوزا محنتهما سوية؟!..

 ‏لم تكن جغرافية اليمن ابدا باللطف التي تتحدث عنه الاغاني، فهي أرض شاقة واورثت ذلك الشقاء لأبنائها، الذين أفنوا اعمارهم لاستصلاحها وزراعتها، دون أن يجدوا مقابل ملائم لما دفعوا أو مكافىء للأوقات التي رفعوا فيها أيديهم للسماء استجدا لقطرة ماء، وحتى في تلك اللحظات التي تحنو فيها عليهم وتلين لهم ستجد أن من يقطف خيرها قلة مرفهة لم تحمل لها معول او تذرف على ترابها عرقاً..

 ‏أصيب اليمني بالوهن نتيجة هذا الرابط، واهتز معه الأمان وبعض من الانتماء للأرض التي  يقطنها؟!، لذلك نزع نسبة لا بأس بها من ابنائها عن انفسهم تلك العلاقة عنهم وغادروا الارض الا من بعض التفاتات تعيد لهم بعض ذكريات، ومن تبقى عليها حاول مهادنتها وهو يمارس عليها حياة شاقة، واصبح أحد اثنين أما عازم على دفع ثمن عشقه للأرض بقلب متسع لشقاء وشفاء، أو آخر تحول إيمانه بها لقلق وتربص افقده مع الأيام قدرته على منح الأعذار والغفران وقد حملها تبعات اقدار لا تملك منها شيء..

 ‏  ‏هل انتقمت الفئة الاخيرة للشقاء الذي نالته  من قسوة هذه الأرض؟!..  ‏"

"مهما كانت الحروب قاسية لكنها أكثر عطاء من أرض بخيلة" قد يقولها من فضّل مصلحته الشخصية عن سلام هذه الأرض وهو ينفخ في النيران فيها بانتقام عاشق متشف، دون أن يدرك أن النيران لن تتوقف عند احراق الأرض، بل ستمتد لتلتهمه بمكاسب حروبه واعذار الانهاك والتعب التي أفقدته إيمانه بها..  

السبت، 2 مارس 2019

صنعاء.. "وتعطلت لغة الكلام"..  

السبت, 02 مارس, 2019 - 08:12 مساءً 

 نور ناجي  

 يحدث أن تفرغ منك القصص وتتبلد الحكايا. لا شيء يغضبك أو يسعدك. تتوقف روحك عن شغف الحياة والاستمتاع بتدفقها وحسب، دون أن تبدى لك أسبابها، لعلك تدركها في قرارتك، لكنك لا تريد كشفها لنفسك بوضعك الكثير من الأعذار؛ كالسأم أو رفض الواقع، فأنت مخلص لحالتك مهما كان مزاجها.

   برغم مهادنتك لتلك الحالة، إلا أنها في واقع الأمر تنهكك، تجعلك تفقد جزء من هويتك. لذلك لا يجب عليك الاستسلام أو الانصياع لها، فأنت دون دورة الحياة التقليدية حولك، تحتاج لتعريف جديد وهوية غريبة عنك، وليس من اليسير العثور على بطائق شخصية في هذا الزمن .. 

  ستتفاجأ أن الخروج من هذه الحالة لا يحتاج- أحيانا- لمجهود كبير؛ مجرد وجوه جديدة؛ أو ربما رحلة قصيرة بين قصص الطرقات المزدحمة قد تعيد لك حيوية تدفقك.. أكدت ذلك لنفسي وأنا أخرج من المنزل..   

أنه يوم السبت، الذي قرر الانقلابيون الغاؤه كإجازة بقرار مبكر ليكون يوم دوام رسمي. لم أعرف حتى اليوم أسباب ذلك القرار، وقيمته الحقيقية، أو الانجازات التي تمت بموجبه؟! 

  أشرت للباص الصغير الذي كان فارغاً وانتقيت مقعدا مريحا. اعتدت نسيان ما حولي سابقا في رحلاتي في الباص، إلا أني في مثل هذه الرحلة كنت بحاجة ملحة للبقاء متنبهة لاقتناص فرصة وصيد حكاية ما. كان النهار قد اقترب من الانتصاف، وتأكدت من ساعتي، بعد أن كاد الشارع ينجح في خداعي بهدوئه وقلة ازدحامه.. ربما لسنا في وقت الذروة فقط !! 

  كانت الباصات، كما أتذكر في سنوات دراستي الجامعية، لا تتوقف عن التنافس بينها في إدارة أحدث الأغاني، أو فتح الاذاعات التي حفظنا توقيت برامجها، إلا أن كاسيت الباص الذي يقلني كان صامتاً. لا بأس أن أختار السائق ذلك، ربما لا يعشق سماع الألحان، أو أن الكاسيت الباص معطل. لا داعي للتذمر، فمجرد عدم سماع الزوامل عدالة يجب أن تكون كافية بالنسبة لي..  

 كنت أبحث عن حكاية، لعلي أجدها في ملامح السائق الجانبية التي أحدثت الشمس فوضاها عليها بلا شفقة. وببرود، حرك المقود أمامي بيدين لطختهما آثار زيت المحركات، إلا أني لم أجد فيما أراه ثغرة تدل على قصة ما.  ترى ما حكايته؟! ما زال في مقتبل العمر، لكن تصلب قسماته تقول إنه لا يفكر في شيء، ولا يريد ذلك. لعله كان أقرب لحالتي التي تركتها في المنزل !!

   لا بأس سأعثر على ضالتي قريبا.. 

  توقف الباص مع إشارة راكب جديد. لم يتذمر سائقو العربات حولنا، يبدو أن شوارع صنعاء الضيقة لم تعد تعاني هي الأخرى من الازدحام أو من ضيق الأفق. حوار قصير دار بين الراكب وسائق الباص بسبب الأجرة، صعد أثرها بعد أن اتفاقا على دفع نصفها.. هل خيب ذلك ظني؟! ربما كنت آمل في بذرة حكاية على غرار: "وثار السائق اخيرا".. 

  تركت سائق الباص، فلا فائدة تُرجى منه، واختلست النظر إلى الراكب الذي دلت هيئته على موظف حكومي تقليدي بثياب رثة أصبحت هي الصفة المميزة لغالبية موظفي الدولة، بعد توقفهم منذ أكثر من ثلاث سنوات عن قراءة رسالة نزول الراتب في حساباتهم البنكية. في هذا المشهد "حكاية"، قد تكون مثيرة في الظروف العادية، إلا أنها غدت بالنسبة لي ولغيري حكاية سمجة لا تثير المشاعر أو تحركها، فاعتياد المهانة واقتسامها بين شعب بأكمله يجعلك تفقد الشعور بها مع توالي الأيام..!!  

 لم يُطِل الباص السير، حتى توقف مرة أخرى. كانت هذه المرة سيدة تجاوزت الستين من عمرها. لم تحاول تخفيض الأجرة بل دخلت الباص بنظرة حازمة قبل أن يعترض أحدنا على "الشوالة" التي تحملها !! كنت أريد أن اطمئنها بأن لا معترض منا، إلا أني توقفت. يجب أن تأخذ الأحداث مجرياتها دون تدخل مني ..!!

   أخذني الفضول لمعرفة ما تحوى تلك "الشوالة"، فسرقت لمسة خفيفة ميّزت عبرها الخبز الناشف. لابد وأنها تربي بضعة اغنام وليس الخبز سوى طعامها، متى ستتحدث عنها؟!.. 

  طال الوقت دون جديد. لماذا لا تبادلني الكلام كما تفعل النساء عادة؟! قد يكون انتظار الحدث، إفراغ واضاعة له، قلت ذلك في نفسي وأنا أخالف قواعدي وألقي عليها التحية. شَعرتُ بالدماء تتدفق إلى رأسي ساخنة، حين أجاب الصمت تحيتي !! هل اعتبرت السيدة إشارة رأسها الخفيفة، والتي بالكاد لمحتها، ردً كافٍ عليّ؟!..   

ما الذي حدث لسكان مدينتي؟! ما هذا الخرَس الذي ران على قلوبهم؟! ربما أخطأتُ ببحثي عما يحرك البركة الراكدة في وجوه تعطلت منها لغة الكلام !!..  

 كانت صنعاء، ومازالت، منبع لا ينبض، لذلك غادرت الباص الفاقد للحكايات سريعاً، وترجلت للسير على أرصفة المدينة. اشتقت لصنعاء، المدينة الجميلة التي مهما حاول الزمن إخراجها عن مسارها التاريخي تعود رغما عنه. حاولت السير أطول فترة ممكنة، لعل الوجوه ليست باردة غير مبالية كما توقعت، أنها أقرب لوجوه اعتادت على الكلام حتى لم يعد بإمكانها منحه..!!   

ربما عجزت عن إيجاد إلّهام في وجوه ساكني صنعاء، لكنني كنت خبيرة في تقصي أخبار المدينة ومعرفة أحوالها. مازال نبضها، بالنسبة لي، هو المؤشر الحقيقي الذي أعتمد عليه. رفعتُ رأسي إلى الجبال المحيطة لخصر المدينة، والتي لم أعد اسمع ترانيمها الصباحية منذ فترة ليست بالقليلة. هل تغيرت صنعاء كما يقول البعض؟! ..   

"معك حق الصبوح يا عمة"؟!، قاطعني ذلك الوجه الذي لم يتجاوز سنواته الخمس. من المفترض أن يؤلمني ذلك الطلب، إلا أن ذلك البريق المحتال الذي بدى في عينيه، جعلني ابتسم. قبَضتُ على كفه التي استسلمت لي وأنا أسأله مرافقتي بضع دقائق، ليحكي لي، خلال دقائق قصيرة، كيف سيصبح طبيبا بيطريا يعالج قطط الشوارع التي يعطيها جزء من طعامه كل يوم..   

ما الذي توقعته حقاً من المدينة؟ لن تحبذ مدينة نفسها حين تكتظ بالفقر والحاجة والمهانة! لن تستقبل طالبي النسيان بالابتسامات والهزل! لن تكون سعيدة حين ترى توقف سكانها بفعل جماعي عن الكلام! ستصاب بخيبة أمل قاسية نتيجة خذلان فاق الأربعة أعوام من وعد بنصر لم يوفى..   

ليست صنعاء أو ساكنيها كما يظنه البعض؛ وليس الصمت وتعطل البوح والشكوى تبلد وبرود؛ فهناك نبضات غاضبة قد لا نستشعرها على الوجوه، إلا أنها تصل عبر نبض الأرصفة والطرقات؛ غضب هادر، قد تكون مفارقة ابتسامة ذلك الصغير شعلة إيقاده، بعد أن استقت المدينة وقود الغضب، من ذلك السائق والموظف البائس والسيدة ومني؛ نبضٌ، يجعلني لا أخشى على صنعاء مهما طالت مدة الانقلاب الجاثم عليها..  

 ستعود صنعاء كما كانت، إن لم تكن عودتها للأفضل. فبعض المدن لا يمكن للحياة أن تعطيها ظهرها بسهولة..    

السبت، 23 فبراير 2019

دكاكين طبية.. 

  السبت, 23 فبراير, 2019 - 09:38 مساءً 

 نور ناجي 

  للحرب في صنعاء شكل مختلف، بعيدة كل البعد عن الصورة النمطية التقليدية. فهي أقرب لكائن رمادي شفاف أحاط المدينة وتسلل اليها ببطء، زحف بين شقوقها والتصق بأبوابها ونوافذها حتى ابتلعها بألوانها القديمة، ونسخ نفسه عليها..  

 كنا نسخر من المتشائمين، الذين كانوا يحذرونا من نية الحوثي وجماعته اعادتنا لعصر ما قبل التاريخ. ليس ثقة في الحوثي، بل لاستحالة العودة للماضي في مثل هذا العصر المنفتح، متناسين أن مؤشر الحضارة كما يصعد يهوى للقاع بمنتهى السهولة. وتم للانقلاب ما تمنى، وهوت اليمن تحت ثقله لقاع لم يسلم فيه شيء..   

المضحك، أننا وصلنا الى نقطة الّلا شكوى، فلن تعيد الهتافات والمناشدات شيء لسابق عهده..  

  ككل الخدمات في صنعاء، تردت حالة الخدمات الطبية. نستطيع القول بأنه لم يعد هناك من طب حقيقي في المدينة الفارغة الجيوب سوى للقادر، والقادر جدا. أما غالبية الشعب فقد ترك لها خيار الموت البطيء، أو تحمل ما لا تطيق من ثمن خدماته الباهظة..   

وحتى لا أكون جائرة، لم تغلق على المواطن جميع الابواب، بل منح لنا خيار مغامرة دخول الدكاكين الطبية المستحدثة، والتي لا تختلف كثيراً عن صور الماضي الرمادية التي سخرنا من فكرة عودتها..  

 لن تدهش حين ترى الازدحام على عيادات، أو دكاكين الطب الشعبي، أو النبوي، أو ذلك المتشعب في علم الجان وسحر المارد "مرجان"، أو حتى الاحواش الخاصة بعلاج "الونش". نعم الونش والذي يقال بأن تجربته لا تخلو من الإثارة!! وستجد الزائر لتلك الدكاكين، بعد أول زيارة لها، يتحول إلى أكبر المدافعين عنها، وكأنه يزيح عن نفسه حساب ضميره لقبوله أن يُحتال عليه بمثل تلك الكذبات..  

 وكان لي، للأسف، نصيب في تجربة أحد تلك الدكاكين. قبضت ذلك النهار على يد "شهد"، في محاولة لمدها ببعض الشجاعة بعد أن سبقتنا والدتها إلى طاولة الاستقبال في "العيادة"، إن كان بإمكاننا إطلاق لفظ العيادة على بلاط ذلك البدروم المظلم برائحته الموبوءة!..  

 كان المكان مزدحماً، لدرجة أنك لن تجد موضع قدم "لزبون" إضافي، لكن أبوابها كانت مازالت تستقبل المزيد. اختنق المكان بالبكاء والزفير الخانق، إلا أن المذيع كان يقبض على ميكرفونه ومصمم على نقل أخبار المعارك من قلب جيزان ونجران عبر الشاشة المغبرة بكل حماس. يدهشك المدى الذي يصل إليه اعلام الانقلاب في الحفاظ على مثل هذا الثبات الانفعالي، رغم مرور السنوات على ذات الخبر!!.. 

  لمحت شيخ كبير يلوح بعصاه في وجه الممرضة البارد:"إنكِ تخالفين الطابور، وتحابين صديقاتكِ أو من يدفع لكِ، رأيت ذلك بأم عيني" صاح بعصبية وهو يرغي ويزبد، مؤكداً لمن حوله أنه يقف على نفس المسافة من الطابور منذ ثلاثة أيام دون ان يُجري العملية. سالت نفسي بين تشنجاته: هل من المعقول بأنه لم يُزِل الّلوزتين بعد هذا العمر؟!. لعلها ليست الُلوز على أي حال، فمثل هذه الدكاكين لا ترفض مريض أو تعجز عن شفائه!..   يبدو أن الشيخ لم يكن جائرا كما اتهمه البعض، فقد احتفظت والدة "شهد" بالحجز الذي تأخرت عنه يومين كاملين، وتخطت الطابور و"مخاط" الاطفال ولعنة الشيخ، بمنتهى البساطة، باتجاه "غرفة العمليات"!!..  

 تلمسنا الطريق بصعوبة: "لا يجوز أن يكون في غرف العمليات نوافذ"، هَمَسَتْ لي قبل أن تتعثر بجسد سيدة افترشت البلاط. قد تكون والدة شهد محقة في مسألة عدم وجود نوافذ، لكن ذلك لا يعطي الذباب الحق في احتلال مثل هذا المكان واتخاذها مسكناً له. اعتدنا الرؤية بعد لحظات، ليطل علينا بوجهه البشوش. لا يعطي البالطو الابيض الإيحاء دائما بأن من يرتديه طبيب، وهذا ما شعرت به من حديث "الطبيب"، الذي يبتلع نصف حديثه وكأنه يخشى التورط في كلمة تُدينه!.. 

  تجعلنا الحرب أنانيون بعض الشيء، وتخرج أسواء ما فينا. وقد كنت أنانية، بمقدار ولو بسيط، وأنا أزيح بعض الأطفال عن السرير المزدحم، بعيدا عن أعين أمهاتهم بالطبع، لأواجه شهد بابتسامة مشجعة وأنا أسد أذنيها الصغيرتين عن الصراخ المحيط بنا. لا يجدر بها أن تضعف جرّاء انهزام اللحظات الأخيرة. لن تتلقى ابتسامة رضى نتيجة ذلك، فقد أخرجت الحرب أيضاً أسواء ما في والدة "شهد" وحولتها لكتلة من العصبية..   

 استوعبت الطفلة محاولتي، فأبعدت كفاي وعلى وجهها ابتسامة واثقة: "اطمئني يا خالة، إن خلع اللوزتين بهذه الطريقة أسهل وبدون وجع تقريباً. كما أن أكثر وفيات المستشفيات نتيجة للمخدر الذي يستخدمه الأطباء، وأنا لا أريد أن أموت". لم أكن بحاجة لذكاء خارق لأدرك من الذي وضع لشهد تلك المعلومة. لم يتعلم الأطفال شيئا من الحرب، ومازالوا في منتهى "السذاجة" !!  

 كنت حريصة على أن يستبدل الطبيب المحتال قفازيه الطبيين بأخرى جديدة. فأن يستخدم ذات الزي المتسخ وسرير العمليات المرصوص بالصدى والمرضى شيء، وأن يبدأ عملية جديدة بنفس القفازات شيء لا ينبغي السكوت عنه ابدا، ولن اسمح به..  

 اصابتني نوبة شديدة من الغثيان بعد صرخة شهد المدوية، وخروج الكماشة الملطخة بالدماء من حلقها. يبدو أن علبة البخاخ التي رشها على حلقها لم تكن كافية، أو ربما منتهية الصلاحية، حتى بعد أن هزها مرارا بحاجبين مقطبين وانحني مرة أخرى "لنتع" اللوزة الثانية.   من نعم ربنا سبحانه وتعالى أنه اكتفي بلوزتين في الحلق. لم تكن الطفلة لتقبل بجولة ثالثة حتى وإن ماتت اختناقا بمخدر المستشفيات، أو هددتها والدتها بسلخ جلدها..  

 لم أكن اعلم أن شهد تحمل ذلك القلب الأسود حين قاطعت العائلة، محملة إيانا مسؤولية الصدمة التي اصابتها. إلا أني استطعت بعد عدة محاولات اختراق الجبهة المنيعة التي حصنت نفسها بها، وشرحت لها ظروف والديها التي أصبحت في منتهى السوء بعد انقطاع الراتب: "إنها الحرب يا شهد، غادرت الشوارع فعلاً لكنها لم تختفي بعيداً، مازالت هنا ملتصقة بلونها الرمادي على جلودنا"..  

 هتفت الطفلة بحنق وهي تحاول كتم نشيجها: "يا رب اقطع لوز الناس اللّي عملت الحرب، واقطع لوز اللّي قطعوا راتب أمي وأبي!".    
هززت رأسي دون أن أردد حروف دعائها أو أؤمن عليه. فكما يأسنا عن الشكوى، توقفنا عن الدعاء حتى نستحقه أو نحقق شروطه. كل ما كان يشغل تفكيري: هل ستواصل حياتنا التدهور عن ما وصلنا إليه، أم سينالنا الحظ ونتوقف عند محطة البخاخ المخدر؟!..  

السبت، 16 فبراير 2019

قطعة نرد 

 السبت, 16 فبراير, 2019 - 08:59 مساءً

 نور ناجي 

 ألقت امريكا قطعة النرد خاصتها ليكون القرن العشرين قرناً اسرائيليا بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، بمساراته، تاريخه وأحداثه، سواء تلك التي وقعت بنية سليمة، أو الأخرى المُبيّته بمؤامرة كونية خطط لها جيداً، أو بتزاحم مصادفات مدهش. لكنها، وكما أرادت، ازاحت خرائط العالم ببرود لتفسح مجالا للدولة الوليدة..   

لا يعني وجودك بالضرورة استمرار بقائك في ظل وجود مغامرات على شاكلة محاولة إغراقك في البحر. لذلك كان لازما على امريكا إضافة قرن جديد ألقت على أيامه الأولى قطعة النرد مجدداً، لإعادة صياغة العالم وترسيخ وجود ذلك الكيان بثبات وقوة.  

 ماذا عنا نحن؟ ما دورنا في كل ما يدور في العالم؟!   

نحن في أفضل حال. مازلنا نحتفظ بالنفط، السائل المقدس الّلزج، الذي يمدنا بكينونتا. الاهنا وصنمنا المعبود، هويتنا، وصك بشريتنا، الذي لولاه ما كنا ولا أثبتنا للعالم- مع مرور كل ناقلة نفط- بأننا كائنات حية، وسيتم استمرار الاعتراف الدائم بنا حتى نضوبه، لنعود بعده لسيرة معاركنا الأولى بالقوس والنشاب، والربابة والمزمار- إن افُتي لنا بجواز سماعه بالطبع..   على الرغم من ندرة التساؤلات الحماسية الا أنها مازالت تُطرح: ما مدى قبول المواطن العربي بمثل هذا الكيان؟ أين رفضه وتنديده؟! اناشيده الحماسية؟! ماذا بالنسبة عن المقاطعة الفعالة؟ المظاهرات الحاشدة؟! لينظر إليها الغالبية باستغراب، فلم يعد قلب العربي قادر على تحمل مجهود مثل هذا الطرح، أو يملك الرغبة في اجاباته.  

 كانت أكبر الأخطاء التي وقعت فيها امريكا ومدللتها إسرائيل، مواجهة العرب كقوة وعدو واحد. ورغم الهزائم التي لحقت العرب إلا أن تكلفة الحرب كانت باهضة حين فاقمت من كراهية العالم الحر للكيان الصهيوني، وألهمت العرب- في لحظة فارقة- بمنع تصدير الكنز الشهي المدفون في أرضها، وهو الأمر غير المقبول بتاتاً!!..  

 لذلك تم اعتماد الخطة (ب)، والتي لا تستدعي فتح الجبهات أو إطلاق النيران. لن تكون حدود العرب مع إسرائيل آمنة، حتى وإن عمّقت من حفر الأخاديد حولها. إلّا في حالة مضاعفة وتجزئة الحدود العربية-العربية، لدرجة اقامتها ما بين مواطن وآخر، بعد تمزيق جميع ما كان يربط بينهما. 

  لا ينبغي الظهور العلني لإبعاد أصابع الاتهام. لذلك كان من الأفضل استخدام عدو تقليدي قديم. وتبرعت إيران للقيام بذلك الدور لتقاطع مصالحها ولدغدغة حلم السيطرة القديم. وبحكم معرفتها التاريخية بالمنطقة، كانت الاطول نفساً والأقل في نسبة الخسائر.    

فلسنا أمام حرب مباغتة قصيرة، بل أخرى شاملة، تبدأ بقطع الرؤوس ولا تنتهي بتسوية الاوطان بالتراب. كانت الفتنة الطائفية فعالة وتدميرية على مر الحروب التي استخدمت فيها. وكان لها ذلك وتحولت الأوطان إلى كينونات متناحرة، مارست الإرهاب بينها البين بأسوأ اشكاله. حتى أصبحت إسرائيل كلمة لطيفة وربما مطمح ديمقراطي للمقهورين.   

تحولت إسرائيل من عدو إلى دولة تتمنى أي دولة شرق أوسطية صداقتها. على الرغم من معرفة الجميع بأن الدماء التي سالت في المقام الأول كان لأجل تثبيت وجودها. إلا أن الانهاك والخوف أصاب الجميع، وصار خيار السلم في الحارة والشارع هدف وجودي بالنسبة للدول المنكوبة، وأولوية لتلك التي تخشى سقوطها.   

تقلصت قضية العرب الأولى، ولم يعد تحريرها سوى حوار ساخر، يدار بين خيار تحريرها عن تحرير صنعاء أو بغداد مثلا. لم يعد المواطن اليمني يهتم لما يحدث في رام الله قدر اهتمامه بحجور. يتابع الفلسطيني أخبار غرقى سوريا على شواطئ العالم وهو يشكر الله على سلامة أبنائه. يزمّ الليبي شفتيه حين يحدثه سوداني عن مظاهرات تزمع إسقاط النظام.  

 ما الجديد إذن؟! ربما كانت صياغة السؤال خاطئة، وتصحيحه هو: ما القديم الثابت على الساحة؟!   

من المضحك ان تكون وجوه مسؤولينا وملامحهم هي الثابت الوحيد، رغم معرفة الجميع بزيفها، وانكشاف مقابلاتهم السرية التي لم تعد مزعجة لنا. إلا أنهم مصممون على إثارة اشمئزازنا وهم يرسمون ملامح الامتعاض على ملامحهم لحظة مشاركتهم طاولة الاجتماعات مع مسؤول إسرائيلي "مندهش لتصرفاتهم العلنية"!!  

 مازال القرن في بدايته، وساحة اللعب مفتوحة بخياراتها. هل مازال العربي قادر على انتزاع نفسه من واقعة المزري، أم سيبقى حجر نرد بأوجه صماء لا قدرة لها على التنبوء؟!   

الخميس، 14 فبراير 2019

تراث مغبون ..

افترش سطح داره مهموماً وراح يراقب النجوم بعد فشله في إيجاد ما يسد رمق نسائه وأبنائه، لا أعلم لمَ كان على أبطال قصص التراث استراق السمع على الأحاديث الدائرة عنهم، على الرغم من أن ما يُسمع في الغالب ليس لطيفاً، فما وصل مسامع "علي ولد زايد " شاعر اليمن وحكيمها تلك الليلة لم يكن بعيداً عن ذلك، وهو يدافع باستماتة عن نفسه باستنكار: "أمسيت من فقر ليلة سارق وزاني وحلاف!".  ‏

انتهت القصة بتطليق الرجل لزوجاته، والتي قد يبدو أن فيها عقاب مبالغ اقتضته الحبكة الدرامية المتداولة عبر السنين، فلم يكن تعدد الزواج في زمن ولد زايد رفاهية أو مزاج اختص به دون غيره، بل ضرورة فرضها المجتمع العامل. 

 ‏لم يكن من السهل على الفلاح افتتاح موسم زراعي منفرداً، لذلك كانت الزوجات - أيدي عاملة - لا تكلف سوى القوت والحماية مقابل مساعدته في "بتل" الأرض "وذريها"، ومن ثم القيام بعملية "الفقح"، "والحجن"، حتى يطل شهر آب "ليحوط" زرعه في انتظار ظهور الثمرة، ليتم بعدها قطع "المحاجن" حتى موسم "الصراب"، ولا يستطيع اعتبار نفسه قد أنهى موسمه فعلياً حتى يفصل الحب بما يسمى "بالدويم".  ‏

لا يمنح التراث شيئاً، لا جدوى منه في الغالب من الناحية العملية، لم يوقف حرباً أو يحمي ضحية، وعلى حد علمي لم يتوقف ديكتاتوري عن مزاولة إجرامه حياءً أمام بيت شعري أو حتى قصيدة، إلا أنه وبينما يمنحنا هويتنا كبشر يعطينا فرصة للهروب عبر بوابته لعالم أجمل، فسحة ما بين الوقت والآخر، دون أن يدرك بأن الحاضر أحياناً قد ينسخه للاقتصاص منه.

 ‏على الرغم من قوله : 

 ‏ما يجبر الفقر جابر غير القلم و الدفاتر ‏إلا أن "علي ولد زايد "..

 لم يحظَ بميزة كتابته، وبقي شخصية أسطورية لم تُمنح حق وجودها الحقيقي بين صفحات التاريخ، فقد كان التدوين رفاهية لم يمتلكها الغالبية، كما أن انتفاء وجود شعب قاريء- في ذلك الوقت-، أحيا النقل الشفهي المفيد في حياة الفلاح والذي لن يفيده حال بقاء حكم الرجل وتعليماته على أرفف المكتبات الأنيقة.  ‏


لعل البردوني أخطأ حين وصف الشاعر ولد زايد: "بأنه كل الشعب اليمني، وليست الحكايات التي تنطلق منه سوى بعض يومياته"، فجمع كافة فئات المجتمع في صورة "علي ولد زايد" مجافً للحقيقة، لوجود السلالة الهاشمية المرفهة والتي دَوَّنَت على الدوام "عطساتها" بكل أريحية..

 ‏لم تلطخ تلك الفئة يدها بحبر أو طين؟!، لم تشكُ يوماً من جور جوع بطون نسائها بقدر ما دافعت عن مغامرات العشق التي أتاحتها لها الحياة في القصور والحصون، لتجد نفسها عاشقه تقسم بأيمان مغلظة براءتها من تهمة الغرام الملقاة عليها: ‏حلفت ما احبك فكذبوني وقبل ذا كانوا يصدقوني..  ‏

وجروا المصحف وحلَّفوني  وقصدهم بالنار يحرقوني.. ‏لم يكن ما حمل إلينا من ميراث علي ولد زايد بعيداً عن جغرافية هذه الأرض، لذلك ستجد حروفه قاسية تلهث من التعب وهو يغرس معوله في طينتها الخصبة، وبرغم ولعه الشديد بها إلا أنه هددها وبكل صرامة بالرحيل إن هي ضنت عليه: ‏عز القبيلية بلاده ‏ولو تجرع وباها.. ‏يفر منها بلا ريش ‏ولا اكتسى ريش جاها.. 

 ‏وبالرغم من قصر الأبيات، وصرامتها إلا أنها تشعرك بارتعاشة واجفة للأرض، مقارنة بغنجها وهي تتمايل على وقع أبيات من قبيل: ‏ياكحيل الرنا ماذا الورش من نقش بالذهب خدّك ورشّ.. ‏من جلى بالحلا حسنك ومن علّمك ذا المجانه والشوش.. ‏من رقم خدك الوردي رُقم  لازوردي ومن ذا له نقش.. 

 ‏لن تخرج بعد تجوال قصير بين أبيات "علي ولد زايد إلا وقد اصابك الإرهاق، لن تتركك هواجس الجوع والفقر والمرض دون أن تلاحق جبينك بصفعاتها الموجعة، ستتوه بحملك اليابس من الزاد وانت تبحث ليلاً عن سهيل وبقية نجومه، هل سيتمكن نداء الدم فيك من فك طلاسم مواسم "المزارع علي ولد زايد" الزراعية التي كانت ومازالت المقياس الدقيق للفلاح اليمني: ‏

ما ينفعك ليلة ولا شي نصف السنة تسعة أشهر والنصف الاخر ثلاثة..  
التسع والسبع والخمس تبان فيها العيافه.. 

لا سمن فيها ولا بر  الله يجمل ويستر..

 ‏إلا أنك قد تكتشف وأنت تقلب صفحات شعر الطيرمانات نوعاً مختلفاً من المعاناة، والتي ربما سيكون التغني بها أكثر متعة من جلافة ولد زايد:  ‏
هو يرحمه قلبي لصُغر سنّه
 ما هو شفق في مبسمه وعينه.. 
 ‏وانتم تقولوا اعشقه لحسنه 
وأنّ قدّه غرَّني بغصنهْ..  
حُسنه‏ لنفسه وايش عليَّ منهْ
 ‏كيف اعشقه والهجر صار منهْ.. 

 ‏لم يتخصص " الفيلسوف علي ولد زايد" في الزراعة والفلك ووَصْف أرض اليمن التي بدا أنه تنقل بين جنباتها وحسب، بل امتدت المواضيع التي تطرق إليها لتشمل كافة مناحي الحياة الإجتماعية اليمنية في ذلك الوقت، أفراح الناس وأحزانهم، قيمة الصداقة وأحقية الجيرة، روح الجماعة وأهمية تكافلها، حتى الحرب حذر منها بحزم وهو يشبهها بما لم يسبقه إليها أحد:
 ‏حربي وحرب إبن عمي
 مثل الوجع بالصوابر..
 ‏أو مثل مقرانة السبع  
ما بين بجما وعاصر..

 ‏قد تشعرك نوعية الحياة التي خاضها المعلم ولد زايد بنوع من خيبة الأمل، فلا وقت مستقطع لديه للراحة، ولا فسحة بين مواسمه إلا لشقاء جديد انتهجه، لن تجد منه ما يشفي الغليل كالذي تتذوقه وانت تقرأ قصيدة يكتبها "سيد مسترخي" يأكل من خيرات تصل إليه في طير دون أن يمس تراب الأرض- التي لا تنسى بأي حال من الأحوال تذكير وجوب اتباعك للملة والمذهب المناسبين، كالقصيدة التي نسجها محمد بن عبدالله بن الامام شرف الدين:
 ‏المعنِّي يقول يامن سكن في فؤادي واحتجب في صدوده..
 ‏كم يكونُ الجفا يافاتني والبعادِ لا جزى من يعوده.. 
 ‏إنَّ جسمي نحلْ من جور هذا التمادي يا مطول صدوده .. 
 ‏ان شرط الوفا، في الحب ترك البعادِ للمُعنَّى وسيده.. 
 ‏فالتزم مذهبي واسمح برشفه لصادي من حُميَّا بروده ..

 ‏لعل الجزء الكبير من تراث اليمني قد تم الاستيلاء عليه قبل أن تغادر حروفه حلق صاحبها حين تمت تجزئة المجتمع عبر السلالة لطبقات اجتماعية غرضها امتصاص دماء غيرها، ولم يترك لتلك المغبونة إلا اجترار مظالمها: 
 يا غبنه ثلاثه غبون الغبن
 الاول: من جارت عليه الديون 
الغبن الثاني: من قلت رجاله يهون
 الغبن الثالث: من فارق كحيل العيون..  ‏

لقد تم سلب اليمني حين فرضت عليه حياة قاسية، وكتبت عليه عبر مئات السنين تأجيل الفرحة وإرجاء موعدها حتى موسم الحصاد، تسمح له فيه بقدر محسوب من السعادة، محصور في مجرد استراق نظرة أو لجمع شمل حبيب بحبيبه- إن رافقه الحظ في موسم زراعته- كما قالها الشاعر الكبير مطهر الإرياني في ملحمته بكل صراحة ووضوح:  ‏
ميعادنا وا حبيبي كان لا خير قادم 
 كم قلت ليت الزمن يا خل كله مواسم
 واليوم عيد الجنى بانت له اول 
علايم بشاير اول ثمر في لون ياقوت قاني.. 
 ‏كنت ارسم احلى الصور لموعد اسمى وطر
 يوم القران الأغر  يوم انتصار الأماني.. *

 المقال خاص بالمصدر أونلاين  

الأربعاء، 13 فبراير 2019

نساء في زمن الحرب

 نور ناجي١٤ يوليو ٢٠١٧ "

شاقةٌ هي المهمة.. عندما يولد الإنسان امرأة!" عبارة للشاعرة الأمريكية مايا أنجلو، بمجرد ان قرات العبارة حتى شعرت بثقلها ومشقتها، تمنيت أن أضيف إليها "والأكثر مشقة، أن تعيش امرأة وفي زمن الحرب"..

   الحرب دَين بلا دائن أو مَدِين..  ثمن يتم تحصيله على يد تجارها، لا احد ينجو من الدفع رجل كنت أو امرأة..

 لست من الدعاة للبحث عن حقوق المرأة، مؤمنة تماماً بأن لا وجود لما يسمى حقوق للمرأة في بلد لم يحصل الرجل فيها على أبسط حقوقه. فحين يسلب الجميع حقوقهم تكون المطالبة لحق فئة دون أخرى نوع من العبث..

لكن المرأة تدفع الثمن مضاعفاً، كونها امرأة قدر لها أن تعايش الحرب.. تدفع الثمن حين تودع زوجها أو ابنها للحرب مدعية القوة وهي تعلم بأنهما قد لا يعودا..

لا أحد يعود من الحروب وإن عاد جسده سليماً معافى، تعود الروح مريضة متشظية بحاجة لسنوات طويلة للتعافي، فتأخذ نصيبها من مشقة فقدانه أو مشقة علاجه!

وحين تقف في طريق ذهابه لساحة المعارك، تدخل في معركة قاسية مع نفسها، تخسر فيها حتى وإن انتصرت وهي ترى وطنها يجر للضياع، ما فائدة بقاء الرجل بجوارها وهما بلا وطن؟، وللحروب ضحايا من نوع اخر مختطف، أو مخفي قسرا،ً ومغيب في سجون بلا عنوان، لم أستطع حتى اليوم أن أتخيل كمية معاناة والدة أو زوجة أحدهم أمام السجان، لتطالب بحق رؤيتة سجينها، أو مشاعرها حين تتناقل الاخبار سوء المعاملة التي يلاقونها.

 دفعت المرأة ثمن خروجها ومواجهتها لمجتمع كانت هي حلقته الأضعف لتشارك الرجل ثمن رغيف الخبز قبل الحرب، وتضاعف ذلك الثمن وهي تعود بعد الحرب خالية الوفاض لتشاركه الإحساس بالعجز المرير..

 يتضاعف مجهودها البدني، بعد انقطاع تام للخدمات التي كانت من المسلمات، فتقف نصف نهارها أمام طوابير انابيب الغاز لتتجنب الطهي على مواقد الطين، والنصف المتبقي في معارك طوابير خزانات مياه المساجد كي لا تسطو إحداهن على دورها في التعبئة..

 لم تعد صواريخ الحرب مبعث رعبها وهمها الوحيد، عرفت الكثير من اللواتي يلتمسن نيران صواريخها لتكون نهاية مسلسل شقائهن المستمر، الرعب الحقيقي هو بقائها كمعيل وحيد للأسرة، تتمزق بين جوع أطفالها أو ارسال الذكور للعمل في الشارع كباعة للمناديل أو لمسح نوافذ السيارات، وتتخلص من الإناث سريعاً بزواج يزيح القليل عن كاهلها، وهي تتمزق بين مجهول قد يصيبهم في شارع لا يعرف الرحمة، او معاملة سيئة تتحمل هي إثمها.

 تنزح مع اقتراب نيران الحرب، على كتفيها اطفالها، والأمراض القاتلة تلاحقها بشتات لا يحمل بصيص ضوء لنهايته. لتصبح تحت قماش خيمتها الطبيب والممرض والدواء في غياب شبه كامل للخدمات الطبية والصحية، للوهم أحياناً نتائج فعالة فتلجأ الكثيرات للرقّية كعلاج نفسي لا أكثر.

 تقف بعناد أمام المجتمع الذي زادت امراضه الاجتماعية وفقد المثالية التي كنا نحافظ على بعض قيمها قبل الحرب، مجتمع قد يغفر للرجل كل شيء، ولا يغفر للمرأة كونها امرأة، فريسة سهلة الاصطياد في عينه!!..

وفوق كل ذلك لا تضع رأسها على الوسادة حتى توزع ابتسامات التفاؤل والأمل على صغارها، وقد فرغ رصيدها منه منذ زمن.

 لا أشقى من أن يولد الإنسان امرأة، وفي زمن الحرب..   

السبت، 9 فبراير 2019

ذكرى ثورة فبراير مجددا  
السبت, 09 فبراير, 2019 - 10:09 مساءً 
نور ناجي 

  أتذكر ذلك النهار وكأنه حدث البارحة؛ وقفت "نعمة" أمامي بقامتها القصيرة المنحنية وجسدها الهزيل قبل أن تمرر يدها على ظهر كفي: "وما فعل لنا عفاش يا بنتي؟! امسكي يدي وشوفي فضله عليّ" !!. لم أتخيل أن ألمس كف بمثل تلك الخشونة، وتحوي ذلك القدر الهائل من الشقوق..!!   

كانت تلك "نعمة" العاملة في المدرسة الحكومية منذ عشرون عاما، والتي علّقت حلم توظيفها على صدرها عام بعد آخر، حتى اكتشفت أن سنوات عمرها تجاوزت الحد المسموح للحصول على "وظيفة عامل"، فاضطرت لاختلاس بعض وقت من "دوامها الرسمي"، الذي لم تتلقى عليه سوى الوعود، لتتأكد من سلامة أوراقها في الخدمة المدنية، بعد أن استبدلت حروف "نعمة " غير المحظوظ، باسم ابنتها.   

وتمر الأيام، ليصحو حلم "نعمة" مرة أخرى، وقد ضمت لملف أوراقها حلما، اعتقدت أنه على وشك التحقق حالما تتم ولادة ثورة حالمة، بشّرَ بها فبراير. لا أعلم أين "نعمة" اليوم؟ ولماذا انبعثت ذكراها، بعد سنوات ضاعفت من أعمارنا، وضيقت مساحات ذاكرتنا؟!..  

 إنه فبراير، لا شيء يعيد لي "نعمة" سواه. بعد أن خاطهما خيالي وجمعهما برباط شديد الوثاق. فبراير شهر الصراع السنوي المتكرر؛ الشبح ذو الشجون، ونزاع اطرافه المدافعين عنه والكارهين؛ من يُلقي عليه تبعات الفشل، ومن يُمجد لنجاح لم ينله غير بضعة أفراد؛ ولم يُترك للزمن أخذ دورته الطبيعية، ليلقي عليه حكمه دون مجاملة أو محاباة، فهو الوحيد من له حق انصافه أو ادانته.. 

  لم تتوقف سخرية البعض من ثورة فبراير، التي لن يختلف اثنان على نسخ أهدافها؛ مظاهراتها؛ أو حتى بعض هتافاتها عن ثورات سبقتها بأيام، متجاهلين الحالة السياسية الراكدة والمحبطة لليمني الذي وجد في تجارب غيره ثغرة؛ فسحة من ضوء قد تفيد في حلحلة وضعه البائس، دون ان يتنبه الساخرون إلى أن التجارب الإنسانية، وعلى الدوام، كانت مجال للتدوير والتصدير منذ بدء تدوين التاريخ البشري؛ "قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَ?ذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ"..  

 كانت ساحات فبراير واسعة. واسعة جدا لتحمل بين جنباتها "المزيف" الذي كان ينتظر فرصة لابتلاع مساحة أكبر مما تصوره الشهر الغرّ؛ واستقبلت "الانتهازي" الذي شمر عن ذراعيه وشحذ حنجرته بخطب رنانة ألهبت حماس الثوار ومطامعه التي تُمنيه بمقعد حكومي ذو سلطة..!!   

كما كانت ثورة فبراير مركب النجاة لمن شعر بأن سفينة الرئيس السابق على وشك الغرق. لن يجد ذلك "الانتهازي" أفضل من ارتداء شخصية ثائر لصعود مركبا جديدا يعطيه مكانا بارزا، خاصة مع حاجة الثوار- الساذجة- لسياسي شرب حتى ارتوى في دهاليز الدولة القديمة ومكائدها..  

 ماذا عن الغالبية العظمى التي احتوتها الساحة؟!  

 كان إطلاق صفة "الثورة الشبابية" جائرا على فبراير. فقد كانت ساحاتها تمتلئ عن بكرة أبيها بكافة الأعمار والأحلام. ستجد فيها الفتى المراهق، وتقابل الكهل وهو يصدح بأمنيات لن يتذوق ثمارها، في الغالب، وقد اكتفى بالإيمان بنصيبه الذي سيناله ابناؤه وأحفاده.   

فتحت الساحة أبوابها للجميع، بغض النظر عمن غادرها بعد ذلك؛ سواء امتلاء بمكاسبه الشخصية، أم الآخر المنهك الذي تمنى لو أنها تأخرت حتى يحمل غيره ثقلها على كاهله؛ أم ذلك المكسور الذي جبر خاطره بقوله تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ"..  

 لكن ماذا بشأن من تمسك بالبقاء خارجها؟!..   

ربما كانت معضلة فبراير أنها لم تتخطى الساحات بالقدر الكافي. مرت على أحلام "نعمة" سريعاً، مربتة على يديها المشققة قبل أن تعود لملجئها بين جدران الساحات، وقد فتر حماسها عن شحذ همة "السلبي" الذي يراقبها من نافذة القنوات الإعلامية طيلة يومه، وهو يرى أن الدعاء والابتهال أقصى ما يستطيع تقديمه للثورة من تضحيات..   

لم تستطع الساحات استدعاء الفئة الرافضة لها بعد تعبئتها المشحونة، واشاحت بوجهها عن الفئة غير المبالية التي مارست حياتها في انتظار التغيير السهل الذي لن يكلفها شيء. ولعلها محقة في ذلك، فأي عاقل لن يدفع ثمن شيء لم يطالب به من الأساس، لتمسي فبراير- مع مرور الوقت- شماعة تُعلق عليها كافة الشرور والآثام، دون أن تخفي الثورة عجبها لمن تقّبَل فساد دولته ثلاثون عاما أو صمت عنها، ويطالبها في ذات الوقت، وهو يلقي عليها تهم التخوين والعمالة، بمفاتيح الجنة..  

 أخطأت فبراير حين لم تسلط الضوء على سبتمبر، بالقدر الكافي. فابتعاد المسافة الزمنية بينهما، جعلها نوعاً ما في غفلة عنه، وسلب منها معرفة الدروس الأولى التي كان ينبغي أن تعطيها لنفسها. لا يعفيها ذلك، كما لا يعفي من كانوا أكثر دراية بالتاريخ والشأن اليمني، والذين لم يجاهدوا لإيصال أصواتهم إلى الساحة.

   إلا أن ثورة فبراير، "بسمعها الثقيل"، لم  تدّعي أنها البديل المناسب أو الجمهورية الجديدة. ولم يكن حلمها بدولة مدنية كفرا بسبتمبر، يستوجب كل ما نالته من عقاب. بقدر ما كانت محاولة منها لتجديد الحركة الراكدة في المياه التي أمست آسنة بأمراض متوارثة عبر عشرات السنين..  

 هل يحق لنا محاسبة فبراير، ومحاكمتها، لعجزها عن تحقيق أهدافها، على الرغم من أنها فعل بشري غير منزه عن الخطأ، خاصة وقد صدها ما لم تقوى على حماية نفسها منه: مطامع الأحزاب وحسابات منفعتها؛ الدولة العميقة بتشبثها برجالها؛ مخاوف دول الجوار واتهامها لفبراير بتبعية خارجية لا تنوي خيرا بالمنطقة؛ بالإضافة إلى مخابرات العالم التي سعت لتغيير ديمقراطي مناسب لضرورات خنوع ما قد تنتج عنه الثورة في صناديق اقتراعها...؟!   

نخطئ، حين نُغفل رغبة الانتقام التي استولت على بعض ثوار فبراير، وجعلتهم يبحثون عن مكان لصب ميراث غضبهم وأحقادهم، والذي لم يجدوا له أفضل من رجال الدولة القديمة، بلا استثناء، غافلين عن الكراهية المجتمعية التي ستنتج تجاه مناقضتهم للمبادئ التي لقنتهم إياها ثورتهم ونادت بها..!!  

 لا أحد ينكر أن خطيئة فبراير الكارثية تمثلت بركوب الحوثي عليها، والسماح له باحتلال جزء من الساحات وبصوت صادح، وكأنها منحته مغفرة "لم يستحقها" عن ستة حروب وقف فيها ضد الدول اليمنية. ومثل الحوثي، تخَفّى الكثير من أعداء فبراير بين ظهرانيها، حتى غدت حصان طروادة عاجز، يقاد إلى طريق لم يتوقع في أسواء كوابيسه أن يسير عليه يوماً..!!  

 هل كان مجيء الحوثي نتيجة فبراير، أم كانت الساتر الذي سرع وعجل من ظهوره- الذي لم يكن خفيا على أي حال؟! 

  قد تكون تلك هي المعضلة التي يقف أمامها ثائر فبراير السابق عاجزاً حائراً، وقد وقع بين أمرين أحلاهما مر: هل سيكون الدفاع العنيد عن ثورته، وتجاهل سلسلة الأخطاء التي جُرّت إليها، هو ما سيزيح عنه تهمها المؤرقة؟! أم أن التبرؤ منها، وصب لعناته عليها وعلى خطايا صُنّاع القرار ومالكي زمام الدولة في عهد النظام السابق وما تلاه، هو ما سيريح ضميره؟! 

  ثم؛ أليس تسريع اسقاط الأقنعة، الذي أدى- بالتالي- إلى تعجيل الحرب، افضل من استمرار ارتدائها، وترحيل دفع مستحقاتها لجيل قادم؟!.. 

  ربما علينا، في المقام الأول، طرح سؤال مهم لن يعفي فبراير من الاعتراف بذنوبها، ولن يغير من الواقع الحالي شيئاً، لكنه سيكون أهم ما وصل إليه اليمني بعد معاناة مريرة، سواء كان من أبناء فبراير أم من بقية فصول السنة: هل أنهى ثوار سبتمبر خطر الإمامة، فعليا، لحظة وقفهم إطلاق النار واسكات أصوات معاركهم؟    

ألم يتغاضوا عن توغل رجال الإمامة، مجددا، في مفاصل الدولة؟ الأمر الذي اتضح، في وقتنا الحالي، أنه كان استعدادا لعودة جديدة !!..  

 لعل تهمة نسخ فبراير نفسها، من ثورات موازية، ليس دقيقا، بقدر ما نسخت الأخيرة أهداف ثورة سبتمبر، التي سبقتها بخمسين عاما، وورثت نتائجها بكل اتقان..!! 

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...