الإنتظار حتى!..
كنت على الدوام أعطي لقلبي مساحة من الثقة عن عقلي، فمع الأسف أمتلك عقل نزق عصبي المزاج، ينقصه التروي، ما أن يُستفز بتأويل خاطىء"حتى" يدق طبول الحرب على كل ما يصادفه!..
"حتى!"، هل عدت حقاً لاستخدام هذا اللفظ بعد العهود التي قطعتها على نفسي، وجمعي حروفه والقائها قعر درج بائس مظلم تستحقه، " حتى" لا أضعف أمامها، "وحتى" أفهم ما الذي يريده مني اللفظ بكل دقة!!..
لا أعلم أين ومتى سمعت عبارة تصف "حتى" "بمحتحتة" قلوب علماء اللغة، لا أجد في الوصف جور مبالغ، فقد اعتبرت _ولفترة طويلة_ أن إكتمال معرفتي بلفظ " حتى" سيزيل عني الكثير من الالتباس، تمييز أن كان اسم، فعل أو مجرد لعنة وضعت في قواميس اللغة العربية..
للأسف مازال كتاب قواعد اللغة العربية كامن في ركن مكتبتي بذرات غباره التي اتجاهل إزالتها متعمدة"حتى" أجد الوقت المناسب لحلحلة عقدتي من لفظ "حتى" كما وعدت، إلا أني مازلت تلك المرأة التي تخلف مواعيدها مع نفسها بكل جدارة، ومن الصعب تغيير عاداتي أن لم يحرجني مبرر قوي..
إلا أن تكاسلي لم يكن ليمنع مشاعر مقتي "لحتى" أو يخفف من وطأته، مازلت مستمرة في كراهيته لدرجة جعلته مقارب لحساسيتي المفرطة للفظ آخر وهو " الإنتظار"، ويعلم الله كم أبغضه!.
لفظان كئيبان، لن أجد أكثر كآبة منهما في لغات العالم سوى ترجمتهما، بلا شك!!..
لعل إحتلال اللفظين نفس المساحة في قلبي ناتج عن جذور علة واحده، فكلاهما يرى في نفسه سيد الوقت، الآلهة المتوجة على رأس الساعات ولا خلاص للبشر دون أي منهما..
بدراسة بسيطة سنجد أن " حتى " ليست سوى حبل غليظ لف الأيام في طرفه وعلقه على شفا حرف جرف هار، مازال يطيل نفسه حتى تكاد اسيرته تهوي من علوه، قبل ان يتوقف فجأة عن الحركة ليذرها معلقة جزعة.
لا يختلف بذلك عن "الإنتظار"، الكائن اللزج كثير الثرثرة، والذي نراه دائماً في محطات حياتنا ومنعطفاتها، ما أن يقبض عليك بعصاه المعقوفة حتى يحبسك جواره، وأن لم تجد لنفسك حيلة للهروب، سترى أيامك تسابق نفسها في حلقات مفرغة، لن تفضي لمقعد فارغ أو موضع في عربات الحقائب المسافرة..
أكثر ما قد يشعرك بالغيظ ويثير فيك الحنق، البهجة المتبادلة بين كلا اللفظين لحظة التقائهما، احتفالهما المقام للتلاعب باقدارك المجهولة وأنت بينهما طفل ساذج تجهل ما يجري، هل تشاركهما الإحتفال "حتى تنتظر" اللحظة المناسبة للفرار من شباكهما؟!، أم أن عليك التحلي بالقليل فقط من "الإنتظار، حتى" تسفر فوضاهما عن نتيجة ترضيك؟!..
نور ناجي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق