خلاف جوهري
توقفت عن التهام تلك الذراع حين التقطت عيناي مقال عن نوبل، مخترع الديناميت والأب الروحي لجائزة نوبل، الذي اشتعل ضميره فجأة قبل وفاته وقام بالمصادقة على تلك الجائزة السنوية في وصيته التي وثّقها في 27 نوفمبر 1895م..
لم أجد من هو أكثر وحشية من " البشري المتحضر"، حتى الكائنات الأسطورية التي احتلت الكوكب في عصر وزمن سحري لم تصل لما وصل إليه من وقاحة، يستطيع القيام بأكبر المذابح سواء كانت في حق الكائنات الأخرى أو في حق بني جنسه بمنتهى البساطة، لا شيء يقف بينه وبين قشعريرة اللذة التي تلبسه وهو يخطف الروح من غيره ليقوم بإعادتها للسماء، وكأنه مجرد طفل يلهو ببالونات ملونه يهديها للريح ويتابع رحلتها بفرح حتى تغيب عنه.
لا شيء يفوق وقاحته !!..
نزعت الاصبع المعلق بين شفتي لامسح عن فمي آثار وجبتي، وأنا أفكر في الحال الذي وصلنا اليه، أتقبل تماما كأنسان يحمل موروثات خفية من تاريخ بشري بدايته مليئة بمثل الوجبة التي تُُهضم في معدتي، أن يكون الجوع هو المحرك الرئيسي لعملية قتل بسيطة لا تؤذي أحد، أبجدية من إنسانيتك الأولى لا خلاف عليها..
قد لا يكون الجوع فقط من يفتح شهيتك لرائحة اللحم البشري، حبك لاحدهم يجعل من عملية بلعه الطريقة الفضلى للتخفيف من حدة الشوق الذي يعتريك تجاهه، ففي الحب غموض لم يستطع أكثر الشعراء رومانسية فك أسراره، الا يتركنا حين يمسنا أشباه مجانين؟!، أعرف أم ابتلعت خمسة من أبنائها، في اللحظة التي نطقوا بها كلمة " ماما"، لا أتنازل عن صداقتها ولو " بدبة بنزين " فهي من أرق واروع صديقاتي، مجرد تذكرها يعيد لي شهيتي لأكمل قرمشتي للاصبع المتبقي بكل تلذذ..
لا تدعي الاغماء يا عزيزتي، اراكِ من مكمني المنعزل وقد الجمتك الصدمة مما اقوله، هناك خلاف جوهري بيني وبين الفريد نوبل" مصّنع البارود، فأنا على الأقل لا أجّمل وجبتي للغداء بحفلة أنيقة أدعو اليها علية القوم للتخفيف من حمل ضميري، أختلف عنه بتقديري لكل لحظة عاشها الإنسان الذي التهمته قبل قليل، لم التهمه وأنا أعزف موسيقى صاخبة، بل ودعته بذلك الحزن اللذيذ، الشهي، الذي نحتاجه كبشر بين الحين والآخر، وسأقيم على روحه الصلوات، وقد أولف أبيات شعر مخصصة بإسمه أن زارني يوماً هاجس الشعر، سأكون وفيه له بحيث أني لن انسى طعمه مدى حياتي..
على عكس صانعي الأسلحة الذين يقومون وهم بكامل قواهم العقلية بالتفنن في صناعة النيران التي تحصد الآلاف بل الملايين من الأرواح بضربة واحدة، يتخلصون من الحياة بأسرع الطرق دون أن يلقوا بال لجودة اللحم أو لرائحة الدم المسكوبة على قارعة المعارك، لتتعفن بكل غباء وجهل..
عملية نزع للحياة بلا هدف سوى لزرع الخوف لبقية الاحياء، لفرض الرأي الخاطىء بكل تأكيد، لن اقتل إنسان لمجرد إثبات وجهة نظر صحيحة لا شائبة فيها..
ستنتهي السلالة البشرية يوماً ما بسبب وجهات النظر المختلفة، بسبب من هم على شاكلة نوبل وغيره، ولن تجدون منها شكوى ضدي أو ضد وجبات الشواء التي أقيمها بين الحين والآخر..
الإنسانة : نور ناجي..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق