أنا وصنعاء في المحطة..
كم أكره الإنتظار!!..
كنت ومازلت اكرهه ولا أطيق دقائقه وساعاته التي قد تمتد لتصبح سنوات، لتكتشف فجأة أن العمر قد ينقضي وأنت قابع في محطاته لا تحمل سوى حقيبة مليئة بالساعات المتوقفة عن العمل !!..
ربما في وقت سابق تجبر عليه، وكان طريقة فضلى لإلقاء تبعات الفشل والضعف عن مواجهتك للواقع، لكن وانت تدرك ذلك تفقد حيلتك المخادعة لتستمر في الجلوس..
ما أن حاولت القيام من مقعدي حتى تفاجأت بها تمسك طرف ذراعي لأبقى، " صنعاء " التي رافقتني مؤخرا واقتسمت معي مقعد الجلوس ومحطته، صنعاء مدينة الإنتظار الطويل..
التفت إليها لاجد الشحوب والاصفرار يلوكان وجهها، كنت دائما أعشق هذه المدينة رغم أنها لم تكن مسقط رأسي، لكنها ساحرة لدرجة تجعلك تحاول تغيير محل ميلادك لتشعر أن حجرها هو الذي استقبل صرختك الأولى!!..
عدت لمقعدي دون أن اهتف لها كعادتي :" اعطيني البعض منك، ولو القليل من بهائك !!"، فلم تعد صنعاء تلك المتكبرة كالجحيم، الرائعة كطعم الحب، بدت حزينة تفيض منها رائحة القتل، وقد صبغ الغبار ودخان فوهات السلاح قمم اشجارها..
تنبهت لحظتها للضجيج الذي يصدر عن مذياع صغير تخفيه بين طيات ثيابها، أشرت إليه متسائلة فاجابتني أنها تبحث عن الأخبار فيه!!..
برغم سنوات الحرب العجاف لازالت المدينة تملك سذاجتي القديمة حين كنت أرفع جفّني بصنارات حادة كي لا يغلبني النوم وأفوت على نفسي هتافات النصر الحية حين تقبل مدوية، " لم يهلككِ ايتها الغرة الساذجة ويهلك اليمن سوى تلك الأخبار !!..
وضعت يدي على كتفها مربتة، قد تكون الحقيقة قاسية لكن لابد منها :" توقفي عن انتظار أحد، أو سماع بُشرى من خلال مذياع أو شاشة تلفزيون أو وسائل تواصل إجتماعي مهماً كانت مصداقيتها، جميعهم يا عزيزتي مشاركون في صنع جحيمنا !!..
كما أنك لن تجدي الجديد، أعداء الأمس أصبحوا حلفاء جدد، واصدقائك وحلفائك السابقون يتآمرون عليكِ بليل، دوامة يتبادل أبطالها أدوار الخير والشر بكل تناغم وانسجام، وقد انقلب الجميع على نفسه ليمشي على رأسه، لا خيار أمامك سوى الانتحار أو مشيك أنت الاخرى مقلوبة على عقبيك حتى يأتي الخلاص بعد ان تتخم بطون قادة الحرب !!!..
اتخذنا قرارنا "أنا وصنعاء" سريعاً وتركنا المقعد بعد أن استبدلنا احذيتنا بأخرى ذات كعب عالي، لا شيء يضاهي طقطقة الكعب العالي لهزيمة الشارع المزدحم بالكآبة ..
انتظرنا دورنا عند مصففة الشعر التي نظرت لي شزرا وأنا أخبرها بطلبي، لم أكن أدرك معنى لفظ " شزرا " حتى لمحته في عينيها، غمزت لصنعاء عبر المرآة وهي تطلي اظافرها بألوان زاهية وخصلات شعري تقص لاصبح قريبة الشكل لجنود المارينز ..
وعدنا سريعا لمحطتنا !!..
لا ينبغي لجو الإنتظار أن يكون كئيباً، قليل من التجمل لن يضر أحد، أسندت ظهري للمقعد وأنا أضع ساق على آخرى، بينما اخرجت رفيقتي مذياعها لتبحث عن أغنية عاشقة، وهي تحدق بين لحظة وأخرى لإصابعها الجميلة كطفلة مندهشة !!...
نور ناجي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق