الجمعة، 8 يونيو 2018

ميراث ...

لم أرث من والدي الكثير، لم يترك لي قصور أو أرصدة مكتظة في البنوك، ولا أتذكر أنه أوصى لي بخريطة تحمل كنز قراصنة، كل ما أرجوه من عمي أن يترك بقية الأراضي التي لم يبتلعها حتى الآن، من أجل المظهر الاجتماعي لا غير!! ..

اعتقدت حتى فترة وجيزة بأن ميراث والدي عبارة عن إستمرار خوفي من إيقاظه في ساعة قيلولة العصر او إكتشافه لورقة امتحان مادة الجغرافيا التي كنت ولا زلت امقتها، اليست معضلة الجميع؟! ..

أشعر أني اضعت الكثير من وقتي لمعرفة موقع حشائش السافانا ؟! ، لا أعرف حتى اليوم موقعها أو الطقس المحيط بها، ولاتزال الكرة الأرضية تسير على نفس وتيرتها رغم ذلك، دون أن يضيرها جهلي أو يشعر كبريائها بالنقص تجاهي !!..

ان لم تكن من المستفيدين في الحرب فانت لم تعد تمتلك سوى بعض الذكريات القديمة تنفضها عنك ليال كثيره وأنت تشعر أن لا قيمة فعلية لها، ما الجدوى منها في هذا الزمن، مثلها مثل أحلام اليقظة؟!، مهدئات لم نعد بحاجة إليها بعد سنوات من التعود..

لكن تلك الذكريات تحمل من العناد ما يجعلها تعاود محاولة زيارتي بين الحين والآخر، تجلس الليلة جواري بتهذيب مريب، جعلني أرفع لها أصبع مهددا، وشرط لا تراجع عنه بأن سهرها معي لن يمسي عادة..

برغم الاجواء الحارة لفتني بلحافها لتعيدني لماضي مكتظ بشقاوة طفولة جاهلة لم تتوقع في أسواء كوابيسها أن الحياة تنتظرها بسكين جزار  حادة ..
أطوق والدي مع اخوتي نستمع لحكاياته عن القرية، كان العيد الكبير حاضراً دائما بأيامه العشرة التي لا تقبل بالتنازل أبداً عن كونها عشرا..

نهاره الأول الذي لم استطع استيعابه حتى الآن وقصة المتجولان بين القرى بزي فكاهي أحدهما تنكر متقن لامرأة، ليقوما بمقاطع تمثيلية فكاهية!!..
أتذكر " المعجب والجارية " كما كان يدعوهما، وأهل القرية يحيطان حلقتهما بضحكات سعيدة!!..

الأعراس الفوضوية التي لا يكف فيها الشباب عن الشتائم والرقص والمغامرات المضحكة، السهرات حول الموقد واكواز الذرة الساخنة المغرية، طنين خلايا النحل المخيف، السيل الممتلىء بالصبية وتقافزهم فيه، كان والدي يجيد السرد لدرجة أنه جعل القرية تسكنني وتحيا بداخلي، أكاد أشعر بطعم الخبز الساخن يحرق طرف لساني..

لا تبقى أحاديثه محصورة في القرية بل تمتد للحظة التي قرر فيها الغربة، يتنهد بحسرة وهو يحكي عن الأرض المرتهنة لمجموعة من الظّلام، والسنوات الطويلة التي قضاها مهاجر بلا هوية، حتى قرر العودة بعد جلوس الحمدي على كرسي حكم اليمن، تزوج من والدتي التي تصغره كثيرا وعاد لغربته بعد وفاة الحمدي الذي لم يُرد ولم يُقدر له أن يبق طويلا ..

تأخذني الذكريات كثيراً، لذلك لا اقبل بزياراتها الطويلة، يكفي أن أتذكر منها البريق اللامع في عينيه ولهفته لمسابقة الزمن واكتشاف الغد، بقي متشبثاً بالأمل منصرفاً عن احباطاتنا حتى آخر لحظات حياته، بالرغم من كآبتنا ونحن نذكره بالواقع الحقيقي لما آلت إليه الايام لكنه دائما يجيبنا بحزم :" لا يصح الا الصحيح !!" ..

لا أحب الذكريات، ولا ادعائها الساذج بالبراءة، لكني أكثر الناس الذين  اعرفهم تكرارا للخطأ وفي الوقوع به، لا اجني منها سوى سهر حزين وكف ممدودة للفراغ!، تؤنبي  نفسي على تساهلي معها فقد انتهى كل شيء!، ربما للمرة الأولى أبرىء الحرب فيها فليست الجانية هذه المرة، نحن من فعلها!..

وما الذي يمكننا أن نورثه لأبنائنا ونحن عاجزون عن مجرد الثبات في اماكننا منعا من التلاشي؟!، لم نكن أوفياء للذكرى ولم نصنها لنسحق الماضي، لم نحفظ الحاضر فخاننا وتركنا لمستقبل موحل لا نعلم أن كنا سنستطيع الخروج منه في يوم ما  ..

 نور

هناك تعليقان (2):

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...