السبت، 23 مايو 2020

نساء من القرآن (5).."أهل البيت"


نور ناجي

 
قال تعالى: "يٰٓأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوٰجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"..
 
نزلت الآية السابقة بعد قيام زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام "بحيلة صغيرة"، لم أجد كامرأة ضيراً من استخدامها في سبيل التخفيف من زيارات الرسول لعروسه الجديد السيدة "ماريا القبطية". ربما أضفت إليها بعض التعديلات والرتوش، قبل أن أتوقف للحظة وأشعر بالانزعاج!..
 
لا يجدر بنا الاصغاء للنساء خلال نوبات غيرتهن. أقولها بكل صدق. فغالباً ما تفقد المرأة خلالها مَلَكَة المنطق السليم، وغالباً ما كانت السبب الرئيسي لعدم تعاطف نساء النبي مع السيدة "ماريا". هل كان جمالها، الذي عرفت به، سبباً لوضعها في "مرمى النيران"؟ أم أن البعض لم يجدها مكافئة بالقدر المناسب كونها "جارية سابقة"؟!..
 
لا تحمل النفس البشرية ذلك النقاء، مازلنا نحمل شوائبها وإن تحت سقف منزل نبوي، ألم يرد الله- في موضع آخر- أن يذهب الرجس عن أهل بيت رسوله؟!..
 
لعل معجزة الرسول عليه الصلاة والسلام الحقيقية هي عدم امتلاكه "معجزة حسية" خاصة به. لم يؤمن له أتباعه بسبب عصى سحرية ولم يُسخر الجن لإقامة مملكته،...، مازال رسولنا الكريم يحمل لمسة إنسانية تضج بمفارقاتها العديدة: هواجس وطموح، شك ويقين، وضعف بشري يقابله صرامة وقوة حين يستدعي الأمر. وعلى ما يبدو أن الرسول لم يجد ضرورة لاستخدام الشدة في معاملته لأهل بيته، حتى تخللت حياته بالممحاكات النسائية!..
 
لم يكن تحريم الرسول العسل على نفسه هي الحادثة الوحيدة. فها هي إحدى زوجاته تسرب لأخرى بعض أسراره! هل حدث ذلك من باب الصدفة أم أن وشوشة الزوجتان كان لإعداد مخطط جديد؟ قال تعالى: "وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلٰى بَعْضِ أَزْوٰجِهِۦ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ"..
 
لم تدرك أم المؤمنين فداحة ما قامت به، حتى تسأل زوجها (الرسول) عن مصدر معلوماته؟! وربما قامت باستشارة رفيقتها عن تكتيك أفضل للتعامل مع هذا المستجد. لم يكن لاستمرار زوجتا النبي تقليل من شأنه- عليه الصلاة والسلام- كل ما في الأمر أنه يحمل قلب لين، يشفق على من حوله، حتى إن علم بما يخططان له. مازالت زوجتا الرسول تتهامسان قبل أن يأتيهم الرد الإلهي: "إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلٰىهُ وَجِبْرِيلُ وَصٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ"!!..
 
أي حشد؟! أعتقد بأن الرسول كان أول من تفاجأ بالدعم الذي أعده له الله مقابل تعنت زوجاته اللائي أخذنّ ينظرنّ إلى بعضهن البعض بحيرة وجزع: "لم تحض معركة بدر بكل هذا الدعم؟! هل تخطينا الحدود بسبب معركة وهمية؟! لا يتخطى الأمر غيرة نسائية مجردة، وأي إمرأة تلك التي لا تغار؟!"..
 
ليت الأمر توقف عند ذلك، فمازالت الآيات تتابع تأنيبها بلهجة قاسية: "عَسٰى رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمٰتٍ مُّؤْمِنٰتٍ قٰنِتٰتٍ تٰٓئِبٰتٍ عٰبِدٰتٍ سٰٓئِحٰتٍ ثَيِّبٰتٍ وَأَبْكَارًا"..
 
أكاد أشعر باللطمة التي أصبنّ بها. ليس من السهل تذكير إمرأة بسهولة تبديلها، فكيف إن كانت "زوجة رسول" تدرك المكانة التي نالتها بشرف الاقتران به، كما تدرك بأن السماء لا ترسل "ازواجاً انبياء" كل يوم؟!..
 
طالما تساهلنا في تجاوزات الأقرب والأكثر محبة، واستسصغرنا أذاها، سواء نالت منا أو أصابت غيرنا، متجاهلين بأن ذلك التساهل يجعلنا مشاركين فاعلين في الظلم :"يٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوٓا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ !"..
 
يبدو أن السور القرانية أخذت تسميتها من "السور"، أو" الطوق"، الذي يحدد هدف كل سورة!!..
 
ابتدأت سورة التحريم بتأنيب الرسول وزوجاته، وانتهت بمقارنة صريحة بين أربع شخصيات نسائية مذكورة في القران، نصفهن تقيد بالإيمان، رغم قيود البيئة الثقيلة التي أحاطت بهن، ونصف آخر آثر الانهزام أمام ضعف. لم تكن الغيرة بأي حال من الأحوال مسبباً له!..
 
لم تكن الآيات تجرم غيرة النساء أو تسعى لتجريدهن منها. مازالت- وغيرها من الطباع البشرية- مغروسة فينا حتى تتجاوز حدودها ويشوبها الاعوجاج..
 
من حسن حظنا كمسلمين، أن القرآن لم يترك تلك الحادثة لأمزجة قلوب أصحابها، والا كنا فقدنا مذاق العسل مبكراً. فلم يكن إرضاء النبي لازواجه ليقتصر عليه، طالما سنت تشريعات وقوانين من خلال أفعاله.

السبت، 16 مايو 2020

نساء من القرآن (4).."زوجة لوط"


نور ناجي

 لم تختلف ساحة القرية عن قرى أخرى، إلا من جلافة عابريها، ومن القلق الذي ينتابها للوجوه غير المألوفة، لذلك كان من الطبيعي، ذلك النهار، أن يحاط غرباء بالريبة، خاصة مع تجاهلهم منازل عِلِيّة القوم، وأتجاههم مباشرة نحو باب متهالك لم يطرق منذ زمن!..
 
"غرباء في منتهى الجمال، في منزل نبي الله لوط!"..!! كان ذلك هو الخبر السار في قرية كانت ترتكب الفواحش ويشتهر قومها بـ"إتيان الرجال شهوة دون النساء"..!!
 
لم يكن الفتية، الذين أخذوا ينشرون الخبر في أرجاء القرية، هو المستهجن الوحيد. فقد بدى الاستنكار على ملامح المرأة التي استقبلتهم على الباب: "من هؤلاء، وما الذي يبغون من لوط؟! هل يعقل أن الهراء الذي مازال يردده وصل اليهم؟!"..
 
أطلق القرآن على قوم لوط أقسى عبارات الوصف، فهم: المجرمون؛ والذين يأتون بفاحشة لم يسبقها إليهم أحد من قبل؛ مسرفون، ظالمون، مستكبرون..!! فقد كانت "قرية لوط"، القرية العادية التي فعلت الخبائث، وقطعت السبيل، وأتت المنكر في كل نادٍ ومستقر لها..!! حتى أن المرء يتسائل عن منكر عافته- قد يكون شفيعاً لها- فلا يجد..!!
 
 رغم ذلك، حاول سيدنا إبراهيم عليه السلام، الجدال فيهم، وتأجيل عذابهم لعلهم يهتدون. فقد عادت قرى عديدة لرشدها بعد منحها فرص جديدة، لكن الله سبحانه وتعالى كان حازماً في قراره أمام تلك القرية..
 
مهما اختلفت المشارب والآراء، مازال الظلم يحمل تعريفات متشابهة، إلا من اختلافات نسبية تعتمد على البيئة أو الثقافة، حتى قلبت قرية لوط تلك التعريفات رأساً على عقب بإنشاءها تعريفاً خاصاً بها. تجد ذلك واضحاً من خلال حكمها الجائر على نبيها: "قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ"- سورة الشعراء
 
فرق هائل بين أن تكون فاسداً، تحاول أن تخفي فسادك على المجتمع، وبين أن تكون مجاهرا بفسادك على الملأ، بل وتقضي جُلّ عمرك لتطبيع هذا الفساد مع من حولك، محارباً الاستقامة بذات الوقت: "فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آل لُوط مِنْ قَرْيَتكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ"- سورة النمل
 
 
على ما يبدو، أن "قرية لوط" كانت الأولى في شرعنة الظلم، والأنحراف، وفرضهما كقانون!!..
 
لم تسعى قرية لوط إلى "عولمة" قانونها بملاحقة زوار نبيها، إلا أنها اضطرت إلى ذلك أمام الغرباء! فليس من الجيد أن يسمح نظام فاسد باظهار ضعفه عبر "تطّهُر" أحد أفراده!! ويمكننا القول بأن الهدنة التي مُنحت للوط، لم تكن موجهة للغرباء، بقدر ما كانت آخر الفرص المتاحة لتخليه عن مبادئه!..
 
لنا أن نتفهم الأسباب التي دعت قوم لوط إلى استخدام التهديد والوعيد؛ غير أن انحياز "إمرأة" لوط التام لتلك القوانين كان هو المستغرب!! فلم تكن هذه "المرأة" (كما وصفها القران بهذا الوصف دون أن يذكر لها أسم حتى) بالشابة الطموحة لتستفيد عملياً من مفاسد قومها أو تطمح لبعضها. وبالتالي كان يفترض بعجوز- أقرب لآخرة يدعو إليها زوجها- أن تراهن على إيمان مريح..، فلماذا اختارت مساندة قريتها عن الوقوف في صف زوجها؟!..
 
للفساد نكهة خاصة؛ متعة تجذب الكثير. مازال الفساد و"المتعة اللحظية"، تُحَجِّم من قدر منافسيها، وإن كان اليقين هو ذلك المنافس، فمازال مؤجل المكاسب. وعلى الأغلب أن امرأة لوط كانت من ضمن تلك الجماهير، لولا قيد زواجها!..
 
أغلب الظن أن إمرأة لوط، كانت تكره زوجها (الطاهر) في قرية ديدنها الفساد والانحراف. وكيف لا، وقد أجبرها على إلتزام الفضيلة لسنوات طويلة من عمرها؟! هل أخفت مشاعرها طيلة تلك السنين، أم نزعت عنها رداء الورع بعد حين؟! لا أعتقد أن دور امرأة "تّزمل" زوجها حين تغلبه الحيرة، كان يليق بها!! ربما اختارت صبّ المياه القذرة على رأسه، أو وجدت في السخرية منه ما يشفي غليلها!!..
 
لم تبالي المرأة بالعجز، وقلة الحيلة، اللّذين بديا على لوط. فنامت، وقريتها، تلك الليلة دون أن تدرك بأن "غرباء" الصباح كانوا آخر زوار سيطرقون بابها، ليغادر نبيّ الله مع وبقية أهله دون زوجته، تلك القرية الظالمة، دون أن يلتفت إلى الخلف، كما أمره ربه، وقد كان يعلم في قراره نفسه بأنه لم يعد يملك شيئاً في قرية حق عليها العذاب الإلهي عبر زواره الغرباء، الذين لم يكونوا سوى رُسل ربه من الملائكة!!
 
لم تكن إمرأة لوط قد أرتكبت الفواحش مع قومها، إلا أن روحها كانت قد تلوثت بالفعل، ولم تعد تختلف عن قومها في شيء. فكما جاهدوا في نشر الفساد وقوننته، لم تبخل هي على زوجها بطاقة سلبية أفسدت أيامه، لتستثنى من أهل بيته الناجيين معه، وتنال ذات النصيب من العذاب الذي استحقه قومها، قال تعالى: "فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ"- سورة الأعراف

الأحد، 10 مايو 2020

نساء من القرآن (3) .. "زوجة فرعون"


نور ناجي

 
ليس من المستغرب أن تتعلق إمرأة بطفل ألقاه القدر على بابها. أراها تتوسل وهي تحتضن الصغير بلهفة لعلها تحميه من نظرات الريبة التي أخذ فرعون يرمقه بها قبل أن تتوسله مجدداً: "وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا "..
 
مازلنا أمام موقف إنساني يتشارك الغالبية مشاعرهم تجاهه، فكيف حين يتميز ذلك الطفل بصناعة ومحبة إلهية أجبرت فرعون بطغيانه على الرضوخ لرغبة زوجته التي سارعت في طلب المرضعات للصغير..
 
لم تكن سيدة القصر لتشك بالفتاة التي عرضت عليهم مرضعة تثق بالتزامها: "فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون". فمازالت بحاجة الى حل سريع لمشكلتها خاصة بعد رفض الصغير المرضعات، على الرغم من صرخاته الجائعة قبل أن يستقر على صدر المرضعة المشار إليها..
 
تشعر المرأة أحيانا بالعبء نتيجة تدفق احاسيسها بالهشاشة التي تجعلها قابلة للانكسار بين الحين والآخر، إلا أنها- على الأغلب- لن تتنازل عن ذلك الضعف مقابل الحدس العالي الذي طالما كان رفيقاً له..
 
أكاد أجزم بأن "الملكة" كانت قد شعرت بأن المرضعة القادمة من بني إسرائيل هي الأم الحقيقية للصغير الذي تبنته. إن لم تكن سكينة الرضيع وتدفق الحليب دليلاً كافياً، لا بدّ وأن تقارب الملامح كان قد دلها على ذلك..
 
مازال فرعون يرى في بني إسرائيل أعدائه، يستضعفهم ويسومهم سوء العذاب، دون أن يوقف بحثه عن غريمه بينهم. أخذت امرأة فرعون تفكر في ذلك وهي تنقل بصرها بين الصغير وأمه، وتحاول إخفاء المعركة الدائرة في صدرها..
 
لا بد وأنها عادت بالاحداث الدرامية الاخيرة لنقطة البدء، تفاصيل الكابوس الذي أرق نوم زوجها، وربما لما قبلها من ظلم قام به زوجها ضد بني إسرائيل وغيرهم، قبل أن تدير العجلة مرة أخرى للأمام: "هناك أمر جلل يُعد!!"، انبأها حدسها، وقد يكون فيه نهاية مملكة زوجها وحكمه الذي سيمسها هي أيضا بشكل أو بآخر!!..
 
طالما تساءلت عن الأسباب التي حدت بزوجة فرعون إخفاء ما يحدث تحت سقف قصرها..! الم تخشى زوال مملكتها؟!.
 
لن تجد امرأة لا تحب القصور. طالما كان التاج ولقب الأميرة أو الملكة حلم طفولة أي فتاة، وقد أدركت زوجة فرعون وضعها ومكانتها جيداً منذ خطواتها الأولى في قصر زوجها: السيدة الأولى، وزوجة حاكم البلاد الأقوى على مر التاريخ، إلا أن تحقيق حلم طفولتها، الذي طالما حسدتها النساء عليه، لم يجعلها تتغاضى عن قسوة قلب زوجها والإستبداد الذي استمرأه. أي يأس شعرت به حين اختلفت قوانين زوجها عن قوانين المملكة التي تمنتها لنفسها!.. 
 
يبقى الظلم ظلماً، حتى مع محاولة تزيينه بالقصور وتغليفه بالقوة التي قد تُمنح لاصحابه!!..
 
يرى البعض أن المستضعفين هم الأسهل انقياداً لفكرة وجود حياة أخرى، بحثاً عن عداله لم يحصلوا عليها. ربما وجدوا أن الزاهد في الدنيا ليس سوى عاجز أخفى قلة حيلته بالتزامه بالأوامر الإلهية. قد يكون في ذلك جزء من الحقيقة، فالإيمان درجات، أولى خطواته الاستسلام، إلا أن تلك الدرجات لا تتوقف على المحرومين، فقد تكون "الجنة" حلم من لم تلبي الحياة طموحاته رغم وفرة ما اعطت!..
 
لم تكن مخاطرة زوجة فرعون، باخفاء ما يدور تحت قصره، سوى صرخة صامتة ضد ظلمه، دون أن تتخلى عن أحلام طفولتها، بدليل دعوتها استبدال قصر فرعون بآخر، سيكون بالتأكيد أكثر فخامة وعظمة مع ملائمته لقوانين عادلة تنشدها، طالما تتغير دعواتنا وامانينا بتغير طموحاتنا، قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"..
 
"دون اليقين"، تبقى الروح مجتزأة ينقصها الأهم، كثيرون من لم تبخل عليهم الحياة، إلا أنهم لم يجدوا في عطاءها ما يلبي احتياجاتهم..
 
على الأغلب أنهم يملكون من الصبر والتجلد أكثر من غيرهم، لذلك لن يكون تأجيل متعهم، مقابل ملء ارواحهم باليقين، بالأمر الصعب أو العسير عليهم..

السبت، 2 مايو 2020

نساء من القرآن (2) .. "امرأة العزيز"


نور ناجي

  طالما كانت إمرأة العزيز صورة للمرأة اللعوب في الأذهان، المرأة صاحبة الدهاء التي حاولت اغواء سيدنا يوسف وتمادت في أذاه حتى كانت السبب لنسيانه في سجن بائس، لتبقى وبنات جنسها على مر التاريخ متهمات "بالكيد" مهما حاولنّ الإنكار!!..
 
لكن لماذا الإنكار؟!، فاستخدام تلك التهمة يمنح المرأة أحيانا مهابة تحتاجها!..
 
تعتمد الطريقة التقليدية في سرد أي حكاية على وجود طرفان أحدهما شرير والآخر طيب. يمكننا وضع زوجة العزيز "طرف شرير" في قصة سيدنا يوسف، إلا أنها لم تكن "الشرير" الوحيد، فقد بدأت العداوات تحيط بالنبي مبكراً ومن أقرب الناس إليه، حتى أن والده حذره من غدر إخوته لمجرد سرده حلم مبهم: "قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ!"..
 
شعر سيدنا يعقوب بالضغينة التي يحملها أبناؤه على أخيهم، إلا أنه- شفقة بنفسه وبهم- أختار إلقاء تبعات مشاعرهم على الشيطان. يتواجد الشيطان دائماً، لكن هل جعله ذلك التواجد مخططاً رئيسياً لجريمة إخوة يوسف؟ أم كانت هناك أياد خفية أخرى: "قَالُوا يٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلٰى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنٰصِحُونَ"..
 
على الأغلب، أن المشاعر التي تتفلت من لسان المرء في لحظات غضبه الأولى تكون الأصدق- رغم مبالغتها أحياناً. تمنى أخوه يوسف "قتلة" سريعة لاخيهم، قبل أن يحجمها العقل والدم المشترك والمبادىء التي تشربوها عبر والدهم، لذلك تراجعت العصبة- رغم قدرتها- عن القتل، وتدرجوا نزولاً في أنواع العقاب المستحق "لاخيهم"، حتى وجدوا أن قضاءه عبداً بقية عمره سيكون مناسباً!..
 
لا تدري في حقيقة الأمر أي العقابين كان الأشد سوءا: "قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيٰبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ"..
 
لا أعرف كيف تم اقتياد يوسف إلى مصيره، غير أني على ثقة بأن ابتسامة كاذبة هي ما رسمت على وجه الفاعل، على عكس الملامح التي استقبلت بها امرأة العزيز زوجها وهو يقدم لها الفتى المرتجف من قضاءه أيام أو أسابيع متنقلاً في أسواق العبيد: "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا"..
 
تمر السنوات وتتخذ القصة مسارا مختلفا، على الأغلب أن امرأة العزيز عاشت صراعا صامتا طويلا حين اتخذت مشاعرها مساراً مختلفاً لم تكن تتمناه وربما رفضته فطرتها كثيراً قبل أن تعترف لنفسها بأنها تعشق الشاب..
 
ليس المظهر الحسن، بالضرورة، اغراء كاف ليهز مبادىء وقناعات المرء، حتى يضاف إليه الحكمة والعلم الذي اُختص به النبي يوسف عن غيره من أقران، لتستسلم المرأة في النهاية وتكشف عن ما يراودها: "وَرٰوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ الظّٰلِمُونَ"..
 
استند إخوة يوسف على مبررات كاذبة وتخطيط مسبق لإخفاء مشاعرهم ومخططاتهم الحقيقية، فحيناً كانت استمالته أبيهم سبباً لإبعاد يوسف، وحينا كانت العصبة القوية التي يمثلونها مبررا مناسباً، على عكس امرأة العزيز التي نقصتها المبررات!!..
 
على الأرجح أنها لم تأخذ وقتاً في التخطيط أو التدبير، ومالت تصرفاتها إلى العشوائية والتهور منذ لحظة اعترافها للحظة اختيارها موقع الجريمة! فلم تلبس المرأة قناعاً زائفاً وهي تقتاد يوسف إلى مكان منعزل، ولم تستند إلى اكاذيب لإقناعه بما تريد!..
 
غلقت المرأة الأبواب في مكان سهل الانكشاف والتوقع، واختارت أن تكون صريحة وصادقة وباحت بمشاعرها. لعل ذلك الصدق هو ما أدى إلى استسلام يوسف، فكما كان الشاب قوياً وصادقاً لحظة رفضه الأولى، تراخى بعض الشئ كما ذكرت الآية لاحقاً: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ"..
 
لا تبقى المشاعر على حالها حين تضاف إليها معطيات الوقت والظرف، وصدق قلب عاشق!..
 
تجاوز يوسف ذلك التحدي برفضه جملة وتفصيلاً مع العروض المشابهة التي أخذت تتوالى عليه، والتي لم تحمل ذات الصدق الذي كاد أن يؤدي به. أدرك النبي أن استسلام مجدد سيكلفه انتزاع إرادته الحرة، ليفضل السجن عن الفوضى التي أحاطت به: "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجٰهِلِينَ"..
 
مازال الشاب يحتفظ بما يخشى خسارته، بعكس إمرأة العزيز التي كانت قد خسرت كل شيء بالفعل، بعد أن نالتها الفضيحة وراحت الألسن تتداول قصتها، حتى لم يعد لديها إلا التمسك بهواها. هل كان ذلك الحب منزهاً إلا من الرغبة في الحصول عليه؟! أم أن كبريائها المهان أضاف أسبابا جعلتها تتشبث بالشاب!!..
 
تختلط المشاعر على المرء، حتى لا يدرك أن كان ما به حقيقي أم مجرد وهم يرى فيه ما يكمله! الوقت فقط هو ما سيحدد ماهية تلك المشاعر!..
 
مضت أحداث القصة كما أرادها الله، لتعود إمرأة العزيز إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، لكنها هذه المرة وقفت أمام ملك مصر الذي بدت رغبته في براءة يوسف واضحة للعيان!!..
موقف مهيب، يجعل من أي شخص يشحذ كافة أسلحته خشية عواقبه، إلا أن امرأة العزيز لم تكن بذلك الضعف وتملك العديد من الأسلحة!.
 
فمازالت زوجة "عزيز مصر"، بمكانته ومقامه، أمام شاب منهك لا تدعمه سوى "تفسيرات أحلام"، يبقى تحقيقها في علم الغيب. كما أن القدر وضعها مجدداً أمام الشاب الذي رفض قلبها وكسره، وجعل من محيطها يضعها في محل شك واتهام دائم!..
 
لن تجد امرأة العزيز أفضل من هذه الفرصة لانتقام جديد! فرصة لا تحتاج منها إلا تأكيد نفيها السابق وخلق بلبلة أمام الشاب الطموح، لكنها فاجأت الجميع باجابتها المستسلمة: "الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ"..
 
على ما يبدو، أن فكرة فراق يوسف لم تكن قد مثلت في ذهن امرأة العزيز من قبل، رغم السنوات التي قضاها في السجن!؛ "سيخرج يوماً وتمنح لها فرصة أخرى لعرض حبها!"، لعلها كانت تمضي أيامها بتلك الأماني، قبل أن تدرك أمام المحاكمة الجديدة أن لحظات الفراق الحقيقي قد حانت ولم يعد من مجال للمزيد من الأوهام!..
 
قاست المرأة بشكل سريع الخسائر التي سوف تدفعها ثمناً لبراءة من أحبته، وقارنتها أمام ما سيبقى لها من ذكرى ترضاها عن نفسها في ذهنه. ولعلها اختارت الصدق لتحرير نفسها من أوهام محبة لم تجد لها أرض صالحة للعيش، أرادت المرأة حريتها من قيد "خيانة" جديد، قبل حتى أن تفكر في حرية يوسف: "ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَآئِنِينَ"..
 
لم يكن إخوة يوسف ليملكوا تلك الشجاعة أو الصدق، رغم مرور سنوات على ذنبهم الأول ونتائجه التي أدت إلى عمى والدهم، فما أن وضعوا في تجربة فقدان "صواع الملك" حتى ألقوا بتبعته على أخيهم الضائع!! خيال خصب لم تكن لامرأة أن تبتكره، وربما كان سينطلي على سيدنا يوسف لولا أنه كان من حاك الموأمرة: "قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ"..
 
لم تتهرب امرأة العزيز من اخطائها، كما حاول سيدنا يعقوب إلقاء اخطاء أبناءه على الشيطان، أو كما حاول أبناؤه من بعده. كانت المرأة مذنبة، أقرت بذلك بكل شجاعة وهي تضع وصفاً دقيقاً للصراع الدائر في النفس البشرية، مطالبة في ذات الوقت بحقها الإلهي في طلب المغفرة: "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ"..
 
مثّلت امرأة العزيز العدو الأكثر صدقاً وشجاعة في القصة، تمسكها بالخطاء لبعض الوقت لم يجعلها تبرر لنفسها إستخدام وسائل غير مشروعة كالكذب والزيف. قد تبدو فكرة البحث عن عدو يحمل بعض القيم الإنسانية، لتحمل له في المقابل بعض الاحترام، فكرة رومانسية وبعيدة عن الواقع..
 
 فعلى الدوام كان إلقاء التهم على الآخر(الشيطان)، وتنزية أنفسنا، هي الطريقة المثلى للخروج بأقل الخسائر، متجاهلين حقيقة أن الخسائر تبقى فينا طالمنا رفضنا الإعتراف بها!..
 

السبت، 25 أبريل 2020

نساء من القرآن.. (1) "أمّ موسى"


نور ناجي

 قد أُتهم بالإنحياز، إلا أني لا أبالغ حين أقول بأن الأفلام والقصص ذات الطابع الذكوري البحت تبعث على التوتر ولا تشعرك بالارتياح، ومهما بالغ النقاد في مدحها يبقى في أحداثها شيء ناقص يجبر المرأة على استعجال الوقت لتنتهي من الفوضى المعروضة أمامها..
 
ربما لا ينطبق الحال على قصص القرآن، إلا أن وجود المرأة في أي منها يضفي عليها بريقاً خاصاً.. نكهة غنية تُدعى "المشاعر" التي قد تقابل أحياناً بنوع من اللامبالاة!..
 
لم تأخذ والدة سيدنا موسى حيزاً كبيراً من الآيات القرآنية.. أربع اشارات كانت كافية، لنعيش أصعب مراحل حياتها..
 
كانت "أم موسى"، على الأغلب، في أشهرها الأخيرة حين وصلها قرار فرعون بذبح أطفال بني إسرائيل، لم تكن لتجهض جنينها، وتستبدل قاتل بآخر، فاختارت الاستسلام، ولا تدرون كم يكون الاستسلام شاقاً حين يضطر المرء لأختياره..!
 
لا بدّ وأن آلام المرأة الأم كانت أعسر مما نتصور، ففي حال كتمت صرخات مخاضها كيف لها أن تكتم صرخات وليد يتأهب الحُرّاس للعثور عليه وذبحه؟! في أحسن الأحوال سينهي أحدهم جريمته بعيدا عن بصرها، إن حمل قلبه بعض من رحمة، إلا أن المرأة تجاوزت اختبارها الأول وأنجبت موسى دون أن يشعر جنود فرعون.
 
على الأغلب، أن المرأة تصاب بحالة غريبة من الشجن الحزين أثناء وبعد الولادة، حتى إن لم تكن أمام اختبار إلهي، فكيف بإمرأة تنظر الى وليدها المهدد من قبل سلطات فرعون؟! وجع كبير، لا بد وأنها استحقت لاجله طمأنينة إلهية عبر وحي اختصها الله به، والسيدة مريم لاحقاً حين شاركتها ظرف مشابه..
 
"وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ"- تحظى اللحظات الأولى لإرضاع الطفل بمذاق خاص، لا شيء يماثله حتى تتكرر في ولادة أخرى. من لا يمر بهذه التجربة قد يعتبرها مجرد مبالغة أو مشاعر أنثوية لا يعول عليها، إلا أن الأمهات يشعرنّ فعلياً في تلك اللحظة بتوقف العالم وتجلّي الله لهنّ. ورغم حساسية وضع سيدنا موسى والأخطار المحيطة به، لم يحرم الله والدته من لحظتها الخاصة بطلبه منها إرضاع الصغير، فقد كانت بحاجة لبعض السكينة قبل أن يلقي عليها بالأمر الذي لم تكن لتتوقعه!..
 
"فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ!"- تلقي ابنها في اليم!!. يمكنني الجزم بأن الأمومة هي أقوى المشاعر البشرية وأكثرها صدقاً. مشاعر لا يمكن احتواءها.. حين لا تجد المرأة لها اطفالا، لن تبخل بعطاءها لغريب، لا تربطها به صلة رحم، ارضاءاً لها في المقام الأول، فكيف يُطلب من امرأة- وإن لم تكن نفساء- أن تلقي بفلذة كبدها؟! واين؟!: في اليم؟!، كيف للمياه الجارية أن تكون خيارا مطروحاً لأم؟!..
 
أعترف بأني مازال أشعر بالجزع، كلما مررت بالآية، حتى أكاد اصرخ في أم موسى: احملي رضيعك يا امرأة، لن يكلفك الله بأكثر مما يحتمل قلبك.. اهربي واجعلي من أي واحة صحراوية مستقرا وارضاً للاستغفار، على أن تلقي ابنك للمجهول.. يدرك الله مدى ضعفك ويعلم حدود قدرتك، فلا تخلعي قلبك وسارعي بالفرار!..
 
 ما أزال الهث، وأمسك على قلبي، حتى تكمل الآية نفسها: "وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ!"..
 
"إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ"، إيمان هائل هو ما جعل ام موسى تستكين لعبارة بذلك الإيجاز؛ ربما لم تطفىء الخوف والحزن في روحها، إلا أن مقايضتها بنهاية سعيدة، أمدّها بيقين يكفيها بعض الوقت. فربما تضعف وتلين لصوت قد يهمس فيها ويدعوها للتريث: لعل ما اعتبرته وحيا ليس سوى هلوسات، فرضتها الظروف الصعبة المحيطة بك!..
 
ضمّت أم موسى ابنها للحظات، قبل أن تضعه جانباً وتباشر مهمتها على عجل.. أراها تبحث في زوايا كوخها الصغير عما يساعدها. على أكثر تقدير لن تجد سوى سلة قديمة مصنوعة من القَش!، ربما سكبت عليها بعض الماء لتجربتها واصلاح ما بها من عيوب قبل أن تتجاهل قطرات الماء وهي تنز منها وتتكل على يقينها ووعد الله لها!..
 
ترى ما الذي كانت تقوله لنفسها لحظة اختفاء ابنها في اليم؟!..
 
ربما جاع الآن؟! لن يقوى على رياح المساء الباردة!! امازالت الأغطية تمنحه الدفئ، أم انزاحت عنه؟! انشغلت أم موسى بكثير من التفاصيل حتى تهرب من هاجسها الحقيقي: هل كان النهر رحيماً برضيعي أم اختار القسوة؟! مازالت "أم موسى" واقفة على ظلها، قبل أن يخلو قلبها فجأة!!..
 
للحزن درجات، يرى البعض أن "الكمد والبث" أعلاها مرتبة، إلا أن القرآن أشار إلى نوع آخر لا يقل قسوة: يحدث أن يفرغ القلب، تبحث على سطح التجويف المستحدث فيك، فلا تجد للصدى فيه مكاناً، تنشد الصراخ خلاله بأوجاعك، لعلها تملؤه دون جدوى، لطف إلهي فقط هو ما يشفي هذا النوع من الأحزان، يقول تعالى: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"..
 
سارت أحداث القصة كما أراد لها الله أن تكون.. يقول تعالى، مخاطباً رسوله (موسى) ومذكرا إياه بمحطات لم يكن لينجو منها: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ"..
 
ربما يتوجب على الأنبياء والرسل، والصالحين بالمثل، المرور بتجارب قاسية تسبق استحقاقهم للهداية، قد تمتد بعضها لتخص من حولهم، وسواء انتهت بالسلب أم الإيجاب، مازالت تصب في صالح رحلته الروحية..
 
 وقد نجحت "أم موسى" في موضع لا أعتقد أن "أمّ" عادية كانت لتجتازه، لتنال بذلك عناية إلهية بالغة في التميز: "فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"..

السبت، 18 أبريل 2020

عزلة اختيارية


نور ناجي

 قال تعالى: "إذ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا"- سورة الكهف.
 
لم يملك فتية الكهف مخططا مناسبا للحفاظ على عقيدتهم فآثروا الإبتعاد حتى يتدبروا أمرهم؛ ليكونوا بذلك اشهر من أتخذ قرار "العزلة" دون أن تكون للأوبئة والفيروسات يد في ذلك..
 
على ما يبدو أن ذلك الهروب كان الحل الأنسب والاسلم أمام حاكم ميؤوس من إصلاحه، ومجتمع يرفض الاختلاف، حتى انقضى على الفتية أكثر من ثلاثمائة سنة في الكهف، قبل أن تكون مقايضة حريتهم بإيمانهم هي الحدث الأهم!.
 
لم تكن تلك الحادثة هي "العزلة" الوحيدة المذكورة في القران الكريم، فقد أشارت سورة "يس"- وإن بشكل غير صريح- إلى "عزلة" أقصر، أختارها أحدهم من أجل إيجاد حلول كان ينشدها!.
 
"وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ".. نقف أمام الإختبار التقليدي الذي طالما وضعت فيه الأمم، والذي- على الأغلب- لن يمر بسهولة وسيلاقي الرفض الشديد كغيره، إلا أن تلك القرية لم تكتفِ بالرفض المجرد، بل أوشكت على الفتك برسلها: "قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ"، مازالت تتابع الأحداث قبل أن تلتقط هتاف قادم من بعيد..
 
طالما حملت سورة "يس" طابع خاص، شَجّن، لا تهتم- مع مرور الوقت- بتحديد منبعه، بقدر تمسكك به. وعلى الأغلب أن شعور الشفقة مازال يراودك كلما توقفت أمام لهاث الرجل المذكور في الاية: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ"..
 
اللافت للنظر، أن الرجل لم يكن في قلب المدينة لحظة الاضطرابات التي سادتها، كما يفترض به أن يكون!..هل قرر اختيار "العُزلة" بعد وصول المرسلين، في محاولة تأمل هادئة لإيجاد إجابات لم تكن ضوضاء المدينة تمنحه إياها؟!..
 
يبدو أنه كان يدرك بأن التمسك العنيف بالمنظومة القديمة- رغم عيوبها- هو رد الفعل الأولي لأي محاولات تغيير مطروحه، دون الاهتمام بدراسة الطرح الجديد، ووضعه في ميزان التحليل والمنطق!!..
 
 يحدث أن تنادي لفكرة، وتتعصب لها بكل ما أوتيت من قوة، قبل أن تدرك بأن ما كنت تدعو إليه لم يكن نابعاً منك بقدر ما كان نتاج لما يتردد حولك..
 
لا تنقل التجمعات عدوى الأمراض فقط، فالأفكار ذات الصيت الأعلى- بغض النظر عن قيمتها- تنسخ نفسها عبر النطاق الذي تصل إليه، مكونة "سياسة القطيع"!..
 
كان الرجل يدرك تأثير تلك السياسة، فقرر اعتزالها حتى يخرج بما يرضيه دون تأثيرات خارجية. على الأغلب أنه لم يضع الشرائع الجديدة، المعروضه على قريته، نصب عينيه، بل ركز طاقته على "الرسل المبعوثين للقرية"!!
 
لم يكن "المُرسَلوُن" من أهالي القرية، كما يبدو؛ كما أنهم مازالوا يرددون استغنائهم عن أي مكاسب- وإن كان مُلكاً- حال إيمان القرية، إلا أنهم لم يتزحزحوا عن محاولاتهم! فما الذي يضعهم أمام خطر يدركون، تماماً، المهالك الناتجة عنه؟! هل فقدوا عقلهم حتى أمسى مصير القرية أهم من مصائرهم؟! أم أنّ تَحّمُّل الأذى كان في سبيل أمر أكثر اهمية؟!..
 
لعلَّ الله سبحانه وتعالى لم يضع اختباراته على الأمم وحسب، ربما جعل الجزء الأكبر أمام الرُّسُلّ لمعرفة مدى تمسكهم بما يدعون إليه!!..
 
توصل الرجل لصدق المُرسَلِين، ففزع إلى أهله، عارضا عليهم النتائج التي توصل إليها، متداركاً ‏حماقتهم، فقال لهم ناصحا: "اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ"، قبل أن يعلن إيمانه علناً لعل أفكاره هي ‏الأخرى تنعكس رأياً عاماً على قريته: "وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ ‏مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ"..‏
 
وُلِدَ المرءُ حراً، ولم تُسَن السجون عقابا إلا لأثرها السيء على الفرد، إلا أن اختيار "العزلة" قد يُحدِث فعلا عكسياً، ويعالج الروح السقيمة قبل أن يوسع مداركها ونظرتها لما حوله. كان الصحابي عمر ابن الخطاب من أكثر أهل قريش معاداة للاسلام، قبل أن يختار اعتزالها- كما أوردت كتب التاريخ- ولم يمض على عودته بعض الوقت حتى أعلن إسلامه..
 
ربما يقف العالم على أعتاب "عزلة إجبارية"، يعلم الله تعالى موعد انتهاءها، ولنا أن نرفض كونها إجبارية باختيار كيفية قضاء الوقت فيها؟
 
 يقول ابن جوزية: "يا هذا، إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة، فإن أيدي المعاشرة نهَّابة!”..
 

السبت، 11 أبريل 2020

الدولة السوية


نور ناجي

  طالما عانت "الإمامة" من مشكلة في "الهوية"، مازالت تدعي الغيرة الوطنية ومحاربة الخارج، بينما تجاهر باصطفاء سلالتها وتميزها، رافضة الإندماج في مجتمع ترى أن تزعمه حق "مقدس" لا يجوز التنازل عنه!..
 
معادلة فاقدة للمنطق، تنتج على الأغلب واقع غير سوي!!
 
لم تمثل "الهوية" معضلة بالنسبة "للمنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول"، على الرغم من اختلاف النسابة في تحديد أصله.. فمنهم من ينسبه إلى قبيلة "الأزد اليمنية" التي استوطنت شمال الجزيرة وبلاد الشام قبل الإسلام، ومنهم من يراه تركماني الأصل. 
 
كغالبية الولاة القادمين من مركز بعيد، طمع المنصور بإحتكار أرض صعبة المراس خارج إطار الحملات الأيوبية التي جاء ضمنها، فقرر ببساطة الإستيلاء عليها. إلا أن رغبته الشديدة في حكم اليمن لم تمنعه من التفكير السوي. يدرك- كدبلوماسي مخضرم- أن إستخدام القوة قد تمنحه ما يريد بعض الوقت، إلا أنها لن تضمن استمرارية دولة يريد انشاءها، فتجنب ما قد يوقعه في الأخطاء بقرار حازم "بالانتماء"!!..
 
يُلزمك "الإنتماء" بإنبات جذور صلبة لك، ابداء الإهتمام، البحث عن أفضل الطرق للحفاظ على ما تنتمي إليه واعلاء شأنه.. وهذا ما قام به المنصور في رحلة بحثه الحثيثة عن عاصمة مناسبة لحكمه. لذلك لم تكن أي أرض لترضيه، بل سعى لإيجاد موضع استراتيجي سيمنحه تمركزا واسع المدى لأراضي دولته، ويضمن له في ذات الوقت حصوله السريع على الموارد ومصادر الغذاء. لا أعتقد أن المنصور أدرج "الحصون"، التي كانت تفضلها الإمامة، ضمن مقارنته. فغالباً ما تورث الأسوار الفزع وتقيد الحركة.
 
ربما أخذت منه المفاضلة بين "تعز" و "زبيد" بعض الوقت، قبل أن يستقر على الأولى، فلم تكن الموانىء، أو سهول تهامة بثروتها الحيوانية، بعيدة عنه..
 
في البدء، كان إظهار القوة ضرورياً، ولم يمضِ الوقت بالمنصور حتى سيطر على  أكبر مساحة ممكنة له من اليمن، مبتلعاً- بكل سهولة- المناطق التي كانت توزع انتماءاتها على الأئمة الهاربين فوق رؤوس الجبال، حتى بلغت حدود دولته، أحياناً، كامل الجزيرة العربية، إلا أن حكمه- وأولاده من بعده- لم يقتصر على استخدام العنف، فقد تميز حكم الدولة الرسولية منذ أيامها الأولى بالانجازات المختلفة في كافة الميادين.
 
شملت مشاريع الدولة الرسولية الطب والتعليم والزراعة والتعدين، بالإضافة إلى شق الطرق والآبار، دون أن تنسى التجارة والصناعة، ولم تحتكر بأفرادها الأرباح المباشرة لتلك التنمية، قبل أن تمس حياة اليمني مباشرة، ويستفيد منها. الأمر الذي ربما استغربه، فلم تكن حياته من قبل تعني إلا مقدار "الجزية" المقرر عليه دفعها!..
 
فقد شرع فقة "الإمامة"، باتاحة رفع السلاح لمن يرى في نفسه الأحقية، الإخلال بالنظام والانقلاب عليه، لتتحول "الحماية الشخصية" لأي "إمام" أولوية وهدف رئيسي، إن لم يكن الوحيد، سواء كان عبر بناء المزيد من الحصون، أم بتجديد أساليب سلب الأموال. فمازال "ذو البيعة" يتأرجح بين خشيته من إنقلاب "طامع" جديد، أو ثورة غاضبة من أصحاب الأرض!.
 
طالما كان إغلاق المدارس، النتيجة الحتمية لفرض الإمامة سيطرتها على منطقة ما. فقد كان العلم ولازال هاجسها الأول. على عكس ما قام به الرسوليون، الذين كان منهم العالم والشاعر وصاحب الرأي والمؤلف، ولم تنحصر علومهم في"كيفية إثبات نقاء سلالة البطنين!"، بل شملت العديد من العلوم المختلفة، حتى عد كتاب "المعتمد في الطب" للملك الأشرف الرسولي معجزة في ذلك العصر.
 
تدرك العقول النافذة، أن الدولة لم تكن تمثل سوى جابي أموال لمحيط حُرم من تلقي العلم. فلن يبالي لسقوط دولته أو بقاءها، على عكس المجتمع المستنير الذي يسعى أفراده لدعم الكيان الذي يجمعهم. لذلك تسابق أمراء بني رسول على بناء المدارس الدينية والعلمية، وليست مدرسة "المظفرية" أو "الأشرفية" سوى نموذج من عشرات المدارس التي تمت بناءها في تلك الفترة.
 
مازالت الدولة تجزل العطاء للعلماء، حتى أصبحت اليمن منارة ذلك العصر وقِبلة علماؤه الذين قرروا الإستقرار فيها، كأبن حجر العسقلاني، والمؤرخ الفاسي، والفيروز أبادي صاحب "القاموس المحيط" الذي لا يزال قبره ماثلاً حتى اليوم في مدينة زبيد..
 
يمكننا القول بأن اليمني، وعبر مئات السنين من جثوم "الإمامة" على أرضه، كان قد استبدل مشاعره السوية، التي منحت له إبان الدول اليمنية القديمة، بهراء "الأوامر الإلهية" التي راحت "الإمامة" تسوق لها حتى تجعله مواطن من الدرجة الثانية. ربما وجد في انضمامه لجيوش الخلافات الإسلامية حلا لذلك الاضطراب، خاصة مع ترحيب قادة تلك الجيوش بالجندي اليمني ذو السمعة الطيبة. فافراغ الطاقة البشرية من أرض ترى في نفسها مجداً سالفاً سيكون مناسباً لكبح جماحها مستقبلاً.
 
لعل تلك القوة البشرية مازالت حتى اليوم تمثل جموحاً للبعض يجب تحجيمه! 
 
إلا أن الدولة الرسولية أعادت لليمني المكانة التي يستحقها، باصرارها على تكرار فروض ولائها لأرض اليمن، سواء بكسب ود القبائل ومحاولة مصاهرتها، أم عبر عدالة منح الإمتيازات لكافة أبناء الأرض دون ان تميز بينهم وبين أمراء بني رسول، ليشكل ذلك الولاء الجمعي أقوى جيوش المنطقة في ذلك الوقت.
  
لا يبني "الإنتماء" دولة وحسب، بل يعكس لها صورة لائقة بين الأمم. فها هم مسلمي الصين يشكون للملك المظفر التعسف والاضطهاد الذي يلاقونه ضد تأديتهم شعائرهم الدينية، وقد وجدوا في صيت دولته القوية ما يحميهم، ليجد المظفر أن تلك الشكوى تعنيه بحكم "انتماءه" للدين الإسلامي، فقام بإرسال مبعوثه لحاكم الصين الذي استجاب لمطالب الملك القوي دون تردد..
 
انصافاً للتاريخ، لم تغلق الإمامة الأبواب على نفسها دائماً، حتى حال استغنائها عن استقدام مقاتلين ضد أصحاب الأرض، مازالت تتخابر مع الغريب وتمد يدها لأي مستعمر، في سبيل إسقاط رفضهم لها!..
 
يمكننا إعتبار الدولة الرسولية بسنواتها التي امتدت ٢٣٢ عاماً، أقوى الدول اليمنية واطولها حكماً منذ تلاشي الدولة الحميرية، قبل أن تتكالب عليها شروط الإنهيار التقليدية، والتي شملت بالطبع تربص الإئمة وثوراتهم المتعددة، لكنها تركت نموذجاً "لدولة سوية"، جاهدت "الإمامة" لمحوه وعدم تكراره!..
 
فرق هائل بين مشاعر "الانتماء"، التي تحرك في المرء واجب دعم منظومة أو فكرة أو كيان والالتزام بحمايتها، وبين "حب التملك" الذي يصنفه علماء النفس بالمرض النفسي، الذي يرتبط على الأغلب بانفصام الشخصية، أو الهلوسات والاضطرابات الوهمية، والذي جعل من الإمامة، ومنتموها، يقاتلون من أجل ابقاء اليمن كياناً ضعيفاً، يرجون هلاكه على أن يستقل بنفسه ويكون لسواهم..

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...