الأحد، 15 سبتمبر 2019


صانع حلوى



نور ناجي

يحدث أن تشعر بالإحباط، بالكآبة، لكن مثل هذا الأمر لم يعد بالمصاب الجلل، فعادة ما تصبح الكآبة عادة مع مرور الوقت، نشتاق اليها حين تغيب ونستدعي بعض منها عن الحاجة خاصة وقد تعلمنا تخفيف وطأتها بقطعة من الشوكلاته!.

لكن, ماذا لو أن شعب بأكمله أصيب بالاكتئاب، بعد أن فقد إمكانية تعريف الحرب الواقعة عليه، احتاج اليمني بضع سنين ليتمكن من توصيف الحرب المقامة على أرضه، فكان " نصف حرب ونصف سلام"، تعريف ملائم قبل أن يشهد المتغيرات العبثية الأخيرة.

حلفاء الامس لم يعودوا حلفاء أو ربما مازال البعض منهم؟!، من يدري؟!، وقد أصبح الفعل وعكسه هو ما تقوم به بعض أطراف التحالف وبكل فخر..نظرياً مازالت تحارب من أجل عودة الشرعية، وعملياً انقلبت عليها بشكل علني وواضح ضد ما تدعو له وهي تقوي دعائم انقلاب جديد!.

قد يكون السؤال الملائم هو: كم عدد قطع الشوكولاتة أو الحلوى التي قد نحتاج إليها!!، لا بدّ وأنا سنستهلك الكثير، إلا إن تمكنا من العثور على صانع حلوى يجيد عمله!.

كانت ستينات القرن التاسع عشر على موعد مع " محمد عبد الله المحلوي" صانع الحلوى الأول في تاريخ اليمن المعاصر، الرجل الذي تجاهلته ثرثرة التاريخ ومرت عليه مرور الكرام، لتضعك في حيرة من أمرك، هل كان ذلك التجاهل مقصوداً، أم إن الرجل سقط عفوا من دفاتر التاريخ وكتبه، فمهما اجهدت نفسك في البحث عنه لن تجد سوى القليل، ربما كانت صنعته هي الصفة المتداولة له، وكأن القدر ابقاها لعلمه بحاجة اليمني لها في مستقبل مكتظ بكل أسباب الاكتئاب والإحباط.

كان العلم هو التهمة التي التصقت بمحمد عبدالله المحلوي مبكراً، فلم يكتفي الصبي بسنواته في " المعلامة" بل أصر على دخول المدارس العثمانية عدة سنوات قبل أن يرغمه أهله على تركها، لكن ذلك لم يجعله يتوقف عن المطالعة والاجتهاد عبر كل ثغرة علم يجدها، وعلى الرغم من قلة تلك المنافذ أمامه إلا أنك ستجده قد حفظ التوراة وأجاد العبرية المتاحة له بجوار التركية، كما تعلم الفلسفة والتاريخ وأمور الدين والفقه كأكبر علامة دون أن يتوقف عن البحث والاطلاع في شؤون العالم وأبرز أحداثه وتطوراته.

عارض العثمانيين قبل ثورات اليمنيين المتعاقبة ضد حكمهم، كما جاهر لاحقاً بمعارضته  للإمام يحيى قبل أن يتوقف، وقد أدرك بالمعضلة التي ستواجه أي تغيير قد ينشده هو أو غيره .

لم تكن معاناة اليمن من الجوع والفقر والامام الظالم هي مبعث اليأس التي قد يصاب بها أي قارئ للتاريخ اليمني في تلك الفترة وحسب، بل كان على رأسها القناعة التي تجرعها عبر مئات السنين بأن جميع ما يقع عليه من أهوال ومصائب هي إرادة الله التي يتوجب عليه قبولها والدفاع المستميت ضد أي محاولة للمساس بها، لذلك وجد المحلوي وجوب الاتجاه نحو اليمني ومحاولة توعيته للبدء في مشروعه التحريري.

ترى ما الذي كان يفكر به صانع الحلوى وهو يقف على اناء طبخه، لم تكن الحلوى فقط، بالتأكيد كان يبحث خلال نضجها عن الطريقة الأنسب لإيقاظ أكثر عدد من العقول، وقد تكون شعلة موقده القديم هي من امدت قضيته بإيمان مطلق جعله الأب الروحي لغالبية مناضلي ثورة 1948 م ومن بعدها ثورة 1962م كما أجمعت مذكراتهم.

اتخذ الأب الروحي أسلوب بسيط لمناقشة قضيته، دون أن يميز بين مثقف واميّ، لم يراعي تباين الأعمار ولم يقف أمام اختلاف الطبقات الاجتماعية، كل تحدث له بالأسلوب الذي وجده مناسب له، فعلها وحيداً خلال سنوات طويلة، أخذ على عاتقها الرفض الساخر والتهم والنبذ، ودون أن يتلقى دعم من جهة أو حتى مجرد اطمئنان لمن يحمي ظهره.

سأله أحدهم يوماً :" أفنيت عمرك وما تملك وأنت على هذا الحال، ولم تحصل إلا على السخرية والاتهامات المهينة، فأجاب عليه مبتسماً وكأنه يحدث طفل يقف على دكانه يسأله قطعة من حلواه:" إن لم انل منه شيء اليوم، "فحزوية طعيمة"!..

إلا أن تلك " الحزوية " لم تبق مجرد تسلية بعد أن تأثر بها الكثير، وانضموا الى قضية محمد المحلوي وأهدافه النبيلة حتى وصل صداها للإمام يحيى، الذي شعر بوجوب إسكات ذلك الصوت، القي القبض على صانع الحلوى ورفاقه واودعوا السجن شهور طويلة بتهمة الزندقة والكفر، قبل أن تنتشر تساؤلات الناس عن منطقية تلك الاتهامات، حاول الامام طويلا اخراج الرجل المسن من محبسه بعد أن اصابه المرض وطالته الانتقادات، فاشترط عليه مغادرة صنعاء في سبيل إخراجه من السجن، لم يأخذ المحلوي وقت للتفكير ورفض العرض، حتى أضطر الإمام لإخراجه ولم تكد تمضي بضعة أيام حتى أنتقل الأب الروحي محمد عبدالله المحلوي إلى بارئه، ويقول العزي صالح السنيدار في موته: " مات محمد المحلوي الذي كان له الفضل في إخراجي من عالم الجمود إلى عالم الحرية، المجاهد الصابر الذي لقي الأمرين في سبيل لإيقاظ هذا الشعب النائم".

لا يختلف الإمامين الجدد عن من سلفهم ومازال العلم هو العدو الأول لهم، إلا أنهم أصبحوا أكثر حذرا فيما يخص صناع الحلوى، فلم يعد من السهل تمرير " حزوية " لطيفة إلى قلوب الناس، "نحن خياركم الوحيد !!" يقولها الحوثي ويؤكد عليها مرارا لمنع تكرار أخطاء الماضي، وابقاء الناس في حالة من الاكتئاب الذي قد يقود لليأس والاستسلام وليس أخطر على الشعوب من الإصابة بها.

الثلاثاء، 27 أغسطس 2019

غفوات مسمومة..

  ما الذي تتذكره قبل الحرب، وتشتاق إليه فعلا ؟! .. الحق يقال لم أعد اتذكر الكثير، هل كنت حقا متواجدة هنا قبل قيام الحرب ؟!، أحسب نفسي جديدة على هذه الحياة والدليل انني القي التحية بتهذيب على المرآة صباحاً حين أقابل انعاكس الوجه الغريب عليها.. 

 وكأنني ولدت مع بدايات هذه الحرب، صرختي الأولى كانت لحظة سقوط عمران، وحبو جسدي كان حين فررت من صنعاء إليها وقد اطبق عليها الحصار..

 تراودني بضع خيالات عن حياة عشتها قبلا، ليست كلها خيالات سعيدة، كان الحزن يزورني كالجميع، لكن كضيف خفيف، لا يبقى في القلب، لا أعلم ما الذي اغضبه وغير من طبعه ليمسي ثقيلا لزجاً يتعلق على جدران الروح ولا يرضى مفارقتها، لعله هو أيضاً يخشى الحرب فيختبىء منها فيني !!..

 أكثر ما افتقده من تلك الخيالات هو نومي المبكر وساعاته الطويلة وقد استبدل بساعات غفوة متقطعة لا تسمن ولا تغني من نعاس، أكبر النعم التي يهبها الله للإنسان هي النوم، ألذ من طعم الشوكلاتة، وأكثر رفاهية من سيارة نيسان بيضاء مصفحة بدفع رباعي، وأكثر إنسانية من أفلام توم هانكس وصوته الرخيم الدافئ ذو النبرة المزدحمة بالمشاعر!!.. 

 لم أكن قبل الحرب أعرف معنى السهر، اتباهى وقد استيقظت مبكراً كدب خرج من بياته الشتوي، أعجب واضرب كفاً بكف حين أسمع من أحدهم استمتاعه بعيش حياته معكوسة، يصحو ليلا لينام في النهار، عندما كنت أتأخر للساعة العاشرة مساءً اصحو وأنا اشكو لحجارة الأرض ساعات أرقي الطويل وسهادي، واتخذ كل المحاذير والاحتياطات اللازمة من موز وشمام وكؤوس الحليب الساخنة لاعوض ذلك السهر في الليلة التي تليها.. 

أسابق الليل لاحلامي واشباحي الرقيقة الناعمة، لا تندهشوا مرڤت أمين موجودة منذ البداية وقد تستمر إن لم أكتشف سر بقائها تحت سريري، لكنها كانت أكثر وداً ولطافة لا أنسى كيف كانت تسخن لي كأس الحليب ليساعدني على النوم .. 

النوم، ذلك اللغز الجميل الذي لم اشبع من ساعاته قبل الحرب لأتمكن من حله، ربما بعض الألغاز لا تحتاج لفكها، سحرها واثارتها يكمن في غموضها، كيف لنا أن نحل شفرة شربة الماء الباردة وهي تطفىء عطشنا أو اللحن الجميل حين يسري في خلايانا لنتمايل عليه ، وكذلك هو النوم .. 

 أين يذهب النوم في الحرب ولماذا رضي باستبداله بهذه الغفوات المبتورة المريضة، هل غادر لعدم تلهفه على الغد؟!، أم أن الجبهات في حاجة إليه أكثر منا؟!.. 

كل ما أخشاه عدم عودته، أو عودة لا أتعرف عليه من خلالها، اطرده عن جهل رغم انتظاري ولهفتي له وقد نسيت شكله الذي شاخت ملامحه كما شاخت روحي حين إعتادت على الغفوات القصيرة، وسمومها.. 
 نور

السبت، 24 أغسطس 2019

تجارة خاسرة


نور ناجي

من السخف اعتماد لفظ "الخيانة" على العلاقات بين الدول، فالمصالح كانت ومازالت الدافع الذي يحرك تلك السياسات، إلا أن المواطن اليمني أختار تغليب عواطفه وأصر على أن التدخلات الساعية لانفصال وتقسيم اليمن ليست سوى فعل خائن، على الرغم من أن سرية التخطيط ومفاجأة الفعل، شرطا وقوع خيانة ما، غير متوفر لإسقاطه على ما حدث، كما أن ذلك التدخل لم يكن مرفوضا بالنسبة له حتى تجاوز حدود "تدخلات سابقة" حملت موافقته الضمنية!
 
فقد اعتاد اليمني على تدخل المملكة العربية السعودية في شؤون بلاده منذ تأسيسها، وبرر ذلك الاعتياد بالحاجة واقتضاء المصالح والجوار الذي يربط الدولتان بمصير مشترك، فمهما بلغ الاختلاف مع المملكة لن ترجح الجارة فوضى ملاصقة على بقاء دولة لا تمثل أوضاعها الاقتصادية تهديد خطير.
 
استخدمت المملكة لتنفيذ نهجها السياسي في اليمن وجاهاته القبلية والشخصيات ذات الثقل الاجتماعي بالإضافة إلى الأحزاب على الرغم من خطورة ذلك الاستخدام، فاحتمالية الانقلاب عليها وارد وغير مستبعد أمام مزاج القبائل أو أولويات الولاء والانتماء للقوى السياسية، إلا أن مكانتها كدولة تحترم نفسها منعها من تغيير تلك السياسة على الرغم الانتقادات التي لم تكن تسلم منها من قبل الرافضين لذلك التدخل.
 
لم تعتمد الامارات ذات السياسة بعد توغلها في الداخل اليمني، قد يكون تدفق الأموال النقطة الوحيدة التي ربطت دول التحالف مع الأطراف اليمنية مع اختلاف الطريقة والأسلوب، قد يصاب البعض بالحيرة أمام سياسة الإمارات، فبعد انضمامها الحماسي للتحالف الساعي لإزاحة انقلاب صنعاء وإعادة الشرعية لموقعها، لم تنكر دعمها المبكر لفكرة تقسيم اليمن.
 
لم يمثل ذلك الدعم خطراً حقيقياً في حينه فلم تكن الأدوات التي استخدمتها بشخصياتها الهزيلة تنبئ عن رغبة حقيقية للانفصال بقدر ما كانت أوراق ضغط على الدولة اليمنية، إلا أن تلك الأوراق احرقت حين وضعت على الطاولة في توقيت أبعد ما يكون عن تحقيق هدف الانفصال المعلن.
 
حول اليمني نظره الى الشقيقة الكبرى في نظرة مليئة بالشك، هل غيرت المملكة سياستها القديمة؟ وانبهرت بسياسة القراصنة التي لا تحمل الكثير من الأعباء رغم خطورتها، أم أن الامارات قصدت بدعمها الانقلاب اظهار المملكة بهذا العجز والضعف.
 
هل المملكة فعلا بهذا الضعف، يتساءل اليمني وهو يراقب ردود أفعالها البطيئة عبر ورقة الشرعية التي تمسكت بها المملكة في أروقة فنادقها، وقد أدرك أن انفصال اليمن لم يكن السبب الحقيقي لدعم الامارات المفاجئ للانقلاب بقدر ما كان الطريقة الاسرع لقطع الطريق أمام مطامع ونفوذ جديدة.
 
من السخف اقرارنا المتأخر بأننا مجرد متفرجين عديمي الإرادة أمام ما يحدث على بقايا دولة يفترض أنها ما تبقى لنا، أخذنا دور المشاهد والمراهن على المنتصر والأرباح التي يمكن أن نجنيها من ذلك الترجيح، على الرغم أن تجزئة اليمن التي تدعو إليه الإمارات لا يختلف فعليا عن ابقاءه عاجزا ضعيفا أمام الجارة الكبرى.
 
قد يكون إلقاء اللوم على الغريب هروب من حقيقة أننا أصحاب الخطيئة الأولى بتجاوزنا عن التدخلات الخارجية السابقة واعتبارنا شراء الولاءات مجرد لعبة ستبقى بتكاليف مخفضة، دون أن ندرك أننا أصدرنا بقبولنا لها تشريع مبطن للخيانة سيجعل المواطن البسيط ينظر إلى ما يحدث على ارضه بلامبالاة وكأنه اي من الأحداث لا يخصه، في أحسن الأحوال سيكتفي بالركون الى حق سيأتي دون تفعيل اسبابه!!، ناهيك عن محترفي التجارة الذين وجدوا في الحرب المستمرة وفوضاها سوق لا يختلف عما سبقه من مزادات شراء الولاءات والذمم.
 
لكن الأسواق لا تبقى مشرعة أبوابها للأبد، في لحظة ما سيتفرغ روادها لإحصاء الخسارة والربح، وللأسف سيكتشف اليمني الذي تاجر بأرضه أنه الخاسر الأكبر، وأن الدولة الهشة التي استخف بوجودها وسعى لإضعافها ستكون أقصى طموحه حين لا يجد أرض تحتويه بأقل قدر من الاحترام.

السبت، 17 أغسطس 2019

ذرات تحت السجادة


نور ناجي

مازالت الأجيال تتوارث عيوبها، قلت هذا لنفسي بعد أن رفعت السجادة في إطار حملة " تنظيف دورية" كنت توقفت عنها حين اعتمدت على غيري، التاريخ يعيد نفسه بمنتهى الفجاجة ولن تتوقف الصغيرات عن إخفاء الأوساخ والأتربة في غفلة من الأهل تحت السجادات، لكي تتأكدوا من هذا الأمر ما عليكم سوى رفع أطرافها قليلاً.
 
يفترض أني في حالة نقاهة بعد أحداث الانقلاب الأخير في عدن استعدادا لآخر، - من المسلي أن تحيا في فترة تاريخية تركزت فيها انقلابات العالم في محيط بلدك -، لكن ذرات الغبار المتراكمة تحت سجادتي اعادتني وبمنتهى القسوة للتفكير فيما جري ويجري على الساحة اليمنية، البعض يبحث عن طريقة للانتحار بطريقة غير مباشرة ولن يجد أفضل من متابعة أخبار اليمن لتنفيذ خططه!
 
متى تراكم هذا الغبار، وكيف اختفى عن بصري؟!، سالت نفسي وأنا امرر أصبعي على ذرات الغبار، ما اشبهه حال أرضية الديوان تحت السجادة بأرض اليمن!، لم يكن أسوأ المتشائمين ليتوقع أن هذا يمكنه أن يحدث.
 
ربما لست دقيقة في هذا التعميم، فقد استبق شخص هذه الأحداث وهدد بحدوثها حيناً وساخراً حيناً آخر، لكننا رفضنا تصديق تنبؤات الرئيس السابق علي عبد الله صالح على الرغم من أنه كان الأكثر دراية بأحوال اليمن، ليس لأنه بالغ الذكاء أو يمتلك حاسة سادسة بل لأنه كان السجادة التي غطت اليمن طوال أكثر من ثلاثة عقود.
 
قد يغضب البعض لهذا التشبيه، وقد تمنع البعض كراهية عمياء للرئيس السابق من الاعتراف بحقيقة أننا لسنا بالطهر الذي كنا ندعيه وإن الرجل أخفى الكثير تحت حكمه، بقصد او من غير قصد، ربما لم يكن حرصه على مصلحة اليمن هو الذي جعله يقوم بدور السجادة الزاهية في المقام الأول بقدر رغبته بالبقاء على سدة الحكم أطول فترة ممكنة، على أي حال لم يكن استمراره بالحكم أو إزاحته عنه سيحدث فرق سوى اختلاف توقيت معرفتنا بما كنا نخفي، فلم يملك الرجل رغبة حقيقية في إزالة ذلك الغبار أو ربما لم يتمكن من ذلك.
 
أزيح الرجل من مكانه، وفارق الحياة لتختفي مع رحيله كاريزما هائلة لا يمكن للعدو قبل الصديق أن ينكرها، وتوقع المنظرين أن رحيله سيفسح المجال لظهور وجوه كانت تحجبها شعبيته إلا أنهم تفاجأوا بساحة رمادية فارغة، واتضح مع مرور الوقت أن وجوده هو ما كان يمنح معارضيه ومؤيديه على السواء بعض من تألق ولمعان!
 
قد يكون في مثل هذا الحكم قسوة على المعارضة التي واجهت صالح في السابق بمنتهى الجسارة، فقوانين حرب اليمن المعكوسة كان لها دور كبير في التأثير على ما كان متوقع منهم، يفترض بالحرب أن تخرج رجالها، قادتها الذين انضجتهم التجربة القاسية، هذا ما اعتادت الحروب التقليدية على القيام به بجانب القتل والتدمير، لكن هذا لم يحدث في اليمن وافرغت الصور القديمة من محتوى كان يظنه البعض فيها.
 
كنا من السذاجة في فبراير حين أيقنا بأن كل شيء سيسير على ما يرام بمجرد ترديد النشيد الوطني بإخلاص وتفاني دون أن نتدارك خطيئة تقليص مساحات اليمن بساحات الاعتصام واغفلنا حقيقة أن الاقسى من المؤامرات قد يحاك تحت ألوان الأعلام الوطنية، وهذا ما قام به الحوثي وجماعته حين تسلل للساحات متخفيا بشعارات الديمقراطية والدولة المدنية وجعل منها الطريق الذي قادهم الى صنعاء.
 
سيتهم الكثير الرئيس السابق بمساندة جماعة الحوثي في انقلابه نكاية بالشعب الذي تظاهر ضده وأرغمه على تسليم سلطة لم يكن يخطط لتسليمها يوما، قد يكون ذلك حقيقي بنسبة كبيرة، لكن صالح لم يكن الوحيد الذي مد يد العون لهذه الفوضى، كل ما فعله أنه أزاح جزء من سجادته نكاية بسذاجتنا، وترك لذرات الغبار أن تقوم بما توجب عليها فعله، وقد قامت بذلك بجدارة لا يستطيع أحد انكاره عليها.
 
مخطئ من يظن أن عقاب الرئيس السابق ابتدأ لحظة تمهيده " وغيره " لإسقاط صنعاء ومن ثم الوطن بأكمله، فقد أنجز معظم مهزلته حين اسقطنا كشعب بين الايادي الأمينة التي أصر على تسليمنا اليها وهو على ثقة بأن لا أمان لها، لن تجد أقدر منه في معرفة ما تخفي سجادته، ليتضح لاحقاً أن اتهامات الفساد والعمالة التي وجهت له ليست سوى ذرة صغيره تحت ركام من خلفه.
 
نال الرجل عقابه، سيقول البعض متشفياً، لكنه لم يكن المذنب الوحيد، من الجائر القاء العنصرية والمناطقية والحزبية التي مارسناها ضد بعضنا البعض على الرجل، وليس من اللائق التنصل من العمالة التي أصبحت مشاع وتهمة يسعى الكثير للالتصاق تحت بساطها، حتى جعلتنا نتأكد أن ما نعانيه ليس سوى جزء بسيط مما نستحقه.
 
يبدو الوضع بائس ومزري، وهو كذلك بالفعل، لكن نظرة بسيطة للخلف ستجعلك تدرك انها ليست المرة الأولى، فعلى مر التاريخ اليمني كانت هناك الكثير من لحظات سوداء غطت الأرض والسماء بعواصف هائلة لم تكتفي بحجب الرؤية بل حجب الامل أيضا، إلا أنها انتهت، فالأرض تطهر نفسها تلقائيا بالأقدار التي تتهيأ لها، وليس ما نواجهه في نهاية المطاف سوى مجرد غبار، ومصيره الزوال.
 
بالنسبة لي سأنتظر تلك اللحظة بقدر التفاؤل الذي سيمنحني إياه تنظيف سجادتي وقد عاهدت نفسي أن لا اركن لأي أيادي أمينة من الاقتراب منها مجدداً.

السبت، 3 أغسطس 2019

أطلال شعرية


نور ناجي

 يقول لبيد بن أبي ربيعة في بداية معلقته:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَـا بِمِنىً تَأَبَّـدَ غَـوْلُهَا فَرِجَامُهَـا
فَمَـدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَـا خَلِقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِىَّ سِلامُهَا..
 
مازالت أتذكر تأكيد معلم اللغة العربية بأن الوقوف على بقايا الديار من أهم السمات التي تميز بها الشعر العربي القديم والذي قد يلحقه قليل من غزل صعب المفردات.

ألم يكن بإمكان شعراء ذلك العصر اختيار مواضيع أكثر مرحاً وتسلية، تساءلت حينها بملل بينما أنتقل من القصيدة لأخرى، لم يكن من داعي لمحاكاة بعضهن البعض في النواح والعويل إلا أن كانت الكآبة سمة ذلك العصر!..
 
لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ
وُقُـوْفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُـمْ يَقُـوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلَّـدِ..
 
تكاد ترى طرفة أبن العبد وهو يترك مطيته ويسير على الرمال قبل أن يغرس كفيه بلوعة بين ذراتها الساخنة، ألم يكن الأجدر به القتال في سبيل بقاءه جوار خولة على مغادرتها ليعود بعد سنين باحثاً عن " وشم " يبكيه؟!..
 
ربما يتهم البعض خولة ويلقي عليها أسباب ذلك الهجر !، لكن ماذا لو كانت بريئة، ولم تكن هي البطلة الحقيقية أو المعنية بتلك الأبيات، قد يبدو الأمر صادماً، لكن قراءة البيت أكثر من مرة يشعرك أن وقوف الرجل لم يكن سوى محاولة منه لإحياء ذكرى موضع جمعهما، فأسى الأبيات انصب على ماضي المكان وتضاريسه أكثر من اهتمامه بحال خولة أو أخبارها!..
 
لن أستغرب أن يكون الحنين للماضي هو ما حرك مشاعر أبن العبد، أليس الشوق  في حقيقية الأمر هو ما يجعل منا بشر، ما يجبرنا على الاستدارة بين الحين والآخر لمعرفة القيمة الحقيقية لما خلفناه في الحياة..
 
لم يكن امرؤ القيس بأقل من طرفه فكان لزاماً عليه أن يقف هو الآخر على أطلاله ويجبرنا على حفظ خريطتها :
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ..
 
ما بال العربي لا يترك أرضا حتى يعود للبكاء على أطلالها، يتعمد الهجر دون أن تعجزه الأسباب، ولا يرجع حتى يتأكد أنها أمست بلا حياة؟!..
بعيدا عن هاجس الشهرة وخلود القصيدة الذي لا بدّ وأنه راود كل شاعر، إلا أن استنزاف أرواح البعض منهم أمام تلك الإطلال بدا وكأنه عقاب لأنفسهم يزيدون من قسوة جلداته كلما برد لهيبها، الا يثير  ذلك النعي المبالغ فيه فينا الريبة، ويجعلنا نشكك في أمره وأسبابه أحيانا؟!.
 
هل كان امرؤ القيس يبكي أرضه حقا أم أن دموعه أخفت رغبة دفينة في هلاك كان تمناه لها؟!، هل تذكر سنوات عمره التي اختطفت منه وهو يبحث عن سبيل عودته إليها، أم أنه وقف مندهشا أمام رقصة أشباحه المحتفلة بما أصابها من بعده؟!..
 
أي أرض لا تقبل بك حتى تنزف نفسك وغيرك للحصول عليها؟!، لعل الأمير المقروح أخفى بعض من تشفيه، وشماتته لأرض رفضته سابقاً فمنحته لحظة وقوفه على ركامها بعض من سلام كان يرجوه؟!، أيا كان شعوره لم يكن ليمنعه من البكاء الصادق، لعل الصدق يزيح بعض مما علق بالروح من تعب! ..
 
بإمكان البعض رفض هذه النظرية، وتقديم دليل خطأها عبر خطاب عنتر بن شداد لمنازل عبلة، أليس هو القائل:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ أم هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّـم
يَا دَارَ عَبْلـةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِـي وَعِمِّي صَبَاحاً دَارَ عبْلةَ واسلَمِي..
 
لم يستنكر عنتر الوقوف على الأطلال واعتصار روحه في سباق البكائيات وحسب، بل انتقد وبكل شجاعة شعراء لم يتركوا أثرا إلا وقتلوه وصفوا وتباكيا، وانحنى رغم كبرياءه لمنازل عبلة وطالبها الحديث نيابة عنه وهو الشاعر الفذ ذو اللسان الطليق، دون أن يبدو عليه رغبة لتحولها حطام وهباء منثور..
 
مخطئ من يظن أن عنتر كان مختلف عن  الآخرين، ربما كان أكثر الشعراء الذين اعترتهم الرغبة في البكاء، بكاء طويل، إلا أن الظروف التي عايشها جعلته يكتم ضعفه وينظر لتلك الديار بطريقة مختلفة، فقد قضى سنوات طويلة من حياته في عبودية كان شرطها الأساسي أن لا يتجرأ مملوك على فكرة امتلاك جسده فكيف حين يفكر في وطن خارج حدود مالكه، لكن الشاعر الأسمر كان عنيدا واختار بكل تصميم وإرادة تغيير حدود أرضه..
بعض الجدران تكفي من لا وطن له، لكن لا أحد يعلم ما الذي كان سيقول عنتر لمنازل فارغة من الأماني إن طالت به الأيام وهو يسكنها؟!..
 
اختلفت نظرتنا للقصائد عما كانت منذ زمن، ولم تعد ثقيلة الوقع على مسامعنا بل أمسينا نحن من يتنقل بين أبياتها علها تخفف عنا بعض من وحشة ومعاناة وقد أدركنا مدى الشبه والتطابق بين مشاعرنا وبين ما حملت تلك القصائد من شجن.
 
مازلت أوطاننا قاسية علينا، منذ حطت عليها بدايات أعمارنا وهي تدير لنا ظهرها، ويبدو أن العشق الذي مازلت حروفنا تذرفه عليها ليس كاف ليشفع لنا، قد تكون الشوائب العالقة فينا والعصية عن النزع سبب ذلك الصد والتجني!.
 
لكننا لسنا سوى مجرد بشر ومن الصعب على قلوبنا تبادل حب نقي مع عاشقة لا تملك قلب، ما أن تستبشر بكاس ماء من يدها حتى تختنق بملوحة لا تزيدك سوى عطشاً..
عاشقة كان قد وصفها عبيد ابن الأبرص قبلك بأن الخطوب قد " بُـدِّلَـت أَهلُهـا وُحـوشـاً وَغَيَّـرَت حالَهـا"، فلم يعد تخليها عنك في محنتك وترك أبوابها مشرعة لغيرك وأنت تعاني الريح والبرد وحرمان الأسقف الآمنة بأمر مستغرب عليها..
 
مازلنا كأجدادنا نسعى للهجر_ ما أن يتاح _ إلى أرض جديدة قد نتمكن فيها من الارتواء، بالطبع لن نحظى بذلك الحنين الممزوج بقطرات دماءنا، لكننا لن نعجز عن خلق غيره، وإن عجزنا وباءت محاولتنا بالفشل، لا ضير من خلو ذاكرتنا من الأوجاع، لعنا بذلك نرتاح من النظر المتكرر للخلف والتعلق بآثار لم نسلم من أذاها، ونكتفي في رحلة وداعنا بأبيات أطلال باكية حتى نطيق الوداع:
 
وَدّعْ هُرَيْـرَةَ إنّ الرَّكْـبَ مرْتَحِـلُ وَهَلْ تُطِيقُ وَداعـاً أيّهَـا الرّجُـلُ؟ ..الأعشى
  •  

السبت، 27 يوليو 2019

انتقام مسبق..


نور ناجي

  من الصعب تخيل مشاعر إنسان أدرك تمام الإدراك اقترابه من لحظة النهاية!..

قضي الأمر بالنسبة " لمجاهد قشيرة "، ولم تكن أيام أو ساعات أضافية ستغير من حقيقة ما سيقع، فقد كان قبل فترة وجيزة حليف للحوثي ومشارك لمليشياته في جرائمهم،  ويدرك أكثر من غيره شناعة انتقامهم وعدم تساهلهم مع أي محاولة تمرد قد تغري غيره بالقيام بها..
 
أدرك الرجل أنه لم يعد يملك حق الرحمة أو المغفرة، فقرر أخذ حق دمه مقدماً، " ما الداعي لتأخير الثأر حين يتوجب حق الموت؟!"، ربما كان ذلك التساؤل هو ما منحه شجاعة لا يمكن لأحد إنكارها وجعلته يقرر  في أخر لحظات حياته أن يعلي من شأن موته، وينتقي ما يجده مناسباً أو متاحاً كثمن له..
 
يخطىء من يظن أن نشر الفيديو الخاص بسحل جسد " مجاهد قشيرة " كان هدف مقصود من قبل الميليشيا بغية إثارة رعب أعدائهم، أو من أجل المزيد من الخضوع والخوف في قلوب ساكني المناطق الواقعه تحت سيطرتهم، بالطبع كان الخوف سلاح الميليشيا الأقوى عبر  سنين الحرب، السلاح الذي لم يكن هو مبتكره الأول، فقد أسرف الإنسان منذ خطواته الأولى في تذوق الخوف حتى أدرك مدى خطورته وإبعاده وفوائده، وصار بإمكانه تصنيف الخوف بالسلاح الأخطر الذي تمكن البشر من صنعه على الإطلاق..
 
لكن الوقت لك يكن مناسبا لاستخدام الميليشيا مثل ذلك السلاح، خاصة مع محاولاتها الحثيثة إظهار عصابتها أمام العالم كدولة تبسط نفوذها وأمنها على مناطق سيطرتها، فكما أخفقت الميليشيا في تلفيق محاولة هروب الرئيس السابق وقتله بتلك الطريقة الوحشية، خرج الفيديو الأخير بصدمة لم يكونوا بحاجة إليها..
 
أتوقع أن من قام بنشر ذلك المقطع الذي تجاوز  الأعراف والتقاليد والقيم الإنسانية، حصل على الكثير من التأنيب لقيامه بذلك، فليس من المفترض تسليط الضوء على الغضب الذي نال من الميليشيا تجاه جثة فارقت الحياة، غضب جعل المواطن الذي اعتاد على همجيتهم يتساءل، بعيداً عن العدالة والجزاء الإلهي الذي لابد وأن ينال أي حليف للحوثي :"  لماذا مجاهد قشيرة بالذات، بينما تم اغتيال الكثير من الحلفاء والتخلص منهم بمنتهى البساطة؟!"..
 
هل كان تجرأ "قشيرة " على مواجهة الموت هو من أشعل جنونهم؟!، أم أن فكرة انتقامه المسبقة كانت هي من أوجعهم؟!..
 
كثيرة هي الثقافات القديمة التي أسالت الدماء إرضاء للالهة وقدمت القرابين إظهاراً للتفاني والانقياد للقادة والزعماء، بعثها الحوثي مجدداً مستخدماً الغلاف الديني الزائف والجهل لتلبية حاجته لوقود حي من البسطاء الباحثين عن الجنة..
فكان الموت وشجاعة مواجهته الصفة التي مازالت جماعة الحوثي تتباهى بها، الصقوه في شعاراتهم، وزاملهم، محاضراتهم، روضوه بين أيديهم في أعين أحبائهم قبل أعدائهم، تعاملوا معه كوجبة بسيطة ورفعوا من تقدم إليه إلى مراتب الاضحيات المباركة، فكيف لأحد أن يضاهيهم بتلك الأضحية..
 
ليس ذلك وحسب، كان تعدي قشيرة على التفكير بأخذ حقه المبكر منافسة في السعي للانتقام الذي كان ولازال أساس وجود الحوثي والفرق المشابهة له فكرياً، الفكرة التي توارثتها تلك الجماعات وأمدتها بالحياة عبر مئات السنين، فلا يجوز لبضع رصاصات من يد رجل موشك على الموت أن تنافسهم أو تنتزعه منهم..
 
تخسر الميليشيا الكثير، وتدرك ذلك جيداً..
 
ربما كانت اضحياتها البشرية أقل خسائرها ثمناً، فالكثير من الجرائم تنتظر سداد حسابها، لعل الإمعان في ارتكاب المجازر وسيلة الميليشيا في تأجيل شبح ثأر متأخر، حين يقف اليمني أمام مقابر أبنائه التي فتحت هباء بينما تشبث أرباب والهة ميليشيا الموت بالحياة بطريقة مريبة ومخالفة لما دعوا له؟!..
 
بإمكانك مواجهة الموت بالقليل من الشجاعة، لكن استمرارك في الحياة بعد كمية الخوف الذي أجبرت على تجرعه سيحتاج لكثير من غفران ليس من السهل أو العدالة منحه!..

الأحد، 21 يوليو 2019

تروس صدئة


نور ناجي

لم تقف في الخامسة من عمرك تتفحص أفراد مستعمرة النمل الغادية والرائحة لتقارن بين لونها الأسود ولونك، ولم يكن تفاوت حجمك وحجمها الصغير ليثير انتباهك أو سخريتك بتاتاً، لعلك لبثت طويلاً حتى اقتربت منك احداهن وعرضت عليك صداقتها!
 
لم أفهم في الثانية عشر سبب الهمسات المحذرة لي من صحبة الفتاة المسيحية القريبة من عمري في العمارة المجاورة: "لا بدّ وأن أخلاقهم بسبب لحم الخنزير الذي يتناولونه حتى التصقت رائحته على جلودهم!".
 
لم يكن التحذير كاف لابتعادي، بل زاد فضولي لمراقبتها والتقاط رائحتها العفنة، دون جدوى!..
 
في المرحلة الإعدادية أخبرتني إحداهن أن الشيعة يخطون أسماء الصحابة على أرضيات حماماتهم، وحين يأتي الوقت المناسب سيجبرونا على ذلك نحن أيضاً، إن تركونا أحياء. فلابد وأن تُدفع ثمن دماء أريقت منذ أكثر من ألف عام، قالت ذلك بكل حزم!.
 
حاولت تصديقها، لكني لم أستوعب تشويه أحدهم أرضية منزله من أجل ثأر بذلك القدم، لم يكن من السهل عليّ حينها إدراك معنى توارث الانتقام، حتى اكتشفت أن المنطق والمعقول ليس شرط لوجود المدافعين عن الأفكار الحمقاء..
 
لن تجد ما يرضيك في كتب التاريخ الخاصة بنا سوى الملاحم والاساطير التي تمجد لمعارك راح ضحيتها الآلاف، وفي نفسك شك إن كانت لعنة قبيلتي "داحس والغبراء" المتسبب الفعلي لها قد انتهت فعليا، أم مازالت "البسوس" كامنة فينا وتنتظر أسباب أشد تفاهة وسخفاً لتنبعث من جديد..؟!
 
ما أن نفتح أعيننا على الحياة حتى نجد أنفسنا مثقليّن بقيود من المخاوف والتحذيرات، قيود تحذرك، أنت في خطر، محاصر وملاحق من الأعداء، هناك من يسعي لأذيتك، للنيل منك وإسالة دمك، يقصدك على الدوام في تلميحاته واشاراته الخفية، لتبقى في توجس وقلق لا نهاية له..
 
وعلى النقيض من تلك القيود، ستجد أخرى بمذاق مختلف؛ تستمع إليها في حالة نشوة وهي تبرز نقاط تفوقك على الآخر ، أنت مختلف، لست "نملة" كالآخرين، لا يهم أبدا أن يكون سبب تفردك مهارة قمت بها، أو مجهود بذلته، فلديك ما يغني من جينات كتبت التاريخ يوماً وجعلتك خارج تصنيف البشر..
 
لدينا كل الأسباب التي تجعلنا نقف في أماكننا دون حراك.. أصنام، تروس صدئة خرجت عن العمل منذ قرون، نتوارثها جيل بعد آخر دون أن نشكو من جور حملها أو من حتمية نتيجتها التي تجعل الآخرين يستهينوا بنا ولا يأخذونا على محمل الجد..

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...