الأحد، 15 ديسمبر 2019


متلازمة "شرف الدين"..(2)


نور ناجي

ليست مفارقة غريبة أن يكون "المطهر يحيى شرف الدين"، والملقب بالسفاح هو من استدعى الأتراك لحرب والده "يحيى"، أنها "متلازمة شرف الدين"، الداء الذي يجعل المرء يحارب والده من أجل الدفء الذي تمنحه صنعاء؛ إن لم تكن الأسوار لي لن تكون لغيري!..
 
استقرت قوات الاحتلال العثماني في اليمن. كانت تعز  عاصمة لهم، إلا أن المدينة لم تجد الاهتمام الكافي حتى تترك القبائل المتقاتلة اسلحتها، وتتجه نحو قلب الدولة الاقوى. على خلاف ذلك، كان الاتراك قد اختاروا استنزاف طاقتهم في اليمن الأعلى، وتخلوا عن التزاماتهم للمناطق التي وجدت فيها ضررا أخف من أذى الامامة..
 
أدرك الاتراك متاخراً أن تمسك الإمامة بصنعاء لا يهدف لتأسيس دولة بقدر اعتمادهم على تحصينات لم يكن لهم أن يستوفوا شروطها، فلن تقبل القبائل استبدال الأئمة بالأغراب على أي حال، ليغادوا اليمن بعد ذلك يجرون خلفهم هزيمة مرة..
 
أطل النهار على"القاسميين"- الأئمة الأقوى في تلك المرحلة- ليجدوا أنفسهم قد انتقلوا من دور المعارضة المسلحة الذي اعتادوا عليه، الى حكم الدولة بأبسط تعريف ممكن: "مساحة من الأرض يعيش عليها مجموعة من الأفراد يفترض أن تديرهم سلطة لها الحق باستغلال الموارد في سبيل تقديم الخدمات وتوفير الأمن الداخلي والخارجي"..
 
كيف للإمامة، التي اعتاشت سابقاً على غنائم الحرب والتخفي خلف الحصون، أن تدير مثل تلك الدولة؟!..
 
كان لدى الأئمة عدة أمثلة لدول ناجحة قامت على أرض اليمن، قد تكون الدولة الرسولية التي استمر حكمها لأكثر من قرنين أبرزها..
 
مازال الجميع يتذكر كيف رست سفنهم على السواحل اليمنية، ليقع إختيار "توران شاه "- بعد نصح الاطباء- على سفح جبل صبر الخالي إلا من حصن "القاهرة"، دون أن تدخل صنعاء في أي قائمة للمفاضلة عليها ..
 
قد يكون الأمن الشخصي شرطاً لطول عمر الحاكم، لكن التخفي خلف الحصون لا يبني الدول أو ينشيء حضارات. فهناك الغذاء (الاقتصاد)، الحاجة الأساسية التي يفترض أن تتبادر إلى ذهن أي حاكم يستشعر مسؤوليته؛ أمن لا يشمله ورجاله بقدر ما يشمل أصحاب الأرض كافة. وقد تم اختيار "منطقة تعز" التي تتوسط مرتفعات زراعية خصبة، والمطلة بذات الوقت على أهم سواحل اليمن، لتكون مصدراً لذلك الأمن. ليس ذلك وحسب، فقد كان ميناء عدن الذي أخذ يرسل خراجه للمدينة أربعة مرات في العام على مدى بصر أولئك الحكام، ليبدا العامة بترديد مقولة: "تعز كرسي اليمن وخراجها عدن".
 
تخففت صنعاء من عبئها خلال فترة حكم بني رسول. لم تعد مطمع لما حولها. كما توقف النزاع والقتال في سبيل التحصن فيها، وقد تقلص كل إمام خلف اسواره الخاصة، يلعق متلازمته بألم متجنباً غضبة الدولة القوية. فهل حاولت الدولة القاسمية أن تقتدي بتلك الدولة أو غيرها التي لم تحجمها اسوار صنعاء، أم أن الداء مازال ملازما لها حتى وقد منحت دولة لم تكن لتحلم بنصفها! ..
 
كان من المدهش استيعاب أئمة الدولة القاسمية لكافة تفاصيل مظاهر حكم العثمانيين، على الرغم من نقدهم السابق واللاحق له. فلكل مقام مقال، وقد تحقق المقام الجديد، باستلامهم الحكم وإبقائهم على القوانيين الجائرة التي سنها الأتراك من قبلهم! ..
 
بالرغم من الإستقرار النسبي، والحركة الفكرية التي نشأت في بداية فترة حكم القاسميين، إلا أنك لن تجد لهم أي مشروع يوازي ذلك الإستقرار: لا طرقات، أو تطوير مؤاني وشبكات ري، أو حتى الشكل الابسط لتنمية تحتاجها أي دولة. فلم تكن الإمامة لتتخلص من متلازمتها بتلك السهولة، لن تركن للسلم وتترك أسوار المدينة في سبيل مدن أخرى أكثر انفتاحاً وموارد..
 
لكن ذلك لم يمنع القاسميين من إبداع صناعة إقتصاد خاص، لم يسبقهم إليه أحد!!..
 
كانت الإمامة أضيق من أن تخرج عن صنعاء فكيف لها أن ترى ما يحيطها إلا عبر ما برعت به على الدوام: "الفتاوى" واجبة التنفيذ لضمان دخلها وامنها أيضاً، ليس من السهل أن تجد دولة تعتمد على "الفتاوى"، إلا أن القاسميين فعلوها وبجدارة!!. ..
 
ربما كانت أشهرها تلك الفتوى التي جعلت من اليمن الأسفل مناطق "كفرية"، بسبب إقامة الأتراك "الكفار" عليها. على اعتبار أن البلد الذي تظهر فيه "كلمة الكفر" تصبح كفرية، ولو كان أهلها وسكانها لا يعتقدون الكفر ولا يقولون بمقالة أهله!..
 
أنه التكفير بالإلزام: تكفير الآخر، وهو لا يعتقد به ولا يقول بأي مقالة فيها كفر أو شبهة له !!..
 
حولت تلك الفتوى مناطق اليمن الأسفل، بالإضافة إلى يافع وحضرموت من "أرض عشرية" إلى "أرض خراجية"، لتتغذى الصراعات القبلية والمذهبية والمناطقية بين اليمنيين. كانت تلك اهم صناعات الإمامة المتخوفة: التفنن في خلق "عقد الذنب والنقص"، لا بد وأن يشعر بها كل من خالف مذهبها أو وافقه!..
 
ضمنت تلك النوعية من الفتاوى الخراج، كما دعت أفراد الطبقة الحاكمة من آل القاسم الى الخروج الحذر من صنعاء وتكوين اقطاعيات خاصة بهم، دون السماح بفتح ابواب مدينتهم المحصنة لسواهم. وقد أمسى سكنها منحة بإذن خاص من الأمام: "لا يسكن المدينة إلا من يستحقها!". هكذا قالت المتلازمة، التي مازالت تنظر بعين الريبة الى مناطق الأعداء خارج أسوارها..
 
بعيدا عن شعور أغلبية الأئمة، بأن كافة ما تنتجه الأرض "الكافرة أو المسلمة" يجب أن يكون من نصيبهم، كان مال الآخر رديف للقوة التي ستغري صاحبها ذات يوم بالانقلاب والثورة عليها، وقد واجهت الدولة القاسمية الكثير من محاولات التمرد التي قمعت بأقصى أنواع التنكيل، لذلك وجب تجنب أي تمرد جديد بإفراغ جيوب اليمنيين عبر "اتاوات" جديدة، على سبيل المثال: ضريبة الصلاة على الشخص الذي يصلي (مطلب الصلاة على المصلي) ، ضريبة التبغ، رسم مائدة الأمير (مطلب سفرة الوالي) ، رسم العيدين، وغيرها..الخ.
 
مازال الأئمة يشعرون بالقلق، واستخدموا الكثير من أبناء القبائل المؤمنة بمذهبهم لعلهم يزيلون عنهم ذلك القلق والتوجس. لكن ذلك الاستخدام لم يشفع لأبناء القبائل أو يمنحهم بعض من مساواة قد يطالبون بها، مازال رابط الدم هو الشرط الأساسي لقبولك كفرد كامل في دولة الأئمة.
 
ستجد أن إيراد قبيلة الحداء، في كشوفات مالية لواء ذمار، كان تحت بند "عائدات زكاة الخوارج"!!، على الرغم من أن القبيلة كانت قد اعتنقت مذهب "الدولة"، وقدمت فروض الولاء والطاعة منذ أيام القاسميين الأولى..!!
 
ربما شعرت القبيلة بالسوء نتيجة تلك المعاملة، لكن ذلك لم يمنعها وغيرها من الانضمام إلى أئمة آل القاسم، الذين رفعوا نداء الجهاد ضد الغزاة مجدداً!!..
 
من الطبيعي أن تبقى مثل تلك الدولة تحت ظل التهديد والخطر الدائم للغزو. لا تستقيم فكرة بناء دولة وادارتها مع أئمة يحكمهم السقم، لا يجدون قوتهم إلا عبر عملية إضعاف غيرهم، ليتلازم على الأغلب غزو اليمن مع حكم الإمامة لصنعاء ..
 
مازالت متلازمة "شرف الدين" تقتات من أصحاب ذلك الفكر دون أن تمنحهم يوماً دولة بقدر ما منحتهم سجن اعتادوا النظر من خلف قضبانه..
 
لكن برغم ما قد تستفزك تلك المتلازمة مازالت هشاشة اليمني أمامها هي الأكثر استفزازا !!
 

السبت، 7 ديسمبر 2019

متلازمة "شرف الدين"!..


نور ناجي

  كان يشعر بالسقم، مازال متحصنا في "حصن الظفير"، أعلى حجة إلا أن ذلك لم يمنحه الشعور بالأمان؛ لا طمأنينة حقيقية خارج أسوار صنعاء. يعرف ذلك جيدا، كما كان يدركه أجداده الذين لم يتوانوا لأكثر من مائتي عام عن حربهم ضد الدولة الرسولية، استنزاف باهظ جنى غيرهم مكاسبه!..

ورث الطاهريون دولة بني رسول كل من السلطة والنفوذ، بالإضافة إلى كافة إيرادات الضرائب والتجارة، والتي كان يفترض بها أن تصب في خزائن الأمامة. ليس ذلك وحسب، فمازالت المعاهد العلمية "الكافرة" التي انشاءها الرسوليون تهدد بفناء قريب، إن لم يتم تدارك الأمر..
 
"لا بد أن  يجد حلا ؟!"، تمتم الإمام المتوكل يحيى شرف الدين بن شمس الدين، قبل أن يبتسم ساخر: "أي إمام هذا الذي لم تتجرا القبائل الموالية له بالمبايعة!"؛ ما فائدة الألقاب والإمامة دون أنصار وشيعة، ودون "الشعور بالأمان"!.

واجهت الدولة الطاهرية في منتصف القرن الخامس عشر الكثير من المخاطر، أهمها الصراع الخارجي الساعي لفرض السيطرة على طريق التجارة البحري، والذي كانت السواحل اليمنية وموانئه أهم مراكزه. ومن جهة أخرى لم تسلم من التمرد الذي كان يقوده الأئمة الداعين إلى أنفسهم بحقهم الإلهي في شمال البلاد ..
 
إلا أن ذلك لم يجعل الملك "عامر بن طاهر" يقبل بالغزو المبطن الذي ساقه إليه "حسين باشا كردي"، القائد الأول لأسطول الشراكسة، تحت مسمى "طرد البرتغاليين الغزاة على الدولة الإسلامية"..
 
للبرتغاليين مطامع كبرى، لكنها لم تمنع الملك الطاهري من التقاط رائحة غدر المماليك، تعددت المسميات والغزو واحد!..
 
سمع الإمام "شرف الدين" بالخلاف القائم بين الطاهريين والمماليك، ولم يكن ليترك تلك الفرصة تفلت من يده، إن لم يمكنه ضعفه اليوم من العودة إلى صنعاء، لا بأس من الاستعانة بالغريب، وبدأ الرجل فعليا بمراسلة المماليك!.

أبدى القائد الشركسي المرابط، وقواته، في جزيرة كمران اهتمامه برسائل المتوكل، على الرغم من عدم تأكده من ولاء الرجل، إلا أنه وجد في انضمامه المحتمل تأديباً مناسباً للسلطان "عامر بن طاهر"، وعذر أخلاقي قد ينطلي على أهالي الأرض التي سيقوم باجتياحها، كما أن أي صراع قادم مع البرتغاليين سيكون أسهل حين تملك قواعد قريبة..

لعلنا نخطىء الظن، ولم تكن مراسلة  المتوكل ل"الغزاة الكرام"- كما أطلق عليهم- إلا ليقينه بأنهم مدافعين مخلصين عن الإسلام الذي كان يتعرض لحملة  شرسة من أعدائه البرتغاليين. نقول ذلك باحثين عن عذر ينقذ الرجل من  وصمة خيانة لأرض ولد وتربى من خيرها، حتى نتوقف أمام ما ذكره المؤرخ الروسي "نيقولاي إيفانوف" في كتابه "الفتح العثماني للأقطار العربية"، والذي لم يستبعد فيه تحالف الإمام شرف الدين لكل من الصفويين والبرتغاليين، الذين رأوا فيهم حلفاء مخلصين وتوقفوا عن اعتبارهم أعداءً منذ عام 1513م!..
 
لم تكن صنعاء عاصمة مثالية للكثير من الدول التي أقيمت على أرض اليمن. مازال الطريق إليها صعباً، وابتعادها عن السواحل يمثل عيبا خطيرا لحاكم يخشى على حدود بلاده أو سواحلها. إلا أن الإمامة تمسكت على الدوام بصنعاء. لن تجد أسطول بحري أو جيش مترامي الأطراف أقامه إمام على مدى السنوات التي حكموا الأرض فعلياً، كافة التمردات الداخلية تقمع بواسطة أبناء القبائل، كما أن المخاطر الخارجية لا تمثل تهديدا مادام الأمن مستتب بالمدينة الحصينة..

اعتادت الإمامة أن تحكم من وراء قرى ومدن "محصنة" أو من وراء جدر، ولم تمثل لها صنعاء تلك الأهمية إلا بسبب ما تملكه من تحصين جغرافي أو بشري عبر القبائل المحيطة والتي تمكنت من اختراقها والتحكم بها مبكراً..

على عكس المناطق المفتوحة أو تلك البعيدة عن تحصيناتها والتي كانت على الأغلب عبئ مزعج بمناخ قابل للتمرد، فلا ضير من مقايضته بين حلفائها حال القوة أو خسارتها حال ضعفها..
 
استمر "المتوكل" بتأكيد وعوده للمماليك، حتى انضم مع القبائل الموالية له للقوات التي أخذت تنزل أسلحتها النارية إلى السواحل اليمنية، لتنطلق المعارك سجالاً..
 
حاول الطاهري تخفيف وطأة الأسلحة النيرانة- التي لم تكن معروفة لليمني بعد- باستدراج الغزاة نحو المرتفعات الجبلية إلا أن الأيادي الغادرة كانت له بالمرصاد، بعد أن خذلته كثير من القبائل المنضوية تحت لوائه، وتركته يحارب وحيدا، بينما أخذت هي تجري حساباتها في الربح والخسارة التي قد تجنيها حال مساندتها للمحتل..

انتهت المعركة بمصرع الملك المظفر وأخيه وهما يصدان الغزاة عن مدينة صنعاء، وسيطر المتوكل شرف الدين على صنعاء بعد أن تحصن خلف أسوارها، لم يكن ليبالي بمحاولة البقية من أمراء بني طاهر إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرض، على الرغم من رفعه سلاحه هو الآخر ضد سيطرة المماليك على صنعاء، فالحصول على المدينة كانت معركته الحقيقية، جائزته الكبرى دون غيرها، ولن يتنازل عن ذلك الحصن في سبيل وحدة أرض، أو ثأرا لدم يمني كان المتسبب بنزفه في المقام الأول..
 
لا بأس بعدها من أي معارك سيجبر على خوضها، سواء مع أئمة يجدون في أنفسهم الأحقية في الإمامة، أو مع آخرين لا يختلفون عنه بتحالفهم مع المماليك، "ليس في الأمر عدالة إلهية ضده!"، يقول في نفسه، وقد أدرك ان المتلازمة التي أصابته من قبل أخذت تعيد دورتها من جديد على أئمة غيره..
 
مازالت الإمامة بخير حتى تغادر صنعاء، ما أن تفقد أسوارها وطمأنينتها حتى تصاب بحالة من الهلع. وليس تقوقعها في الحصون النائية سوى مرحلة من التأهب والإعداد لموقعة جديدة، دون أن تهتم أو تبالي بالخسائر..
 
"دائرة مرضية" لم تكن الإمامة مسببتها منفردة بقدر ما شارك اليمني بها، سواء عبر  الفرقة والانقسام، أم تغليباً لمصالح أنانية بعيدة كل البعد عن مصلحة الأرض والوطن..
 
لا يعيد التاريخ نفسه كما نظن، بل يمرر عبرنا بعض النكات التي وجد فيها مادة مسلية ومناسبة للسخرية علينا..

الأحد، 1 ديسمبر 2019

"علي بن الفضل" البراجماتي الزاهد..


نور ناجي

اخرج الطبيب المبضع من فمه قبل أن ينحني ويبدأ باستخدامه. راقب تدفق الدماء بإهتمام حتى انتهى من عمله وغادر الحصن. لم يمض بعض الوقت حتى شعر "الامير" بالسم يجري في عروقه، "لابد وأنه كان مغمسا في شعره!"، حدث نفسه وهو يتذكر. حرص الطبيب- ولعدة مرات- على مسح المبضع بشعر رأسه قبل أن يقوم بحجامته، "لقد فعلها إذن!"، هتف بحنق على الموت الذي بدأ ينشب به وصاح بجنوده: "اقتلوه حيث تجدوه!"، وبالفعل لوحق الطبيب وتم قتله في مدينة "يريم" القريبة من مذيخرة، عاصمة دولة "علي إبن الفضل"، الشخصية الأكثر جدلا في التاريخ اليمني!..
 
 
من هو علي بن الفضل، ولماذا امتلئ تاريخه بالكثير من المتناقضات؟! ..
 
 
ولد علي بن الفضل في جيشان/ العود، قبل أن ينتقل الى "عدن" أحد المنافذ التي عبر خلالها المذهب الشيعي لليمن، والميناء الأقرب لارض "فارس" كما كان يطلق عليها..
 
 
في حقيقة الأمر، لقد تشيع اليمني مبكرا، سواء في المناطق الساحلية أو المرتفعات، ولأسباب عدة، قد يكون الاقتناع بالمذهب أبعدها، فقد كان موقع اليمن البعيد والصعب التضاريس على سيطرة عاصمة الخلافة، سبب مناسب للتمرد، خاصة أن عزز ذلك بكراهية توفرت ضد الدولة العباسية وخطاياها..
 
 
اتجه إبن الفضل نحو الكوفة تلبية لنداء مذهبه الجديد ليقابل هناك من يرى فيه المؤمن المصدق لنداء القرامطة الذين بدأوا بالفعل بالانسلاخ عن الخلافة الضعيفة وبدأوا بتكوين دولتهم ..
 
 
هل كان أبن الفضل في تلك اللحظة متشيع وقرمطي حقيقي، أم ادعى ذلك؟!..
 
 
تناقضت المراجع التاريخية في توصيف الرجل، فبعضها بالغت في شيطنته، لتضيف لشخصيته الكثير من الأفعال والصفات التي لا يمكن لأي محايد أن يستوعب حدوثها أو يتوقع قبول اليمني بها، حتى تحت حد السيف. وفي المقابل مجدته بعض أقلام ذلك العصر وقامت بتصنيفه بالثائر والقومي الأول الذي كاد يعيد مجد حمير مجدداً، فأيهما كان الرجل؟!..
 
 
بعيداً عن الأهواء الخاصة وما تميل إليه النفس، علينا الاعتراف بأن الرجل كان مؤمن بمذهبه الشيعي "الاثنى عشري"، نادى به وتلقى الدعم لأجله سنين طوال، ابتدأها في يافع التي استقر بها حال عودته من الكوفة، واتخذها مركزا لدعوته. لكن لماذا "يافع"، البلدة الأبعد نسبيا عن مركز القرار السياسي في اليمن؟! قد تجدون في ذات السؤال الإجابة المطلوبة!!..
 
 
لم يكن الرجل، منفرداً، قادرا على مواجهة أي قوة قبلية أو دينية سواء في وسط اليمن أو شماله، كما أن قلة موارد المنطقة أغلقت باب مطامع قد يتهم بها، وكان الرجل زاهدا بالفعل وعزف أن تكون وجبة دافئة أو ثوب زاهي أقصى امنياته. تقشف الرجل عشر سنوات قضاها متعبدا في منطقة عرف عن اهلها البساطة والعزوف عن الجدال، إلا أنها كانت تربة خصبة لتكوين جيش خاص بولاء مطلق، الخطوة الأولى لطموحات الرجل الحقيقية..
 
 
تعامل الرجل مع المتاح، وكيّف عمله ورؤيته وفق إمكانياته، ليبقى ساكنا إلا من أمر دعوته، حتى أطل العدو الأول لليمني، "الجوع" الذي يجعل من الإنسان شخصية غير متزنه باحثة دوماً عن الأمان..
 
 
اجتاحت المجاعات كافة مناطق اليمن، لتكون الوقود الحقيقي لثورة إبن الفضل، الفرصة التي انتظرها واحسن استغلالها بشعارات على شاكلة: "تقسيم مال الله على عباد الله!"..
 
 
لم يقصد ابن الفضل تدليل البطون الخاوية وحسب، بل منح عبر شعاراته عذر مرن وفتوى مناسبة لرفع السلاح والانضمام لجيشه الطموح، وأقام دولته فعليا، إلا أن مساحتها الضيقة لم تكن لتقنعه، خاصة وقد تزامن اختياره مذيخرة عاصمة له مع أخبار توسع دعوة رفيقه ابن حوشب في حجة..
 
 
أدرك ابن الفضل بكل فطنة أن ذلك لم يكن التحدي الوحيد الذي قد يواجهه. فعلى الرغم من الضيق الذي كانت تشعر به القبائل المحيطة بصنعاء تجاه اليعفريين نتيجة التزامهم بالخلافة العباسية، مازالوا المنافس الأقوى بامرائها ذو الشعبية الواسعة..
 
 
وفي خضم معارك ابن الفضل وصلت انباء استقرار يحيى بن الرسي في صعدة، ربما لم تمثل له تلك الأنباء خطر محدقا كما كان يمثل له أمراء بني زياد، غير أن دعوة جديدة لم تكن لتسهل عليه مهمته!..
 
 
كان لزاما- على الرجل البراجماتي بامتياز- ان يتعامل بكل حذر مع كافة التحديات، وقد يكون ذلك هو ما دعاه لاستبدل شعاراته "الدينية" بأخرى"قومية" مناسبة لمتغيرات الواقع..
 
 
من السهل تغيير الاستراتيجية عن التشبث بالمبادىء الضيقة، كما أن الإيمان بمذهب لا يدعوك بالضرورة للانتحار في سبيله. ربما قال الرجل ذلك لنفسه قبل أن يغير رداءه وينضم إليه الكثير، وقد أصبح الزعامة اليمنية الأولى بلا منازع. ابتلع ابن الفضل الدويلات المنافسة له خلال بضعة سنين واجبرها بعد فشل تحالفهم ضده على إعلان الولاء له..
 
 
كلما زادت قدرة المرء على التكيف والتعامل مع الحد الأدنى من متطلبات الحياة ازدادت خطورته على منافسيه، وهذا ما دعى"أسعد ابن يعفر الحوالي" الأمير اليعفري الى وجوب التخلص من جموح ابن الفضل، حتى أن كان ذلك عبر وصمة اغتيال جبان، ولم يكتفي بذلك بل قرر  دك "مذيخرة" وتحطيم جيشها المرابط خشية انبعاث علي إبن الفضل واسطورته مجدداً..
 
 
غالبا ما تتخذ الزعامات التي تعتمد على ذاتها  مسارا واحدا، جموح ساطع يظن صاحبه أنه لن يتوقف به حتى ينطفىء ويسقط بدرامية لا تبقى منه على الارجح سوى بضع سطور، من الصعب بمكان تحري الصدق فيها!!.

السبت، 23 نوفمبر 2019

نرسيس صعدة..


نور ناجي

تقول الأسطورة اليونانية إن الغرور أصاب "نرسيس" إبن الإله "كيفيسيا" والحورية "ليريوبي" نتيجة جماله الذي أُشتهر به، لدرجة تجاهله وإعراضه عن كل من يحبه؛ فكان عقاب الآلهة له أن اخذته إلى بحيرة رأى فيها انعكاس صورته ووقع في حبها حتى عجز عن تركها، دون أن يدرك بأنها مجرد صورة حدق فيها دون حراك، حتى فارق الحياة!..

اشتق لفظ النرجسية من تلك الأسطورة. وبعبارات بسيطة يمكننا تعريفها بالاضطراب الذي يصيب صاحبها باعجاب بالذات، مبالغ فيه، لدرجة تجاهله الآخرين، أو حتى مبادلتهم بعضا من مشاعر الحب والإعجاب، ويؤدي به ذلك الإضطراب في النهاية إلى انسلاخه عن المجتمع الذي يعيش فيه، وقضاء بقية حياته وحيداً منعزلاً نافراً من الآخرين ..

هل يحب السلالي نفسه؟! هل يعاني فعلا من نرجسية أجاد اخفائها طويلا؟!

 حاولت تفنيد توصيف سيق أمامي بأن النرجسية هي السبب الحقيقي لجرائم الحوثي ونظرته الفوقية لمن حوله. 

أعدت الفكرة على نفسي قبل أن استرجع فقرة كنت قد قراتها في سيرة "الهادي يحيى ابن حسين الرسّي"، المحتل الأول، والأب الروحي لمن تلاه من أئمة السلاليين بعد أستقرار حكمه في بعض أجزاء اليمن..

يذكر المؤرخ أن الهادي كان مجتمعا مع بعض أفراد حلقته الضيقة، قبل أن يفضي ببعض ما في نفسه، ويقول:

"والله لولا أني أخاف أن يفسد أمر هذه الأمة لطرحت نفسي معها نهاري كله، وما صلى بهم الصلوات كلها غيري، ولبست أدنى اللباس، وإني لا ألبس الثوب الجيد وابدا على نفسي، والله على ما اقول شهيد. ولربما جلس الناس فأفكر فيهم، فأتمنى أن أكون جالسا معهم، ثم أفكر في عاقبة الأمر، فإذا اني فعلت ذلك لفسد الناس علي، وخلقت عندهم حتى تذهب هيبتي من قلوبهم، ولو ذهبت الهيبة، ذهب الاسلام !!"..

ربما لم يسجل ذلك المؤرخ كل شاردة وواردة في سيرة الهادي، إلا أنه على الأقل تجرأ، ودَوّن ما يهمنا لمعرفة نرجسية تلك السلالة من عدمها!..

كما بدى من سيرة الرسي- التي اختفت من الأسواق مؤخراً- أنه لم يطرح نفسه على الأمة التي يفترض به حكمها. اختفى عنهم وربط، بلا مواربة، بين ظهوره وفساد الأمة؟! ما الذي يجعل ظهور الإمام المتكرر بين رعيته سببا في فساد الأمة؟! لا أعتقد أن وسامة الرجل كانت طاغية، لتقود الى فتنة يفترض وقوعها! أم أنه كان يخشاها نتيجة أقوال أو أفعال كان ليقوم بها!..

ليس ذلك وحسب، فقد امتنع الرجل عن إمامة الصلاة واختار غيره بديلا. على الرغم من أن تقدم الصلاة في ذلك العصر كانت أولى مهام الحاكم، أي حاكم، ظالما كان أم عادلا، ما الذي منع الهادي من ذلك؟! لم يكن ذلك لِعّلة أصابته، فسرديات بطولاته أكدت على قوة جسدية لم يضاهيه بها أحد، إلا أنه كان يخشى عملية اغتيال؟! لم لا؟! في ذلك حجة مقبولة لن تجد من يشكك بها نتيجة أعدائه الكثر. لكن ما تلى تلك الحجة من قول كان بعيدا كل البعد عن شبهة اغتيال أو فتنة قد تتبعها. فقد انبرى الرجل وبكل سذاجة الى تغيير مسار الحديث نحو ما يرتدي من ثياب لا يلبسها العامة من الناس!!..

لم تكن لدور الأزياء ركن مهم في تاريخ الحكام، مسلمين كانوا أم "اعاجم". كما كان يطلق عليهم، إلا من بعض الحالات الخاصة، على سبيل المثال مقارنة ثياب الخليفة "عمر  ابن عبد العزيز" قبل استلامه الخلافة وبعدها. والتي دلت على حالة زهد تمسك بها. وعلى العكس من ذلك، ستجد المقارنة ذاتها حال تباين بذخ ازياء الحاكم وما يرتدي شعبه من اسمال، والتي قد تؤخذ كدليل فساد ولامبالاة، وقد تكون "ماري انطوانيت" وحاشيتها مثالا مناسبا وإن كان بعيدا !..

فأين الرسّي مما سبق؟!..

عشق "نرسيس" نفسه، ملامح وجهه، تفاصيلها، لم تشر له مرآة المياه بحاجته لتسريحة جديدة أو لون ثوب يبرز إضاءة وجنتيه، لذلك يمكننا تبرئة الهادي من داء النرجسية. أدرك الرجل حالته بمنتهى الدقة واحتاط لنتائجها، لم يكن كنرسيس، لا جاذبية فيه أو كاريزما قد يحملها "رجال العصابات"، فاختار الغياب حتى لا يكشف من يتبعه نقصا واهتزازا بالثقة فيه، سواء في قول أم فعل. كان الرجل صريحا وهو يحدق في المرايا واعترف بحاجته للزينة، بعض من بهرجة في الألوان قد تنطلي على البعض بعض الوقت، وليس كله!!..

استمر الرسّي، رغم الارتباك الذي بدى على جمله المبعثرة، واضاف شارحا لمريديه عاقبة الجلوس الوخيمة بين الناس، حين قال: "فإذا اني فعلت ذلك لفسد الناس علي، وخلقت عندهم حتى تذهب هيبتي من قلوبهم!". عاد الرجل مجدداً للتحذير من فساد الامة. لن تجد لتلك الإضافة سوى أحد سببين: إما أن الرجل لم يجيد فن الخطابة، كما يدعي أنصاره؛ أو لاخفاء خوفه من انقلاب الناس وثورتهم عليه. وعلى الأغلب كان لاجتماع السببين، لكن القارىء قد يجد أن الأهم فيما قال الرسي كان في ما تلاه من عبارات: "ولو ذهبت الهيبة، ذهب الاسلام!!"..

إنه الاسلام إذن!!

كان الدين منذ البدء الطريق الأسهل لقلوب البسطاء.،الباحثين عن جنة وجدوا بها عوضا مناسبا لحياة بائسة. ولن تجد أكثر من صلة دم "مقدسة" لتربط به أولئك البسطاء. فحين تقراء سيرة الهادي ستجده دائم التذكير لمن حوله بمدى صلته مع  النبي: "والله لئن اطعتموني، لافقدتم من رسول الله الا شخصه!"!، وغيرها من العبارات المشابهة..

تكرارك الدائم لاي أمر، لا يجعل من حولك فقط يعتقدون به، بل ستجد أن ذاكرتك هي الآخرى قد خدعت به ورسمت من وحي خيالها صورا تثبتها لنفسك، خاصة حين تكون كذباتك هي سبب بقاء قوتك!..

لكن هل صدق الهادي كذبته؟! وعلى افتراض أنها حقيقة، هل كان مقتنعا تماما بالمنحة الإلهية التي حصل عليها كنتاج، رغم مخالفتها الواضحة للدين القويم الذي يفترض انه يدعو إليه، والذي لن يأخذ الكثير من معارضيه الوقت أو الحجة لنقضه!!..

أي حيرة أوقع الرجل نفسه بها، خاصة بعد أن بدأت مكاسب رحلته تنهال عليه!!..

إلا أن شيئا لم يكن ليقف أمامه، إن كان الإسلام الحقيقي هو العثرة التي تقف بينه وبين مشروعه، لا بأس من صناعة "اسلام خاص" به كما فعل من قبله، وتم له الأمر حتى اقترب من أن يكون نبيا لمريديه. إلا أن الرجل مازال يتشبث باثواب الاسلام القديمة، أين حب الذات إذن!! أين النرجسية المفترض أنه يملكها؟!

قد يكون الدين المُختَرَع وسيلة لنيل ما يريد، لكنه لن يمنحه المغفرة حال سقوطه. أدرك الرسي ذلك مبكرا وتوسل التصديق والإيمان بعد أن عجز لوقت طويل عن اخفاء عيوبه ومساوئه. 

لن تجد افضل من غطاء قرابة بينك وبين رسول الأمة. الحصانة والرباط الذي قد يكون أقوى من صلة الانتماء لقبيلة أو لأرض أو لحق. كل الحقوق ستتساقط أمام الغطاء الطاهر لمثل هذه القرابة، لابد إذن من التمسك بخرافتها واعادتها على مسامعك قبل الآخرين! ربما كرر الهادي ذلك لنفسه بينما كان يراقب الجموع التي لا يبدو عليها الانصياع التام وتقف بين الشك واليقين!!..

ورغم ما ساقه الرجل من أدلة وبراهين، الا انها لم تكن شفيعة له، ومات محاصرا بين اسوار صعدة وهتافات الثائرين ضده. ترى ما الذي كان يفكر فيه أمام الموت اللاهث نحوه، هل حاول حجب نفسه عنه هو الآخر، أم أنه استسلم سريعا لشريط جرائمه المعروض له؟!

"لعل الزمن والخبرة الطويلة غيرت من طبائع السلالي، وأمسى أشد ثقة بنفسه وحبا لذاته؟!". قد يقول البعض مفندين ما سبق، قبل أن يشير لهم الواقع!!..

ما الذي تغير فعلا؟ أين هو الزعيم السلالي عبد الملك الحوثي؟ ولماذا يحجب نفسه عن مؤيديه؟ إلا من خطابات هزيلة لا تختلف ركاكة عمن سبقه؟!..

وعلى الرغم من تزايد حاله المقت الموجهة للسلالة، مازالت تجد في البحث عن أعياد ومناسبات دينية تذكر الناس بقربى وهمية تغطي بها مساوئها عبر طلاء الشوارع وتزيينها بخرق بالية. فكما كانت خرافتهم طريقهم للسيطرة، كانت كذلك حبل نجاة مذل، قد يقف بينهم وبين انتقام يستحقونه..
    
 

السبت، 16 نوفمبر 2019

زمن "علي مقلى!"..


نور ناجي

  "أي حال صعبة نحياها. مازلنا نتذوق مرارة العيش وحربا تجاوزت الحرب العالمية الثانية بعدد سنواتها، ولا ضوء يبشر بأمل، أو حتى لا يقيناً من إيقاف سقوط لا قاع له!!".
 
لا يكاد اليمني ينهي بكائياته حتى يشعر بمن يربت على كتفه: "أرجو المعذرة، لم الشكوى، فليس ما يجري عليك هو الأول، هل نسيت زمن "علي مقلى؟!". كان ذلك صوت التاريخ الذي لا ينفك عن إلقاء دروسه، ولا نكف نحن عن نسيانها!..
 
ربما يتداول البعض لفظ "علي مقلى" من باب السخرية والتندر، دون أن نجهد أنفسنا في معرفة أصل الكلمة، أو معرفة "صاحب المقلى" الذي أطلقت عليه، لذلك يجدر بنا العودة إلى منتصف القرن الثامن عشر ميلادي، والتي وصفها الشاعر "القارة" في مطلع إحدى قصائده:
 
ضاعت الصعبه على الخلفاء
خبط عشواء والسراج طفا
لا تصدق أن ثم وفا
حسبنا، لا إله إلا الله..
 
لبجوا في كل أرض وما
أمروا عرباً ولا عجما
إنما هم في عمى وضمى
حسبنا، لا إله إلا الله..
 
كانت الإمامة قد نقلت مركزها من صعدة قبل ذلك التاريخ، وثبتت حكمها في قلب صنعاء، لتمتد الى ما حولها لفترة لا بأس بها، بعد أن فشل "الرّسّي" ومن جاؤا بعده في إبقاء سيطرتهم عليها لفترة طويلة. فقد كانت صنعاء على الدوام سلاحا ذا حدين، بالرغم من موقعها الجغرافي الذي هيئ لها أن تكون نقطة الاستيلاء على بقية أراض اليمن؛ إلا أن تلك القوة لم تساعد حاكمها على يقين التمسك بها منفردة في لحظات ضعفه:
 
قالوا إن الجن قد حضروا
 
في القرانع للبقر عقروا
 
وبشغل الكيمياء سبروا
 
كم ذهب، لا إله إلا الله..
 
والخلايق كلهم رغبوا
 
وبنو قيس احتبوا جدبوا
 
والضريبه، كل يوم ضربوا
 
كم دسوت لا إله إلا الله..
 
من مفارقات الإمامة وتاريخها الدامي في اليمن، أنها لا تكاد تنتهي من إخماد ثورة اهلها ضدها عبر طرقها التقليدية، حتى تبدأ صراع عجلة حروب أشد وطأة بين أفرادها. كيف لا وقد امتلأت أزقة المدن والمتربصين خارجها بالعديد من الذين لا ينقصهم سوى السيف لنيل مبتغاهم. وما أخف ضرب السيوف في سبيل إشباع شراهة الحكم. لذلك كان لابد من أن يقول الشاعر تلك الحقيقة:
 
وشياطين البلاد أتوا
 
بعد ما قد أفسدوا وعتوا
 
إبصروا جواء الكلام هتوا
 
وإلخ، لا إله إلا الله..
 
والكتب من كل فج عميق
 
والهواتف في شهيق وعقيق
 
والغرايم في مرض وصقيق
 
زيق ميق، لا إله إلا الله..
 
والذي في السر كان إماما
 
قد نبع منها بعير كلام
 
ورجع يزحر بغير وحام
 
ونزق، لا إله إلا الله..
 
انساق أئمة ذلك العصر بغواية الإمامة، دون أن يبالوا بالمخاطر المحدقة حولهم، وانشغلوا بصراعاتهم الداخلية والاقتتال الذي لم يكن يتوقف، بينما استسلمت المدينة المغلوب على أمرها للواقع الذي بدى وكأن لا نهاية لنفقه:
 
وابن شمس الحور في غربة
قد دعا حتى جته شحبة
وخرج منها إلى الرحبة
لا لشيء، لا إله آلا الله
 
والإمام محسن إمام عظيم
بالخلافة والشروط عليم
وهو في حصن الغراس مقيم
منتظر، لا إله إلا الله
 
كلهم قاموا بغير ركب
من ملك رطلين نحاس ضرب
والوقيد قالوا كبا وقصب
وقشاش، لا إله إلا الله..
 
ستجد إماما يبحث عن لقب مناسب بعد أن استهلك من سبقه غالبية الألقاب. هل يعيد استخدام "المتوكل بالله" ، أم أن "الغالب لأمر الله" أفضل؟! "المنتصر" أم "المنصور"، "الهادي" و "المهدي"؟! حتى سمع أحد أهالي صنعاء، بحيرة، الامام الجديد ليقول باللهجة الصنعانية، وبروح فكاهتها البسيطة: "سيكون لقب الامام "التعوذ بالله" جيدا؟!"..
 
واستمرت تلك الصراعات خاصة أن تكلفتها لم تكن جائرة وفق معاييرهم، لم يأتِ المثل الشعبي المتداول: "الحجر من الأرض، والدم من رأس القبيلي" من فراغ..
 
كلها في ذنب أهل أزال
عيفطوا عيفاط بغير كلام
واستهلوا للفساد هلال
مدبرين، لا إله إلا الله..
 
من دعاهم للصلاح منعوا
في النهايه طول ما هجعوا
ما رضوا يرزوا ولا خنعوا
في جغير، لا إله إلا الله..
 
دخلت اليمن بكافة مناطقها فوضى، فاقت بكثير الفوضى التي نحيا بها في العصر الحالي. لم يكن مستغربا بين أفراد الشعب تعدد الأئمة، حتى نصب خمسة أئمة أنفسهم حكام لصنعاء، في وقت واحد. أو ربما لن تجاوز نيل أحدهم اللقب يوم واحد، بعد أن أمسى للعمامة ومقعد الحكم ثمن لا يتجاوز بضعة قروش:
 
وأمير المؤمنين معيض
قد فعل فيها طرق وفريض
شاربه قالوا طويل وعريض
مجعلي، لا إله إلا الله..
 
ورعا يا ذا الزمان همج
خلو الدنيا ملان رهج
من دعاء الامام ضحك وزبج
عسبوا، لا إله إلا الله..
 
تؤكد المراجع أن القصيدة، الموزعة بين السطور أعلاه، كتبت في زمن المنصور علي بن المهدي عبدالله، والمولود من جارية حبشية، والذي قيل أنه تولى الإمامة أربع مرات بعد وفاة والده. وقد تناقل عنه العامة وصف: "الأبلة في صورة الحاذق". فقد كان خالي من المؤهلات، ولاهيا في حياة الترف والعبث مع الجواري تاركا أمر الحكم لنواب لا يسألهم أو يحاسبهم على شيء، ليمنح لقب "المقلى" بجدارة، قبل أن ينقلب عليه عسكره ويقبضوا عليه في إحدى حدائقه ويودع السجن، ولم يكن قد أكمل العامين بعد من حكمه، وتزداد بعده وتيرة الانقلابات:
 
لاحت الفرصه لأهل جدر
لعبوا بالناس عدر دعدر
شمخوا فوق الصيد وخمر
ووايله، لا إله إلا الله..
 
ودغيش المام حق شعوب
في كلام جابر وشوع وزوب
والمراتب والخيول سنوب
عقل تيس، لا إله إلا الله..
 
لم يؤدي الانقلاب على "علي مقلى" إلا إلى مزيد من فوضى الطامعين، الذين أخذوا يتنازلون عن أرض اليمن قطعة قطعة في سبيل إبقاء العمائم على رؤوسهم، حتى تحركت قوات الاحتلال العثماني نحو اليمن، وقد فتحت لها أبواب عودة جديدة، ????م. لم تكن المطامع التي تنازلت عنها إبان خروجها الأول هي سبب العودة وحسب، بل عززتها النداءات المستغيثة التي اخذت تنطلق من أهالي صنعاء ورجالاتها وبعض أئمتها ايضا، وقد وجدوا أن نار المستعمر قد تكون أهون من نيران الأئمة..
 
لعلك تسمع وانت تقرأ هذا الجزء من التاريخ صدى هتافات على شاكلة "شكرا عصمالي!":
 
قلبوها اليوم ضرب سقل
وقطع من نار وهاد وجبل
ذا نهب هذا فلان قتل
جيبره، لا إله إلا الله..
 
قتلوا قوبل بغير سبب
وحسين لما علم وطلب
وارثه قال لو فعلت عبب
كان بخير، لا إله إلا الله..
 
مثل فاعل لاش ليت عليه
صكوا النوعه وقمحذويه
بقباقب في صوابريه
الخضيع، لا إله إلا الله..
 
واستمر الحال، حتى سقطت عدن هي الأخرى، والتي كتب التاريخ أن سقوطها كان مرهونا بسقوط صنعاء تحت حكم الإمامة، وأمست تحت سيطرة الاحتلال البريطاني ????م، ليبدأ بعدها نضال اليمني ضد الاستعمار والامامة والتي استمرت عشرات السنين، قبل أن تنتهي الحكاية!!..
 
كلا، لم تنتهِ الحكاية بعد. فها نحن نقف مذهولين أمام دائرة الزمن التي أكملت إحدى حلقاتها، لترجع بنا إلى زمن أسوأ من زمن "علي مقلى" وحماقاته. ربما لم ينحصر "علي مقلى" هذا العصر باصحاب العمائم، بل امتد ليشمل مرتدي البدل وربطات العنق الأنيقة. لكن ذلك لم يمنعنا من إستعارة "أبيات القارة"، وهي تختم نفسها بكل سخرية وأسى:
 
كيف تقع دنيا بغير إمام
كيف يقع ننهم حلال وحرام
كيف يقع نعرف ضيا وظلام
كيف يقع، لا إله إلا الله..
 
كم لنا من قطع راس بقتيل
كم لنا من قطع كف جميل
كم لنا من ربط كل ثقيل
كم لنا، لا إله إلا الله؟!..
 

الأحد، 10 نوفمبر 2019


اليمني بين الاختلاف والخلاف


نور ناجي

"على مدى تاريخنا كنا يمنا أعلى ويمنا أسفل، لم نتفق ابدا!"
 
 التقطت العبارة دون محاولة استنكارها أو رفضها. نعم لقد كان على حق؟!، قد نحمل من الاختلافات ما قد تكون للبعض أسبابا مقنعة للخلاف، ولو أننا عدنا للخلف لوجدنا ذات الاختلافات وربما وجدنا ما هو أشد منها..
 
لم تكن أرض اليمن سعيدة بالمطلق، من الطبيعي ألا يستمر ذلك اللقب على منطقة يعتبرها الباحثون أقدم مناطق العالم المأهولة بالسكان، لكن منذ متى تجنب الإنسان المشاكل، أو توقف عن صناعتها؟!..
 
شهدت اليمن قيام الممالك والدويلات منذ أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، إلا أن وعورة أرضها وعدم وجود أنهار  بجريان ثابت؛ لم تربط القبائل الساكنة بالقدر الكافي من هاجس المصير المشترك، حتى ظهرت "سباء" النموذج الأول لمعنى الدولة الحقيقي بالسدود التي أنشأتها والتجارة ذات الدخل الاقتصادي الآمن، لتتمكن بعد وقت قصير من التهام ما حولها من تجمعات بشرية ودويلات وتطويعها تحت كيانها القوي..
 
وكما قامت سباء توالت الدول على هذه الأرض في سياق طبيعي لعملية سير التاريخ، وتبادلت كل من حمير، وحضرموت، وقتبان وغيرها من الدول، عملية توسيع الخرائط أو تقليصها وفقا لمعايير القوة والضعف التقليدية، منتجة بذلك اختلافات فرضتها جغرافية الأرض قبل اختلاف الإنسان، سواء عبر لهجة أو عادات وتقاليد..
 
ليس ذلك وحسب، فقد منح السدود التي بناها اليمني، ولفترة لا بأس بها. الكثير من القوة والسيطرة قبل أن تختلف اراء زائري أرضها والموفدين إليها بعد فترة من تهدمه. على سبيل المثال؛ لم تكن اليمن التي وصفها الصحابي معاذ بن جبل تحمل ذات الصورة التي التقطها رفيقه علي بن ابي طالب..
 
 فكل منهما وجد يمنا تختلف في الوصف عن الأخرى. لكن ذلك لم يعن اختلاف حاجة اليمني في تلك الفترة الزمنية الى ضرورة التخلص من حكم الفرس المستبد، سواء كان يقطن في اليمن الاسفل أم اليمن الأعلى..
 
انضمت قبائل اليمن الى خارطة الدولة الإسلامية قبل أن تشعر بضيق الرداء الذي أجبرت عليه، بعد ان ارتبطت وللمرة الأولى بدولة بعيدة جغرافياً عما اعتادت عليه.
 
وازدادت وطأة ذلك الرداء مع عجز تلك الدولة الالتزام بمسؤوليتها كخلافة تجاه اليمني وأرضه، وانحسار مطالبها بتزويد جيوشها بأبناء القبائل، وخراج مفروض مع نهاية كل عام، لترتبط القبائل مجددا وتنبذ خلافها، باحثة عن خلاص، فلم يكن من السهل عليها دفع زكاة رأى الكثير أن إخراجها من ارض شحيحة الموارد جورا يجب أن يزال.
 
ربما كان ارتباط اليمني الروحي بالدين هو ما أجل- ولوقت لا بأس به- ثورات وحركات التمرد التي قامت متفرقة أو مجتمعة بذات الهدف ضد جور الحكام الذين استمروا في تجاهل اليمني واعتبار ارضه مجرد تجمع لقبائل، يجمعها الشغب والتمرد، عن كونها دولة ذات تاريخ عريق بمطالب مشتركة عادلة..
 
وكما احتار الحكام الذين أرسلوا للسيطرة على اليمن، احتار المستعمر كثيرا في محاولة فهم هذه الأرض وطبيعة أهلها..
 
فما أن يطمئن لخلافهم الدائم ويستعد لترسيخ احتلاله وسيطرته على طرق الملاحة البحرية، حتى تنتفض تلك القبائل بتنوعها ضد وجوده..
 
لا تنطفىء ثورة في منطقة، أو قبيلة، حتى تشتعل ضده في أخرى، ليقرر إثر ذلك اجتزاء بعض مما يحتاجه من أرض تمكنه من تحقيق مصالحه بأقل  قدر من التكاليف. وقد حرص على تجنب المساحات المزعجة له..
 
ربما كان الاحتلال العثماني هو القوة الوحيد التي اقتربت فعلياً من تقسيم اليمن إداريا، ووفق معايير القبائل السائدة، والذي سيجده الباحث الأقرب من تقسيم محافظات اليمن حتى اليوم. لكنه أدرك مبكرا أن الخرائط ليست المعيار الحقيقي الذي تتعامل بها القبائل اليمنية بينها البين أو بينها وبين المحتل. فبرغم اختلافهم، فهناك دائما ما يجمعهم.
 
واستمرت الثورات ضد المستعمر التركي بحسب حاجة القبائل مجتمعة أو متفرقة، حتى تم طرده..
 
لذلك لن تجد، بعد اجتياز رحلة قصيرة في تاريخ هذه الأرض، أن فكرة اختلاف اهلها مثيرة للغضب أو الاستنكار. فما نراه حولنا من اختلافات سياسية ليس سوى استنساخ لما سبق عبر التاريخ، مع إضافة الحسابات التي طرأت نتيجة تغير الزمن والواقع..
 
متى يشعر اليمني بحاجته لوحدة أراضيه ولماذا؟!..
قد نتسائل عبر الملحمة التي خاضها، والتي يحاول البعض في وقتنا الحالي اجتزاء بعض منها وترسيخها كتاريخ مكتمل، متجاهلا أن ذلك الاجتزاء سيؤدي بالضرورة إلى ضعف لن يطول بإبن هذه الأرض حتى يرفضه!..
 
حاجتنا للقوة هي الرابط الذي يجمعنا. مصيرنا المشترك الذي لا نلبث أن نتشبث به حتى آخر رمق. أليست الحاجة إلى القوة سببا كافيا لكوننا شعبا لا سبيل لتقسيمه، رغم اختلافاته العديدة؟!

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...