السبت، 20 أبريل 2019

‏سرقة الأحزان..


نور ناجي

استقبل الكف التي أوشكت على أبتلاعه بعبارات جوفاء غريبة عنه. من الصعب أن تتلقى العزاء في إبنك، هذا الأمر مخالف لما توقعته طيلة حياتك. الصورة العكسية هي الأقرب للمنطق؛ لكن الحرب يمكنها أن تخلق سياقات غير متوقعة.. تغير الكثير من القناعات والثوابت ..

‏يتقبل القلب الصفعات مهما كانت قوية. من المؤكد أن ذلك الموظف البسيط توقع خبر استشهاد إبنه في الجبهة منذ التحاقه بها. لابد وأن مثل ذلك الخاطر كان هاجس لا يفارقه، لعله فتح باب العزاء في خياله قبل أن يأتيه الخبر بكثير؛ لكنه لم يعتقد في اسوأ كوابيسه أن يخشى إقامة ذلك العزاء..

‏يعيد الكذبة الجوفاء على نفسه كل لحظة، فعليه أن لا ينسى اي من تفاصيلها؛ ابنه لم يذهب للجبهة، ولم يلتحق بالجيش الوطني يوماً.. كل ما في الأمر أنه كان في طريق سفر معتاد، قبل أن يهاجمه مسلحون ويقضوا عليه بعد نهبه. وحتى تكون الكذبة مقنعة، ولا تقود لأضحية جديدة، يجب أن يكون القتلة من المرتزقة المنافقين أعداء الله والوطن..

‏للأسف، هذا ما يحدث لك حين يستشهد إبنك على إحدى جبهات تحرير اليمن، بينما تقطن في مركز تواجدهم وقوتهم..

‏من الصعب على من تابع احداث تلك الواقعة أن يتقبلها. بعض الكلمات أثقل من الحجارة. مجرد ترديدها يجعلك تشعر بأنك تبتلع اعشاب سامة، فكيف إذا حاولت للحظة أن تتصور نفسك هذا الأب..؟!

‏لا تبقى القلوب الثمينة لوقت طويل، والفراق نذر، يجب علينا دفعه؛ لكن تلك العائلة وللاسف حرمت من حق الحزن، وهي تتلفت حولها خشية انكشاف امرها. ليس ذلك وحسب، بل حرمت من الفخر الذي يؤنس قلب من فقد شهيد في الحرب: "لم يذهب دم أبني هباء.. لقد ضحى بنفسه وبكل رضى من أجل كرامة هذا الوطن وكرامة أهله"!!..

‏ما الذي تركه الانقلابيون لنا؟ اعتدنا على جرائمهم وظلمهم، اجبرونا على الصمت المر واختيار الخرس كتكلفة أقل؛ لكن أن يصل بهم الشر إلى حد سرقة احزاننا ومصادرتها؛ اقتطاع الجزء الذي ينبغي علينا أن نبكيه بخشوع لنتمكن من مواصلة ما تبقى لنا من أيام؟!..

أي قبح، وأي جبروت ؟!..

‏من المستحيل وضع نفسك مكان ذلك الوالد!! هل واجه صورة إبنه، الذي لم يتجرأ أن يطلق عليه لقب شهيد، أم أن ما يشغله هو الانتصار على نفسه واجبارها على مصافحة أكف أدت لاستشهاده؟! ترى ما العبارة التي رددها أمام مشرف الحارة الذي يحوم حول بقية شبابها للزج بهم إلى الجبهات المقابلة؟!..

‏في يوم ما ستتوقف الحرب، وقد يعتبر ذلك الوالد نهايتها ثمن مناسب لخسارته، على الرغم من غصة عدم حصوله على عدالة تخصه وتنصفه..
 

السبت، 13 أبريل 2019

‏هروب من الياس


نور ناجي

كنت قد توقفت عن التوقعات المتفائلة، التي تندرج تحت حقيقة أننا أمام حرب. واي حرب تصاب بالتعب وتستسلم في النهاية، وتحولت عنها إلى توقعات واقعية واسئلة منطقية، يخشى الغالبية من مجرد نطقها!!..

‏لم لا تكون السنوات الماضية مجرد بداية، وتمهيد أولي لساحة حرب حقيقية شاملة. لم نملك القوة لصد ما مضى فكيف نقف لما سيأتي ؟!، ألقيت بسؤالي عليها قبل أن تطرق رأسها للحظات وترفعه بنظرات غاضبة: "كُفّي عن الهراء، لقد اصبحتِ في قمة التشاؤم، هناك شيء ما يخطط، لا يمكن أن يكون ما يحدث عجز حقيقي، ستتحرك الجبهات قريباً، وسترين ذلك، أنهم في انتظار شيء ما لا أكثر"،..

‏زممت شفتي وأنا اهز كتفاي بلا مبالاة، لينتقل حديث صديقتي من حرب اليمن إلى أخبار الابراج وحظك اليوم. كانت الفلكية "ماجي فرح" هي المفضلة إليها، لذلك لم انبس ببنت شفة حين اشتغل الفيديو ..

‏لا أتذكر أين قرات مقولة: "هناك طريقتين لكي تُخدع، الأولى إيمانك بما هو وهم؛ والثانية انكارك للحقيقة!". وهذا ما تفعله القابعة جواري، كانت تعلم يقيناً أن بعض التوقعات لا تحتاج لمتنبيء حاذق بقدر ما هي نتيجة طبيعية لمجموعة من الحقائق والمسلمات التي ستقود لنتيجة محددة على أرض الواقع، إلا إذا صادفها ما يغير مسارها، لكننا أحيانا لا نقبل بالنتائج القاسية فنقوم بالبحث عن حلول وهمية بإحدى الطريقتين السابقتين ..

‏اتذكر حادثة لم يمر عليها وقت طويل، جارتي الحوثية تقف على درج العمارة، تشكو الغش الذي وصل إلى حد لا يطاق في المعاملات بين البشر، لم تعد تثق حتى في السحرة المعتمدين في مدينة صنعاء، بعد أن أصبحت حروزهم مجرد أوراق لا يعول على مصداقيتها. فهاهو  زوجها يعقد قرانه للمرة الثالثة على الرغم من تنفيذها لكافة تعليمات الساحر، وارتشاف زوجها للجرعات المنصوص عليها بكل دقة.

‏كان بإمكاني اخبارها بأن المال هو "المقذي" الذي عكس به زوجها أعمالها السحرية. "الزلط" التي أصبحت متوفرة لديه بعد أن نهب هو وجماعته أموال الشعب، لكني أمسكت لساني. لا بأس أن ابتلع أفراد عصابات الحوثي المزيد من السوائل المغموسة بدم الضفادع، وأظافر التماسيح..

‏لم أكن الوم الهروب اليائس للبعض وبحثهم عن حلول سحرية، بعض التوقعات تكون متشائمة لدرجة لا ترضي طبيعة البشر، وإن كانت قريبة من الحقيقة. على سبيل المثال لم أكن راضية عن  توقعات ماجي فرح لبرج القوس التي التقطتها في تلك اللحظة، ألم يكن مواليده موعودين بحظ وافر هذا العام، لتعامد المشتري على مسار الجدي أو زحل، لم اعد أتذكر ؟! ..

‏تركت توقعات ماجي فرح وعدت لما يحيط بي، من السهولة معرفة ما يحس به اليمني في الوقت الراهن، خاصة ذلك الواقع تحت سيطرة الميليشيا. فقد مر عبر سلسلة لا بأس بها من المشاعر ارتبطت بعضها ببعض. تجاوز اليمني منذ فترة معقولة مشاعر الخذلان، بعد أن رافقه الاستنكار والغضب شهور طويلة. كانت حالة الترقب والانتظار قبل ذلك هي المسيطرة عليه بعد أفول مرحلة التفاؤل الأولى للحرب، ليدخل الآن، وبعد أربع سنوات عجاف، في مرحلة اللامبالاة والتبلد اليائس..!

‏ربما سيكون التبلد مفيداً لنا خلال المرحلة المقبلة، فالجميع يعلم، وإن ادعى العكس، أننا حتى الآن لم ندخل المعركة الحقيقية، وما مر لم يكن سوى اظهار للعضلات لا غير. اتمنى ان لا يصاب أحدكم بالدهشة، أو يلقي عليّ الاتهامات جزافاً. انطفاء الحروب بحاجة لأسباب كما كان لاشتعالها. ولك أن تقف أمام أي مرآة تجدها لتلقي سؤال بسيط على الوجه الذي سيطل عليك عبرها: ما الذي تغير فيك منذ بداية الحرب؟!..

‏لا أقصد بذلك اللون الابيض الذي صبغ شعرك، أو الخطوط التي لم تكن سابقاً مغروسة على وجهك، لا اشير ايضا إلى تغيير حجمك، اما بالهزال الذي أصاب البعض من تخفيف وجبات غذائه أو السمنة المفرطة جراء الجلوس الطويل في المنزل، بل أعني بالتغيير الذي وقع على مشاعر انتمائك الحقيقية؟!..

‏ما الذي تغير فيك فعلا؟! هل مازلت تتبع ذلك الحزب وتمجده وترفع السلاح من اجله، مهما أضر ذلك باليمن؟!، هل توقفت عن صب لعناتك على يمني آخر، برغم ملاحم امتزاج دمائنا على ذات الأرض وعبر عدو مشترك؟!، 

مازلت تحارب طواحين الهواء الوهمية دون أن تتزحزح مواقفك قيد أنملة، عملا بمبدأ أنك لا تغير مبادئك مهما تغيرت الظروف، أو توضحت لك ما خفي من صور؟!

‏لا أحب إلقاء المواعظ الدينية إلا أني مضطرة لذكر الآية: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَ?كِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"..

‏هذه هي الحقيقة البسيطة التي يرددها كل يمني، ولكنها للاسف لا تطبق عملياً برغم ادراك الجميع أن اختلافنا هو ما أدّى إلى وقوع الظلم علينا، واستمرار ذلك الاختلاف يبقينا في نقطة ما قبل الصفر..

‏لم يعترض أي من البريطانيين على رد تشرشل للمعترضين على معاهداته ?? ??????: "سأ????? ?? ??????? ?? ??? ?????? ?? ????"، من حسن حظنا أننا لسنا مضطرين للتحالف مع الشيطان، أو عقد صلح مع روح  ستالين، فقط تناسي الخلافات القديمة والالتفات للعدو الوحيد الذي يهدد وجودنا سيكون كاف..

‏قبل ذلك لن تتوقف الحرب، فاستمر في حربك ضد طواحين الهواء، ابقي اشباحك القديمة ما شئت، لن تجد لنفسك حلولا مرضية سوى في قعر فنجان أو من خلال متابعة توقعات الأبراج وحظوظها، وقد تكون زيارة للساحر الذي لا تتوقف جارتي عن استشارته، عرض مناسب للباحثين عن الوهم

الأحد، 7 أبريل 2019

رهان الزبيري..


نور ناجي

لأبطال سبتمبر وما سبقها من محاولات تغيير سحر خاص؛ شغف يجعل القارئ لا يكاد يترك صفحة مما نقل عنها حتى يبحث عن أخرى. أقصد هنا الحكايات والقصص الحقيقية، وليس تلك المزورة التي دست لتشوية أكثر لحظات تاريخنا اشراقاً.
 
في مكان ما، وعند البعض، تيقظ الرغبة في التغيير قنوط النفس.. وعند البعض الآخر، تنبت شيء من نبوة. قد تقابل ثائر مقطب الجبين يقاتل، مع تشاؤمه، ليال حالكة، يصرعها حين من الدهر؛ ويقف مستسلما لها حينا اخر. وفي الطرف المقابل، ستجد آخر، لا يخلو من تصميم وإرادة حالمة، يستمع لتنهيدات الطيور في السماء، رغم القضبان التي تقيده، لتسمعه يتغنى في وطنه:

الشاعرية في روائع سحرها
أنت الذي سويتَّها وصنعتَها
مالي بها جهدٌ، فأنت سكبتَها
بدمي، وأنت بمهجتي أودعتَها
أنت الذي بشذاكَ قد عطرتَها
ونشرتَها بين الورى وأذعتَها
وقَفَتْ لساني في هواك غناءَها
فإذا تغنت في سواكَ قطعتُها
 
حلّت قبل أيام الذكرى الثالثة والخمسين لاغتيال ابو الأحرار الشاعر المناضل "محمد محمود الزبيري"، بعد حكاية كفاح مثيرة، سعى فيها نحو ما رءاه البعض جنون في ذلك الوقت، واعتبره هو "بركة" يستحق أن يحيا ويموت من أجلها..
 
وُلدّ الزبيري بحي البساتين في صنعاء، عام 1911. نشاء في المدينة يتيمًا وتعّلَم القرآن وحفظه صغيراً؛ تنقل في تلقي العلم بين المدرسة العلمية والجامع الكبير، ومكة المكرمة بعد أداء مناسك الحج فيها، قبل أن ينتقل الى مصر عام 1939.
 
بقي الزبيري بضع سنوات في القاهرة، مؤسسا مع رفاقه "كتيبة الشباب اليمني"، الحركة المعارضة الأولى لحكم الإمام، قبل أن يقطع دراسته ويعود إلى اليمن، التي كانت- كما يرى- بحاجة إليه ولغيره، عام 1942، وما أن وضع قدميه عليها حتى هتف:

ماذا دهى قحطان، في لحظاتهم؛
بؤس، وفي كلماتــهم آلام؟..
جهل وأمراض وظلم فادح؛
ومخافة ومجاعة و"إمام"..
 
لكل ثائر حكايته الخاصة؛ طريقته في إيصال صوته للناس. يختار البعض الاجتماعات السرية، والآخر يفضل استقطاب النخبة، والأقل هو من يجاهر بما في نفسه. وقد اختار الزبيري المجاهرة بالكلمة والأدب. استرجع هنا إحدى مقولاته: "كنت أحس إحساسا أسطوريا بأنني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم والطغيان".
 
أدرك شاعرنا مبكرا أن الكلمة هي الحلقة المفقودة بين اليمني وشعبه، بعد أن سطا جهل الإمامة على اليمن مئات السنين وصنع خلالها دين يناسب بقائها. وما أن وصل الى صنعاء، حتى بحث عن منبر لينشر كلماته وأدبه، ولم يجد أفضل من خطبة جمعة في الجامع الكبير ليلقيها دون خوف؛ لكن ذلك الفعل لم يمر على الداهية، القابع بالقصر، مرور الكرام. فأمر بحبس الزبيري بتهمة إثارة التفكير، وتهديد الجهل العام وازدراء الحماقة.
 
ربما كانت ليال السجن، مفترق طُرق لإفراز الثائر القوي. لا يغادرها للحياة سوى شخصان؛ أحدهما خلَعّ ثوريته واختار طريق السلامة بعد أن تلاشت ثقته مع لياليها المظلمة وانتابته الهواجس من جدوى ما يقوم به؛ وآخر يرفع عن قاعها ما سقط عن غيره، ليضعه على كتفه همة وعزم، تساعده على إكمال طريقه.
 
وقد أفرزت سجون الإمام الكثير من الأبطال الذين استمروا في محاولة التغيير. فلم يكد الزبيري يخرج من السجن حتى هتف متحديًا:

خرجنا من السجن شمّ الأنوف،
كما تخرج الأسد من غابها..
نمر على شفرات السيوف،
ونأتي المنية من بابها..
 
أعاد الشاعر، ورفاقه، النظر في ولي العهد، بعد أن بدى لهم سيره على نهج والده. فل الزبيري ببعض رفاقه في مدينة عدن، منبر الحرية، ولم تتوقف دعواته عن التغيير. فهناك ثورة قادمة، ينبغي أن تكون، مهما وزع الليل عزلته وكوابيسه، وقامت ثورة الدستور عام 1948، ليعود الزبيري إلى صنعاء غير مصدق للإنجاز الذي تم.
 
كان الزبيري يتنقل فوق طائرته من بلد إلى آخر لطلب العون، والاعتراف بالجمهورية، التي حلم بها طويلا، قبل أن يُخذل من الخارج، وتقتل ثورته الوليدة على يد الإمام أحمد، الذي حاصر صنعاء مع القبائل، قبل أن يستبيحها ويجز رؤوس المشاركين بالثورة والمؤيدين لها على حد سيوفه.

أنا راقبت دفن فرحتنا الكبــرى،
وشاهدت مصرع الابتسامة..
ورأيت الشعب الذي نزع القيــد،
وأبقى جذوره في الإمامة..
وإذا بالطبوب عادت طبولاً،
وإذا بالفطيم يلغي فطامه..
وإذا بالدستور يصرعه البغــي،
ويلقي كصانعيه حِمامه..
وإذا الشعب بعدما حطم الأصفاد عنه،
 لم نلق إلا حطامه..
نحن شئنا قيامه لفخار،
فأراه الطغاة هول القيامة..
 
حتى هنا، تبقى الحكاية تقليدية، وليس على ذلك الشريد المطارد سوى إفراغ غضبه، أو البوح بأوجاعه على أقل تقدير؛ فما مر به لم يكن سهلا أو هينا، بعد أن ذابت أحلامه وقطعت به السبل وفقد كل شيء، إلا أنه يفاجئ ساردي الحكايات وهو ينشد:

كفرتُ بعزمتي الصامدة،
وقدسية الغضبة الحاقدة..
وانّات قلبي تحت الخطوب!،
وأحلامه الحية الصاعدة..
وعمرِ شبابٍ نذرت به،
لشعبي واهدافه الخالدة..
وبالشهداء وأرواحهم،
تراقبني من علٍ شاهده..
إذا أنا أيدت حكم الطغاة،
وهادنتهم ساعة واحده..
 
ما هذا الرجل، غريب أمره؟!، مازال، رغم ما حدث، ينذر بروحه فداء لهذا الشعب؟!
 
لماذا لم يصرخ؟!، أو يخرج جزء من الغضب، الذي ولابد أن يكون قد سكن روحه؟!
 
لم يلم أحد من قارئي التاريخ، الثلايا، الذي صب لعناته على الشعب من وسط ساحة الإعدام، حين هتف: "لعن الله شعب أردت له الحياة وأراد لي الموت"؛ لكن الزبيري استبدل تلك اللعنات بلغة مختلفة، لعل من يأتي بعده يفهم الدرس ويعيه:

ورؤوس الأبطال، يلهو وليد القصر،
لهواً بها، وتلهو وليده..
والمحاذير والمخاوف تغتال،
الضحايا المفجوعة المفؤوده..
والقنوط الوحشي يفترس الأحرار،
في ظلمة السجون البعيدة..
ألمح الشعب قابعاً يدرس الثورة،
كيما يأتي بأخرى جديده..
يتحرى الأخطاء ويغفر للأحرار،
أخطاءهم ليبقوا جنوده..
 
أي حالم ساذج كان، برغم المآسي التي شاهدها بأم عينيه، إلا أنه رأى الشعب، المهلل للظلم، يعد العدة لثورة جديدة. على ماذا كان يراهن؟! وما هي الاساسات التي بنى عليها تلك الثقة؟! هل امتلك عين ثالثة، أم أن ما تنبأ به لم يكن سوى هذيان حالم يرجوه؟!
 
لم يتوقف الزبيري عند هذيانه، بل قام بتحويلها الى أفعال، بعد قيام ثورة يوليو 1952، وانتقاله من باكستان الى مصر، ليقيم الرجل منبرا جديدا، يوصل بها القصائد تلو الأخرى، والمقالات التي تليها مقالات، عبر الإذاعات المتاحة أمامه، حتى أمسى للمعارضة، أخيراً، صوت مسموع، ومطالب حقيقية لمن كان يجهلها.. ومرت السنوات سريعاً، وكسب الزبيري الرهان، وقام الشعب بثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة.
 
وانتهت الحكاية!!
كلا، لم تنتهِ بعد...
 
يبدو أن الزبيري كان صعب المراس. لم يقبل أن تفقد كلمته بريقها تحت سقوف المكاتب والوظائف الرسمية، خاصة بعد انحراف الثورة عن مسارها، وانشغال الثوار عن الشعب بأمور الدولة، فقدم استقالته من وظيفة الحكومة، التي كانت كافية لختام حياته بطريقة مُرضيه، وعاد ليواجه معركة تثبيت الجمهورية بخطابات أهابت بالشريعة والعروبة، وحددت مكمن الوجع في عقر دار الامامة، والمناطق التي تدين لها بالولاء:

"إن الذين يؤمنون بالعنصرية، هم الذين يدافعون عن الفوارق والامتيازات، التي تفصل بينهم وبين سائر فئات الشعب لا طبقاته، ويصرون على أن يتميزوا على الشعب وينفردوا عنه بحقوق سياسية واجتماعية، كأنهم لا يقبلون أن يكونوا في عداد أبنائه، ولا في مستوى إنساني كمستوى إنسانيته. هذه النزعة المغالية هي النزعة العنصرية، وهي أخطر شيء على الهاشميين وعلى مستقبلهم، سواء عاشوا في اليمن، أو في أي قطر عربي آخر".
 
لم يكن الإنصاف، يوماً، من شيم النهايات، خاصة بعد شعور أعداء الثورة بخطر الزبيري، الذي اوصلهم إلى الاختباء في الجبال، فكان لابد أن تنتهي حياته ليتخلصوا من عبئه. وتم اغتياله ضمن أحد جولاته للمصالحة بين القبائل، في يوم أسود، مازالت اليمن تبكيه حتى اليوم على لسان البردوني:

من مات؟ واستحيا السؤالُ..
وأطرق الردٌّ الخجولُ..
أهُنا "الزبيريُّ" المضرّجُ؟،،
بل هنا شعب قتيلُ..
وأعادت القممُ الحكايةَ،
واستعادتها السهولُ"..
 
ما الذي جعل الزبيري مختلفاً عن غيره حتى اليوم، لتلتحق الدعوات له بالرحمة عبر لسان كل يمني، رغم أنه لم يكن الأقوى أو الأكثر بلاغة وجاذبية؟!
 
أعتقد بأن ما ميزه عن غيره، كان إيمانه المطلق بهذا الشعب. حتى وهو يعاتبه، ستجده ليناً لطيفا في عتابه، وكأن الشعب حبيبته التي يخشى حزنها وبكائها، وبرغم سلبيات تلك الحبيبة، التي ورثتها عبر ألف عام من البؤس، مازالت في عينيه الجميلة، أمُّ الحضارات التي ستعيد مجدها، ما أن تنتفض.
 
من سخرية الأقدار، أن صورة اليوم لم تختلف كثيرا عن الماضي الذي غيره الزبيري ورفاقه، إلا من مفارقات بعض الظلال. فالشعب، في وقتنا الحالي، هو من يبحث عن قائد أو ثائر يؤمن به، يستجدي الصدق ويرجوه، بعد أن أحاطته ضجة زائفة لا حقيقة فيها.
 

السبت، 30 مارس 2019

طريق هجرة .. 

  السبت, 30 مارس, 2019 - 08:34 مساءً

  نور ناجي 

 كبرنا في العمر واكتشفنا أن الاوطان كالغواني اللواتي لا يعشقن سوى البحارة الأكثر سوءً، تتبادل معهم الاحضان على الرغم من الكراهية والموت الذي يتقيئونه عليها. 

 من الصعب معايشة الكراهية أو مواجهة الموت بشجاعة، لذلك هاجر الكثير ويجدّ الأكثر في بحثه عن رحلة تبعدهم عن مثل هذا الجنون. فالأمان وطن كاف بالنسبة للبعض.. 

 ‏يقضي الانسان حياته باحثا عن الكمال على الرغم من ثقته المطلقة بعدم وجوده على سطح هذه الأرض، لذلك يرحل اليمني عن أرضه وهو يعلم يقينا أن هجرته سوف تاخذه بعيداً عن ما يكون؛ منزله، عائلته، مغامراته السرية مع إخوته، الريالات التي كان يجمعها لإنشاء دوري كرة قدم في الحارة، سور مدرسته، نبض قلبه الأول، ورقصة "البرع"، والتخزينة في عرس أعز اصدقائه.. 

 ‏لكنه يرى أن ابتعاده عن الكراهية والموت  المستعران، سبب يستحق الهجرة. ليس الأمر بالسهولة التي يتوقعها البعض، فبعد اتخاذ قرارك، عليك خوض صراع مع رحلة موت تقل فيها احتمالات النجاة عن تلك في بلدك..

 ‏منذ سنوات ليست قليلة، لم يعد اليمني يملك رفاهية السفر الانساني، فقد انضمت دولته لقائمة الدول التي يرمقها العالم بأعين متوجسة مرتابة؛ لابد وأنه يحمل جزء من ثقافة الموت والكراهية التي يصنعها بلده وليست هجرته سوى وسيلة لتصدير تلك الثقافة للعالم. ومهما علا وجهه سخام التعب والخوف من الصعب، نزع تلك التهمة عنه ..

 ‏يتعلم طالب الهجرة الكثير..  
في البدء يجب عليه عدم تصديق وعود سماسرة الرحلة للمحطة الأقرب، السعر المبالغ فيه، الظروف القاسية التي سيمر بها واحتمالية التخلي عنه في منتصف رحلته، ..، إلا أنه مجبر على القبول والدفع بلا ضمانات. يتسائل وهو يقبض على حقيبة همومه، بينما يتمايل به المركب، إن كانت عائلته مازالت تحتفظ بما يمكن بيعه والاستفادة منه ليكمل سفره؟ يدرك أنه قد يواجه الموت غرقاً، اختناقاً، أو جوعاً، لكنه غير مبال، فقد عبر قبله محظوظون وقد ينال حظهم.  ‏

يشترط على المهاجر البؤس، وحمل ملف مهترىء، ثبت عليه صورة شخصية بائسة، وبعض النكبات التي فر منها، حتى يستحق منحه حق اللجوء. سيقف أمام المرآة لساعات طويلة وهو يدقق في قسمات وجهه ملياً، فاي اهتزازه أو ارتعاشة في غير محلها قد تكون السبب لرفضه وعودته لجحيم الكراهية.. ‏  

‏يصل البعض ويبتلع النسيان. إلا أنه، وبعد أن تنتهي دهشة وصوله، يكتشف أنه لم يجد كافة أحلامه!! أو أنها لم تكن كما توقع، ربما لن يجد فيها أوجاع مألوفة؛ لكنها لن تكون خالية من وجه الكراهية، الذي لا يتبدل، والذي جعله في المقام الأول مهاجرا..

 فالكراهية حالة مجردة لا تختص بها أرض ولا يحددها عنوان..  

الثلاثاء، 26 مارس 2019


اختطاف ثلاجة
هيييه أنت، قف، فالمكان كله محاصر!!" ‏

هذا ما تشعر به عندما تحاول إبداء رأيك في أحداث تعز!!.. ‏حالة استنفار قصوى ومارشات عسكرية تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، تضطر حيالها أن ترفع لها ذراعيك وأنت تبحث حولك عن "مصر أبيض طالعي" دليل استسلامك، ليتم إخضاع نياتك وما تحمل من أفكار لعملية تفتيش دقيقة. 

 ‏للحقيقة أوجه كثيرة لكن المواطن العادي رأى ومنذ سنوات مسلسلاً لم ينتهِ في مدينة تعز، سمع فيه مناشدات أهاليها التي تطالب بعودة الأمان الذي لم يعتقدوا أنهم سيفقدونه حتى بعد أن تخلصوا من ميليشيا الحوثي الإنقلابية.  ‏

طالت انتقادات التراخي الجميع دون أن تستثني رأس الدولة، فقد تعودنا من المدينة الشجاعة التي لا تنقصها للإشارة إلى المتسببين بالفوضى بالإسم والصورة، بعد أن تبين عجز الدولة عن السيطرة وفرض السلام، تغير إثر تلك الانتقادات محافظ المدينة مرة تلو الأخرى، حتى حدثت المعجزة، فنحن في بلد لم يفقد معجزاته بعد، لكنها وللأسف ذات مردود عكسي قد تزعزع إيمان الفرد بما حوله على ثبات يقينه. 

 ‏فما إن بدأت قوات الأمن تحرك عرباتها حتى علت الصرخات الرافضة لما يحدث، صرخات كان أصحابها سباقين في انتقاد الدولة ومطالبتهم لها بفرض هيبتها، ألم يكن الأمن مطلباً جمعياً لسكان المدينة؟! وكانت المربعات الخارجة عن السيطرة هي البؤرة التي تفوح منها رائحة الجرائم، وتم فيها حسب الوقائع اختفاء العديد من جثث العساكر؟!

 ‏تقف أمام ما يحدث وانت فاقد للفهم، فقد انقلبت جميع الاتهامات السابقة لتنال من الجيش الوطني وقوات الأمن الخاصة للدولة، تسال نفسك أمام الضجيج الذي لم يتوقف، هل استخدمت الدولة القوة المفرطة؟!،ربما!!..
 ‏لعلها استثنت أو حابت البعض؟!، قبل أن تتذكر بأن الحملة كانت في بدايتها ولم يتم حصر نتائجها بعد!!..
 ‏لعل صخب المعارك أزعج نوم السكان؟!، قد يكون ذلك ممكناً، لكنهم وبرغم ذلك مجبرون على سد آذانهم، فنحن أمام قوة عسكرية تهدد الجميع بما تملك من قوة وسلاح.

 ‏تفاجأت من انتشار فيديوهات لبعض المقاتلين بأسلحة ثقيلة تهدد وتتوعد من يقترب منها بحرق المدينة، يصرخ فيها رجل يؤلب رفاقه بكل حماس: "نحن رجال ابو العباس، لن ينال منا أحد ؟!"، أي منظر محزن، هل هذا ما قاومت تعز لأجله، هل نزف رجالها الذين توسلوا يوما مثل تلك الاسلحة أرواحهم من أجل انتماء لرجل بعينه؟!، ما إن أطرح هذا التساؤل حتى توضع أمامي صورة عربة عسكرية تحمل ثلاجة منهوبة؟!، هل يفترض بي الصمت بعد هذه المقارنة؟!، أي قياس رخيص وصلنا إليه؟!

 ‏لا أستخف بعملية سرقة الثلاجة، أو أقلل من فداحة اقتراف الزي العسكري لمثل هذا الجرم، الذي يتخطى فيه الأذى المعنوى القيمة المادية للمسروقات، لكن مقارنة جريمة نهب قام بها بضعة عساكر، بتمرد جماعة وخروجها عن قوانين الدولة وأنظمتها مقارنة فاحشة تحتاج للكثير من التفسير..  ‏

وبرغم ذلك نطالب قوات الأمن بمحاسبة مرتكبي تلك الجريمة وإنزال أقسى العقوبات عليهم، بعد الإفراج عن الثلاجة المختطفة وتعويضها عن الأذى النفسي الذي لحق بها، وتفسير ما حدث للرأي العام إلا إن كانت تلك العملية مدبرة من قبل الجيش وقوات الأمن ومن ضمن عمليات التطهير المستهدفة؟!   ‏

المدهش فعلا هو وصف ما يحدث بأنه مجرد صراع مسلح بين فصائل متناحرة، بعد أن تم نزع ملابس الدولة من عليها والباسها ثوب الإصلاح وسبحته، يعيدنا هذا الأمر إلى الوراء قليلا حين كانت معسكرات عمران تقف وحيدة أمام الميليشيا التي اجتاحتها واجتاحت اليمن بعدها، وكان العذر السهل الذي جعل الغالبية يقفون موقف المتفرج مطابقاً لما يقال عن أحداث تعز اليوم، فهل نحن أمام سقوط جديد للمدينة؟!

 ‏كان الإصلاح ومازال التهمة المعلبة الجاهزة، لإخراس من يحاول إبداء رأيه، دماج تسقط، انت إصلاحي! ‏معسكرات عمران تسقط، انكشف وجهك الحقيقي أيها الإخواني!!. ‏تصرخ بأعلى صوتك بأن صنعاء محاصرة، ليتم تكميم صوتك مخافة القبض عليك بتهمة التأسلم!، تشير إلى مدينة عدن وأحزمتها الأمنية وأنت تحذر من إقامة مثيلها على تعز، لتجد إجابة جاهزة في انتظارك، وهل تريد أن يحكمنا الإصلاح؟! 

 ‏أي جنون أصاب الجميع، اتفق مع الإصلاح أو اختلف معه، ليس هذا مربط الفرس، المشكلة التي قد تصل إلى حد الكارثة هي حملة التصنيفات التي ازدادت شراسة بعد الحرب من تقييد للأفواه وتهديد مكشوف لحرية الرأي مجرد أن تختلف وجهة نظرك عن وجهة نظر من يصنفك.. 

 ‏كثيرة هي الاقلام التي استمالت المواطن، بالدولة القوية التي يرجونها، بالوطن الذي ستجاهر برايك وفكرك فيها بلا خوف، قد يخالفك الآخر لكنه لن يقوم بتكفيرك أو تخوينك أو طعنك بسهام التهم الجاهزة، للاسف تختفي يوتوبيا الحالمين حين تخالف تلك الأقلام أو تختلف معها في ما تراه.

 ‏إن لم يكن من حق إنسان على هذه الأرض إبداء رأيه بكل حرية فمن الأفضل إيقاف الحرب في كافة الجبهات واستدعاء الحوثي ببساطة ليتصدر المشهد، فقد كان السباق في قتل الرأي الآخر بعد تعذيبه ونزع حروفه في السجون.  

السبت، 23 مارس 2019

‏مفاجآت تاريخية..  
السبت, 23 مارس, 2019 - 09:26 مساءً 
 نور ناجي
  يقول تشاك بولانيك: "التاريخ لا يفعل شيئاً سوى تكرار نفسه، ما نقول إنه فوضى ليس إلا أنماطاً لم نتعرف عليها بعد، ما لا نفهمه نقول أنه هراء، ما لا نستطيع قراءته نقول أنه كلام فارغ"، قد تتفق مع الرجل أو تخالفه الراي إلا أنك لا تستطيع إنكار مسارات التاريخ التي تلقي بظلالها على ما قبلها بشكل مستفز". 

 ‏لم نعد نصاب بالحيرة حين نلقي نظرة على مسار الحرب الشبه متوقفة في اليمن، هناك لعبة دولية لم تحقق أهدافها بعد، والتي يبدو أن القضاء على الانقلاب لم يكن من ضمنها، وليس من المستبعد إن تكون مراوحة اليمن في هذا الركود هو الهدف غير المعلن لهذه الحرب، لكن الى متى؟! 

 ‏يأتي هنا دور التاريخ للإجابة، الشاهد الذي لا يضيع وقته مهما طال ترقبه لرصد الأحداث الدرامية المثيرة، ولن يستعصي عليه حال اليمن، فليست صفحاته سوى سلسلة من حالات الركود التي تقطعها بعض المفاجأت، غير المتوقعة أو المتوقعة حين تتوفر الأسباب..  ‏

قد تكون إحدى تلك المفاجآت قرار خاطىء لم يحسب له جيداً، على سبيل المثال، لم تكن فجيعة هتلر بهزيمة جيشه في شتاء روسيا بأكثر من دهشة روسيا نفسها من قرار غزوها الذي أدت نتائجه إلى تغيير كفتي ميزان الحرب العالمية الثانية وهزيمة المانيا التي ابتلعت قبل بضع سنين فقط معظم أوروبا في عدة أشهر..  ‏

كان قرار  ملك بيت المقدس "جاي لوزجنان"، بالخروج للصحراء ومقابلة جيش الناصر صلاح الدين الأيوبي بجنود كادوا أن يقضوا عطشاً، خطيئة عسكرية لم يحلم بها القائد الكردي المسلم؛ لكنه انتهزها وحرر القدس بعد سيطرة مسيحية دامت تسعين عاماً..

 ‏لن ننسى هنا عودة القدس للاحتلال مرة أخرى بعد وفاة صلاح الدين بنسخ خطة خيانة متوارثة اعتدنا عليها..

 ‏قد تكون لأصغر المخلوقات الحية أثر غير متوقع على مسار يُفترض أن يكون مفروغ منه قبل أن ينقلب راسا على عقب. 

 لو عدنا بصفحات التاريخ إلى الوراء لوجدنا أن العالم احنى رأسه أمام غزو الاسكندر المقدوني الذي كان يسعى إلى "نهاية العالم والبحر الخارجي الكبير"، دون أن يقوى جيش أو أرض عصية على صده، حتى تجاوزت المساحة التي سيطر عليها قبل وفاته 5,200,000 كم2، لتكون بذلك أكبر الدول التي أنشئت في العالم القديم..   ‏

وبضربة عصا غير متوقعة تفتت تلك المساحة بعد وفاة مفاجئة للملك الشاب، والتي اتهمت بها "جرثومة السلمونيلا" المسببة لحمى التيفوئيد التي ظهرت اعراضها عليه كما ذكرت غالبية المصادر..  ‏

شعر الاغريق بضعفهم بعد إنسحاب "أخيل" أقوى المحاربين من صفوفهم، فهداهم تفكيرهم لوضع حصان خشبي يحمل في جوفه عده فرسان أمام أبواب المدينة المحصنة قبل مسرحية مغادرة معسكراتهم، لكن الغباء هو من جعل "بريام" ملك طروادة يقبل بإدخال تلك المكيدة التي خرقت حصار دام عشر سنوات، وجعلته ومدينته البحرية مكشوف أمام انتقام عدوه "منيلاوس" زوج "هيلين". 

 ‏اخترق الحصن وهدمت المدينة، وقتل كافة سكانها وانتهت بذلك المنافسة الشرسة على الطرق البحرية بين الإغريق وملوك طروادة..  ‏

ملاحظة: لم يتوقف التاريخ عن تذكيرنا بأهمية الموانئ البحرية ومعارك السيطرة عليها، سواء في الزمن القديم أو على شريط اليمن الساحلي، إلا أننا لا نجيد القراءة.. 

 ‏لم يشعر المدونيين بالملل، مع وفرة انتصارات المغول على يد  جنكيز خان وهولاكو من بعده، "سيحدث شيء ما، لقد مررت بهذا الموقف من قبل"، يقول التاريخ لنفسه قبل أن يسمع هتافات العالم إبن تيمية الذي أخذ يدعو الناس لدفع الضرائب ومواجهة الأعداء القادمين من الشرق.. 

 ‏خرج المسلمون بقيادة "سيف الدين قطز" المملوك الذي تم شرائه من سوق النخاسة صغيراً ليقابل "كتبغا نوين" التابع الأول لقائد التتار العام "هولاكو"، يوم الجمعة 25 من رمضان للسنة 658هـ في موقعة "عين جالوت" التي هزم فيها التتار وتقلصت بذلك أحلامهم قبل أن تتلاشى كذرات غبار، واغتيل قطز المنتصر في طريق عودته على يد مجهول، لم تستدل السلطات المعنية حتى يومنا على الفاعل!!..  ‏

لا داعي للذهاب بعيداً، ربما لو سرعنا عجلة التاريخ وتوقفنا عند منتصف القرن السابق، لوجدنا "أحمد حميد الدين" يقف متفاخراً بعينيه الجاحظتين وبقدرته على حكم شعبه من خلال نافذة قصره لمائه عام أخرى، خاصة بعد أن تغلب على حركة ????م وأعدم ثوارها بدم بارد وبأسلوب بشع أمام أعين الجماهير الغفيرة..

 ‏لم تكن استباحة صنعاء للنهب والسلب، فوضى غير منظمة بل جريمة مقصودة الهدف منها كسر أي نية مبيتة لثورة أو انقلاب جديد عليه. وبرغم حذره الشديد لم يتوقع في أسواء الحالات أن يتم القضاء عليه وعلى مملكته المعتلة على يد بضعة شبان من الجيش ربما لم يتجاوزوا العقد الثاني أو الثالث من اعمارهم، ساندت حركتهم الوليدة ثورة الجماهير التي لم تفارقها صور الإعدامات الوحشية القريبة العهد..  ‏

كثيرة هي الحكايات والملاحم التي جعلت مسارات التاريخ تنحني هنا وتتوقف بعض الوقت هناك، وكما اتفقنا ليست اليمن وما يحدث فيها خارج هذا المسار..

 ‏يشغلني أحياناً توقع سبب مناسب لنهاية هذه الحرب، قد يكون احتلال بعوضه لجمجمة أحدهم  نهاية درامية شيقة، حبكة مثيرة لثورة شعبية تقودها جماهير لم تعد تملك ما تخسره، لن يكون بالختام السيء. ‏ما رأيكم بقرار للشرعية مبالغ في جرأته، يصل إلى حد تهور الشجعان ورومانسيتهم، خاصة مع كثرة قراراتها الغبية..  ‏

ربما بالغ خيالي في التوقع الأخير، ومن الأفضل، لمن هو في مثل حالتنا، أن يبقي أحلامه  في نطاق الممكن الذي لن يعدمنا ظهور قائد صادق، عليه وعثاء المعارك، ظاهره كباطنه، لا يخشى من أجل أرضه لومة لائم، لا ينحني لمنصب ولا يشعر بهاجس تغيير سعر صرف الدولار الذي قد يؤثر على مستحقاته الشهرية..  

السبت، 16 مارس 2019

وكأن شاعرنا الكبير عبد الله البردوني كان على علم بأن اليمني لم يختتم مشوار أحزانه بعد، فأنهى شطر البيت الأول من قصيدته الشهيرة " أحزان وإصرار " بالشرط الأساسي لتخطي معاناتنا: ‏شوطنا فوق احتمال الاحتمال
 ‏فوق صبر الصبر، لكن لا انخذال 

  ‏يحدث أن تصاب بالخذلان، أو تصيب نفسك به، لتقف وحيداً حائرا أمام ما تشعر به، أنت لا تستطيع إزاحة ما ألم بك من وجع، وعاجز أيضاً عن المضي قدماً، وكأن عجزك عن الحركة دين لا بدّ أن تستوفيه ثمنا لسذاجتك، أو لعدم كونك قوياً بما فيه الكفاية لحماية نفسك..   

‏لعل هذا هو حال اليمني الآن، الذي قضى حياته في سلسلة من التوقعات والاحتمالات، وربما الخطط البديلة التي لم يؤخذ رأيه فيها، لكنه وقع على كل حال في نتائجها، حتى جاءت اللحظة التي قرر فيها الانهمار، لم يعد البكاء عيب، خير لك أن تبكي على أن تسمر حياتك في حيرة لا ينتج عنها شيء: ‏
نغتلي، نبكي، على من سقطوا،
 ‏إنما نمضي لإتمام المجال.. 

  ‏لم يعد لليمني شي يفقده، فقد سبقه اخاه في طريق البحث عن الحرية وعليه أن يكمل هذا المشوار مهما كان قاسياً ومراً، فهو قدر مكتوب عليه لا بدّ وأن يمضي به دون أن ينظر للخلف أو يشتكي طول المسافة وجورها، على العكس من ذلك يتوجب عليه من أجل اجتياز محنته، التغني بأوجاعه والعزف عليها:
 ‏دمنا يهمي على أوتارنا ‏
ونغنّي للأماني بانفعال ‏
مرة أحزاننا، لكنها ‏ـ
 يا عذاب الصبر ـ أحزان الرجال
 ‏نبلّع الأحجار، ندمى إنما 
‏نعزف الأشواق، نشدو للجمال 
‏ندفن الأحباب، نأسى إنما ‏
نتحدى، نحتذي وجه المحال 

  ‏لم يعدنا شاعرنا الكبير بطريق سهل مفروش بالأزهار، بل ذكرنا ببدايته الصعبة المستمرة إلى يومنا الحالي فلم تسدد فاتورة الأرض مهما اعتقدنا، سنضطر لدفع المزيد حتى لا يبقى لدينا ما ندفعه: ‏
مذّ بدأنا الشوط، جوهرنا
 الحصى ‏بالدم الغالي وفردسّنا الرمال ‏وإلى أين؟ غرفنا المبتدئ ‏والمسافات ـ كما ندري ـ طوال ‏وكنيسان انطلقنا في الذّرى ‏نسفح الطيب يمينا وشمال ‏نبتي لليمين النشود من ‏سهدنا جسرا وندعوه: تعال..  

 ‏توجعنا الهزائم المفجعة التي نتلقاها بين الحين والاخر، نقترب ونحن في غمارها من لحظات تفقدنا إيماننا أو تكاد، نلمس اليأس بأكفنا لنكون أقرب ما يمكن من الاستسلام وإعلان الهزيمة التي لا نصر بعدها لكننا وفي قمة ذلك اليأس نصحو رافضين الانقياد له، لنستدعي الحياة مرة أخرى وبمنتهى الإصرار، فقد تعلمنا من سلسلة احزاننا أننا أقوى مما نظن وإن معاناتنا هي من تنبتنا مرة أخرى كطائر رخ لا يهزم: ‏
وانزرعنا تحت أمطار الفناء
 ‏شجرا ملء المدى، أعيّا الزوال
 ‏شجرا يحضن أعماق الثرى ‏
ويعير الريح أطراف الظّلال ‏
واتّقدنا في حشى الأرض هوى ‏
وتحوّلنا حقولاً، وتلال
 ‏مشمشاً، بناً، وروداً، 
وندى ‏وربيعاً، ومصيفاً وغلال
 ‏نحن هذي الأرض، فيها نلتظي 
‏وهيّ فينا عنفوان واقتتال
 ‏من روابي لحمنا هذي الربى
 ‏من ربى أعظمنا هذي الجبال   

‏من سخرية القدر، أن يكون الموت أقصى ما يهدد به الشعب ويتوعد به، الموت الذي أمسى حدث اعتيادي، حتى أن اختفاء قوائمه أو التخفف منها صار هو المريب لليمني، فقد اعتاده حتى أنه لم يعد يشكل له تهديد حقيقي، نموت ؟!، وماذا بعد، ما المخيف في هذا التهديد ؟!: ‏
ليس ذا بدء التلاقي بالردى 
قد عشقناه وأضنانا وصال 
‏وانتقى من دمنا عمتّه ‏واتخذنا 
وجهه الناري نعال
 ‏نعرف الموت الذي يعرفنا ‏
مسنّا قتلا، ودسناه قتال 
‏وتقحمنا الدّواهي صورا ‏
أكلت منّا، أكلناها نضال ‏
موت بعض الشّعب يحيي كلّه 
‏إنّ بعض النقص روح الاكتمال   ‏

لن تنتهي الاحزان عن زيارتها الثقيلة حتى نستوعب الدرس المفروض علينا ونستحق النصر، ولن نكون كذلك حتى نقدر تضحية من سبقنا ايا كان ونلغي جميع الفروق التي وضعناها يوماً ما سداً بيننا: ‏
ها هنا بعض النّجوم انطفأت ‏
 كي تزيد الأنجم الأخرى اشتعال 
‏تفقد الأشجار من أغصانها 
‏ثمّ تزداد اخضرارا واخضلال  

 ‏لم يجد البردوني إجابة لأسئلته، فهل سيكون اليمني اليوم وبعد كل هذه المعاناة هو من سيجد لها الأجوبة: ‏
إنما يا موت هل تدري متى
 ‏ترتخي فوق سرير من ملال ‏
في حنايانا سؤال، ما له
 ‏من مجيب، وهو يغلي في اتصال
 ‏ولماذا ينطفئ أحبابنا 
قبل أن ‏يستنفد الزيت الذبال ‏
ثمّ نسى الحزن بالحزن 
ومن ‏يا ضياع الردّ ـ ينسينا السؤال  

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...