الثلاثاء، 26 مارس 2019


اختطاف ثلاجة
هيييه أنت، قف، فالمكان كله محاصر!!" ‏

هذا ما تشعر به عندما تحاول إبداء رأيك في أحداث تعز!!.. ‏حالة استنفار قصوى ومارشات عسكرية تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، تضطر حيالها أن ترفع لها ذراعيك وأنت تبحث حولك عن "مصر أبيض طالعي" دليل استسلامك، ليتم إخضاع نياتك وما تحمل من أفكار لعملية تفتيش دقيقة. 

 ‏للحقيقة أوجه كثيرة لكن المواطن العادي رأى ومنذ سنوات مسلسلاً لم ينتهِ في مدينة تعز، سمع فيه مناشدات أهاليها التي تطالب بعودة الأمان الذي لم يعتقدوا أنهم سيفقدونه حتى بعد أن تخلصوا من ميليشيا الحوثي الإنقلابية.  ‏

طالت انتقادات التراخي الجميع دون أن تستثني رأس الدولة، فقد تعودنا من المدينة الشجاعة التي لا تنقصها للإشارة إلى المتسببين بالفوضى بالإسم والصورة، بعد أن تبين عجز الدولة عن السيطرة وفرض السلام، تغير إثر تلك الانتقادات محافظ المدينة مرة تلو الأخرى، حتى حدثت المعجزة، فنحن في بلد لم يفقد معجزاته بعد، لكنها وللأسف ذات مردود عكسي قد تزعزع إيمان الفرد بما حوله على ثبات يقينه. 

 ‏فما إن بدأت قوات الأمن تحرك عرباتها حتى علت الصرخات الرافضة لما يحدث، صرخات كان أصحابها سباقين في انتقاد الدولة ومطالبتهم لها بفرض هيبتها، ألم يكن الأمن مطلباً جمعياً لسكان المدينة؟! وكانت المربعات الخارجة عن السيطرة هي البؤرة التي تفوح منها رائحة الجرائم، وتم فيها حسب الوقائع اختفاء العديد من جثث العساكر؟!

 ‏تقف أمام ما يحدث وانت فاقد للفهم، فقد انقلبت جميع الاتهامات السابقة لتنال من الجيش الوطني وقوات الأمن الخاصة للدولة، تسال نفسك أمام الضجيج الذي لم يتوقف، هل استخدمت الدولة القوة المفرطة؟!،ربما!!..
 ‏لعلها استثنت أو حابت البعض؟!، قبل أن تتذكر بأن الحملة كانت في بدايتها ولم يتم حصر نتائجها بعد!!..
 ‏لعل صخب المعارك أزعج نوم السكان؟!، قد يكون ذلك ممكناً، لكنهم وبرغم ذلك مجبرون على سد آذانهم، فنحن أمام قوة عسكرية تهدد الجميع بما تملك من قوة وسلاح.

 ‏تفاجأت من انتشار فيديوهات لبعض المقاتلين بأسلحة ثقيلة تهدد وتتوعد من يقترب منها بحرق المدينة، يصرخ فيها رجل يؤلب رفاقه بكل حماس: "نحن رجال ابو العباس، لن ينال منا أحد ؟!"، أي منظر محزن، هل هذا ما قاومت تعز لأجله، هل نزف رجالها الذين توسلوا يوما مثل تلك الاسلحة أرواحهم من أجل انتماء لرجل بعينه؟!، ما إن أطرح هذا التساؤل حتى توضع أمامي صورة عربة عسكرية تحمل ثلاجة منهوبة؟!، هل يفترض بي الصمت بعد هذه المقارنة؟!، أي قياس رخيص وصلنا إليه؟!

 ‏لا أستخف بعملية سرقة الثلاجة، أو أقلل من فداحة اقتراف الزي العسكري لمثل هذا الجرم، الذي يتخطى فيه الأذى المعنوى القيمة المادية للمسروقات، لكن مقارنة جريمة نهب قام بها بضعة عساكر، بتمرد جماعة وخروجها عن قوانين الدولة وأنظمتها مقارنة فاحشة تحتاج للكثير من التفسير..  ‏

وبرغم ذلك نطالب قوات الأمن بمحاسبة مرتكبي تلك الجريمة وإنزال أقسى العقوبات عليهم، بعد الإفراج عن الثلاجة المختطفة وتعويضها عن الأذى النفسي الذي لحق بها، وتفسير ما حدث للرأي العام إلا إن كانت تلك العملية مدبرة من قبل الجيش وقوات الأمن ومن ضمن عمليات التطهير المستهدفة؟!   ‏

المدهش فعلا هو وصف ما يحدث بأنه مجرد صراع مسلح بين فصائل متناحرة، بعد أن تم نزع ملابس الدولة من عليها والباسها ثوب الإصلاح وسبحته، يعيدنا هذا الأمر إلى الوراء قليلا حين كانت معسكرات عمران تقف وحيدة أمام الميليشيا التي اجتاحتها واجتاحت اليمن بعدها، وكان العذر السهل الذي جعل الغالبية يقفون موقف المتفرج مطابقاً لما يقال عن أحداث تعز اليوم، فهل نحن أمام سقوط جديد للمدينة؟!

 ‏كان الإصلاح ومازال التهمة المعلبة الجاهزة، لإخراس من يحاول إبداء رأيه، دماج تسقط، انت إصلاحي! ‏معسكرات عمران تسقط، انكشف وجهك الحقيقي أيها الإخواني!!. ‏تصرخ بأعلى صوتك بأن صنعاء محاصرة، ليتم تكميم صوتك مخافة القبض عليك بتهمة التأسلم!، تشير إلى مدينة عدن وأحزمتها الأمنية وأنت تحذر من إقامة مثيلها على تعز، لتجد إجابة جاهزة في انتظارك، وهل تريد أن يحكمنا الإصلاح؟! 

 ‏أي جنون أصاب الجميع، اتفق مع الإصلاح أو اختلف معه، ليس هذا مربط الفرس، المشكلة التي قد تصل إلى حد الكارثة هي حملة التصنيفات التي ازدادت شراسة بعد الحرب من تقييد للأفواه وتهديد مكشوف لحرية الرأي مجرد أن تختلف وجهة نظرك عن وجهة نظر من يصنفك.. 

 ‏كثيرة هي الاقلام التي استمالت المواطن، بالدولة القوية التي يرجونها، بالوطن الذي ستجاهر برايك وفكرك فيها بلا خوف، قد يخالفك الآخر لكنه لن يقوم بتكفيرك أو تخوينك أو طعنك بسهام التهم الجاهزة، للاسف تختفي يوتوبيا الحالمين حين تخالف تلك الأقلام أو تختلف معها في ما تراه.

 ‏إن لم يكن من حق إنسان على هذه الأرض إبداء رأيه بكل حرية فمن الأفضل إيقاف الحرب في كافة الجبهات واستدعاء الحوثي ببساطة ليتصدر المشهد، فقد كان السباق في قتل الرأي الآخر بعد تعذيبه ونزع حروفه في السجون.  

السبت، 23 مارس 2019

‏مفاجآت تاريخية..  
السبت, 23 مارس, 2019 - 09:26 مساءً 
 نور ناجي
  يقول تشاك بولانيك: "التاريخ لا يفعل شيئاً سوى تكرار نفسه، ما نقول إنه فوضى ليس إلا أنماطاً لم نتعرف عليها بعد، ما لا نفهمه نقول أنه هراء، ما لا نستطيع قراءته نقول أنه كلام فارغ"، قد تتفق مع الرجل أو تخالفه الراي إلا أنك لا تستطيع إنكار مسارات التاريخ التي تلقي بظلالها على ما قبلها بشكل مستفز". 

 ‏لم نعد نصاب بالحيرة حين نلقي نظرة على مسار الحرب الشبه متوقفة في اليمن، هناك لعبة دولية لم تحقق أهدافها بعد، والتي يبدو أن القضاء على الانقلاب لم يكن من ضمنها، وليس من المستبعد إن تكون مراوحة اليمن في هذا الركود هو الهدف غير المعلن لهذه الحرب، لكن الى متى؟! 

 ‏يأتي هنا دور التاريخ للإجابة، الشاهد الذي لا يضيع وقته مهما طال ترقبه لرصد الأحداث الدرامية المثيرة، ولن يستعصي عليه حال اليمن، فليست صفحاته سوى سلسلة من حالات الركود التي تقطعها بعض المفاجأت، غير المتوقعة أو المتوقعة حين تتوفر الأسباب..  ‏

قد تكون إحدى تلك المفاجآت قرار خاطىء لم يحسب له جيداً، على سبيل المثال، لم تكن فجيعة هتلر بهزيمة جيشه في شتاء روسيا بأكثر من دهشة روسيا نفسها من قرار غزوها الذي أدت نتائجه إلى تغيير كفتي ميزان الحرب العالمية الثانية وهزيمة المانيا التي ابتلعت قبل بضع سنين فقط معظم أوروبا في عدة أشهر..  ‏

كان قرار  ملك بيت المقدس "جاي لوزجنان"، بالخروج للصحراء ومقابلة جيش الناصر صلاح الدين الأيوبي بجنود كادوا أن يقضوا عطشاً، خطيئة عسكرية لم يحلم بها القائد الكردي المسلم؛ لكنه انتهزها وحرر القدس بعد سيطرة مسيحية دامت تسعين عاماً..

 ‏لن ننسى هنا عودة القدس للاحتلال مرة أخرى بعد وفاة صلاح الدين بنسخ خطة خيانة متوارثة اعتدنا عليها..

 ‏قد تكون لأصغر المخلوقات الحية أثر غير متوقع على مسار يُفترض أن يكون مفروغ منه قبل أن ينقلب راسا على عقب. 

 لو عدنا بصفحات التاريخ إلى الوراء لوجدنا أن العالم احنى رأسه أمام غزو الاسكندر المقدوني الذي كان يسعى إلى "نهاية العالم والبحر الخارجي الكبير"، دون أن يقوى جيش أو أرض عصية على صده، حتى تجاوزت المساحة التي سيطر عليها قبل وفاته 5,200,000 كم2، لتكون بذلك أكبر الدول التي أنشئت في العالم القديم..   ‏

وبضربة عصا غير متوقعة تفتت تلك المساحة بعد وفاة مفاجئة للملك الشاب، والتي اتهمت بها "جرثومة السلمونيلا" المسببة لحمى التيفوئيد التي ظهرت اعراضها عليه كما ذكرت غالبية المصادر..  ‏

شعر الاغريق بضعفهم بعد إنسحاب "أخيل" أقوى المحاربين من صفوفهم، فهداهم تفكيرهم لوضع حصان خشبي يحمل في جوفه عده فرسان أمام أبواب المدينة المحصنة قبل مسرحية مغادرة معسكراتهم، لكن الغباء هو من جعل "بريام" ملك طروادة يقبل بإدخال تلك المكيدة التي خرقت حصار دام عشر سنوات، وجعلته ومدينته البحرية مكشوف أمام انتقام عدوه "منيلاوس" زوج "هيلين". 

 ‏اخترق الحصن وهدمت المدينة، وقتل كافة سكانها وانتهت بذلك المنافسة الشرسة على الطرق البحرية بين الإغريق وملوك طروادة..  ‏

ملاحظة: لم يتوقف التاريخ عن تذكيرنا بأهمية الموانئ البحرية ومعارك السيطرة عليها، سواء في الزمن القديم أو على شريط اليمن الساحلي، إلا أننا لا نجيد القراءة.. 

 ‏لم يشعر المدونيين بالملل، مع وفرة انتصارات المغول على يد  جنكيز خان وهولاكو من بعده، "سيحدث شيء ما، لقد مررت بهذا الموقف من قبل"، يقول التاريخ لنفسه قبل أن يسمع هتافات العالم إبن تيمية الذي أخذ يدعو الناس لدفع الضرائب ومواجهة الأعداء القادمين من الشرق.. 

 ‏خرج المسلمون بقيادة "سيف الدين قطز" المملوك الذي تم شرائه من سوق النخاسة صغيراً ليقابل "كتبغا نوين" التابع الأول لقائد التتار العام "هولاكو"، يوم الجمعة 25 من رمضان للسنة 658هـ في موقعة "عين جالوت" التي هزم فيها التتار وتقلصت بذلك أحلامهم قبل أن تتلاشى كذرات غبار، واغتيل قطز المنتصر في طريق عودته على يد مجهول، لم تستدل السلطات المعنية حتى يومنا على الفاعل!!..  ‏

لا داعي للذهاب بعيداً، ربما لو سرعنا عجلة التاريخ وتوقفنا عند منتصف القرن السابق، لوجدنا "أحمد حميد الدين" يقف متفاخراً بعينيه الجاحظتين وبقدرته على حكم شعبه من خلال نافذة قصره لمائه عام أخرى، خاصة بعد أن تغلب على حركة ????م وأعدم ثوارها بدم بارد وبأسلوب بشع أمام أعين الجماهير الغفيرة..

 ‏لم تكن استباحة صنعاء للنهب والسلب، فوضى غير منظمة بل جريمة مقصودة الهدف منها كسر أي نية مبيتة لثورة أو انقلاب جديد عليه. وبرغم حذره الشديد لم يتوقع في أسواء الحالات أن يتم القضاء عليه وعلى مملكته المعتلة على يد بضعة شبان من الجيش ربما لم يتجاوزوا العقد الثاني أو الثالث من اعمارهم، ساندت حركتهم الوليدة ثورة الجماهير التي لم تفارقها صور الإعدامات الوحشية القريبة العهد..  ‏

كثيرة هي الحكايات والملاحم التي جعلت مسارات التاريخ تنحني هنا وتتوقف بعض الوقت هناك، وكما اتفقنا ليست اليمن وما يحدث فيها خارج هذا المسار..

 ‏يشغلني أحياناً توقع سبب مناسب لنهاية هذه الحرب، قد يكون احتلال بعوضه لجمجمة أحدهم  نهاية درامية شيقة، حبكة مثيرة لثورة شعبية تقودها جماهير لم تعد تملك ما تخسره، لن يكون بالختام السيء. ‏ما رأيكم بقرار للشرعية مبالغ في جرأته، يصل إلى حد تهور الشجعان ورومانسيتهم، خاصة مع كثرة قراراتها الغبية..  ‏

ربما بالغ خيالي في التوقع الأخير، ومن الأفضل، لمن هو في مثل حالتنا، أن يبقي أحلامه  في نطاق الممكن الذي لن يعدمنا ظهور قائد صادق، عليه وعثاء المعارك، ظاهره كباطنه، لا يخشى من أجل أرضه لومة لائم، لا ينحني لمنصب ولا يشعر بهاجس تغيير سعر صرف الدولار الذي قد يؤثر على مستحقاته الشهرية..  

السبت، 16 مارس 2019

وكأن شاعرنا الكبير عبد الله البردوني كان على علم بأن اليمني لم يختتم مشوار أحزانه بعد، فأنهى شطر البيت الأول من قصيدته الشهيرة " أحزان وإصرار " بالشرط الأساسي لتخطي معاناتنا: ‏شوطنا فوق احتمال الاحتمال
 ‏فوق صبر الصبر، لكن لا انخذال 

  ‏يحدث أن تصاب بالخذلان، أو تصيب نفسك به، لتقف وحيداً حائرا أمام ما تشعر به، أنت لا تستطيع إزاحة ما ألم بك من وجع، وعاجز أيضاً عن المضي قدماً، وكأن عجزك عن الحركة دين لا بدّ أن تستوفيه ثمنا لسذاجتك، أو لعدم كونك قوياً بما فيه الكفاية لحماية نفسك..   

‏لعل هذا هو حال اليمني الآن، الذي قضى حياته في سلسلة من التوقعات والاحتمالات، وربما الخطط البديلة التي لم يؤخذ رأيه فيها، لكنه وقع على كل حال في نتائجها، حتى جاءت اللحظة التي قرر فيها الانهمار، لم يعد البكاء عيب، خير لك أن تبكي على أن تسمر حياتك في حيرة لا ينتج عنها شيء: ‏
نغتلي، نبكي، على من سقطوا،
 ‏إنما نمضي لإتمام المجال.. 

  ‏لم يعد لليمني شي يفقده، فقد سبقه اخاه في طريق البحث عن الحرية وعليه أن يكمل هذا المشوار مهما كان قاسياً ومراً، فهو قدر مكتوب عليه لا بدّ وأن يمضي به دون أن ينظر للخلف أو يشتكي طول المسافة وجورها، على العكس من ذلك يتوجب عليه من أجل اجتياز محنته، التغني بأوجاعه والعزف عليها:
 ‏دمنا يهمي على أوتارنا ‏
ونغنّي للأماني بانفعال ‏
مرة أحزاننا، لكنها ‏ـ
 يا عذاب الصبر ـ أحزان الرجال
 ‏نبلّع الأحجار، ندمى إنما 
‏نعزف الأشواق، نشدو للجمال 
‏ندفن الأحباب، نأسى إنما ‏
نتحدى، نحتذي وجه المحال 

  ‏لم يعدنا شاعرنا الكبير بطريق سهل مفروش بالأزهار، بل ذكرنا ببدايته الصعبة المستمرة إلى يومنا الحالي فلم تسدد فاتورة الأرض مهما اعتقدنا، سنضطر لدفع المزيد حتى لا يبقى لدينا ما ندفعه: ‏
مذّ بدأنا الشوط، جوهرنا
 الحصى ‏بالدم الغالي وفردسّنا الرمال ‏وإلى أين؟ غرفنا المبتدئ ‏والمسافات ـ كما ندري ـ طوال ‏وكنيسان انطلقنا في الذّرى ‏نسفح الطيب يمينا وشمال ‏نبتي لليمين النشود من ‏سهدنا جسرا وندعوه: تعال..  

 ‏توجعنا الهزائم المفجعة التي نتلقاها بين الحين والاخر، نقترب ونحن في غمارها من لحظات تفقدنا إيماننا أو تكاد، نلمس اليأس بأكفنا لنكون أقرب ما يمكن من الاستسلام وإعلان الهزيمة التي لا نصر بعدها لكننا وفي قمة ذلك اليأس نصحو رافضين الانقياد له، لنستدعي الحياة مرة أخرى وبمنتهى الإصرار، فقد تعلمنا من سلسلة احزاننا أننا أقوى مما نظن وإن معاناتنا هي من تنبتنا مرة أخرى كطائر رخ لا يهزم: ‏
وانزرعنا تحت أمطار الفناء
 ‏شجرا ملء المدى، أعيّا الزوال
 ‏شجرا يحضن أعماق الثرى ‏
ويعير الريح أطراف الظّلال ‏
واتّقدنا في حشى الأرض هوى ‏
وتحوّلنا حقولاً، وتلال
 ‏مشمشاً، بناً، وروداً، 
وندى ‏وربيعاً، ومصيفاً وغلال
 ‏نحن هذي الأرض، فيها نلتظي 
‏وهيّ فينا عنفوان واقتتال
 ‏من روابي لحمنا هذي الربى
 ‏من ربى أعظمنا هذي الجبال   

‏من سخرية القدر، أن يكون الموت أقصى ما يهدد به الشعب ويتوعد به، الموت الذي أمسى حدث اعتيادي، حتى أن اختفاء قوائمه أو التخفف منها صار هو المريب لليمني، فقد اعتاده حتى أنه لم يعد يشكل له تهديد حقيقي، نموت ؟!، وماذا بعد، ما المخيف في هذا التهديد ؟!: ‏
ليس ذا بدء التلاقي بالردى 
قد عشقناه وأضنانا وصال 
‏وانتقى من دمنا عمتّه ‏واتخذنا 
وجهه الناري نعال
 ‏نعرف الموت الذي يعرفنا ‏
مسنّا قتلا، ودسناه قتال 
‏وتقحمنا الدّواهي صورا ‏
أكلت منّا، أكلناها نضال ‏
موت بعض الشّعب يحيي كلّه 
‏إنّ بعض النقص روح الاكتمال   ‏

لن تنتهي الاحزان عن زيارتها الثقيلة حتى نستوعب الدرس المفروض علينا ونستحق النصر، ولن نكون كذلك حتى نقدر تضحية من سبقنا ايا كان ونلغي جميع الفروق التي وضعناها يوماً ما سداً بيننا: ‏
ها هنا بعض النّجوم انطفأت ‏
 كي تزيد الأنجم الأخرى اشتعال 
‏تفقد الأشجار من أغصانها 
‏ثمّ تزداد اخضرارا واخضلال  

 ‏لم يجد البردوني إجابة لأسئلته، فهل سيكون اليمني اليوم وبعد كل هذه المعاناة هو من سيجد لها الأجوبة: ‏
إنما يا موت هل تدري متى
 ‏ترتخي فوق سرير من ملال ‏
في حنايانا سؤال، ما له
 ‏من مجيب، وهو يغلي في اتصال
 ‏ولماذا ينطفئ أحبابنا 
قبل أن ‏يستنفد الزيت الذبال ‏
ثمّ نسى الحزن بالحزن 
ومن ‏يا ضياع الردّ ـ ينسينا السؤال  

الأحد، 10 مارس 2019

‏انتقام متشفِ ..

  الأحد, 10 مارس, 2019 - 02:15 صباحاً 

 نور ناجي 

 هل فقدنا الوطن فعلياً إثر عملية الانقلاب، أم أننا فقدناه قبل ذلك بكثير؟! ..

 ‏لم تكن محاصرة صنعاء هي البداية، أو حتى عمران ودماج، ربما لا نستطيع تأريخ لحظة مخصصة لافلات اليمن من بين أيدينا، نحن أمام تاريخ وقع على بركة مغمسة بالدماء وارتوى، حتى بدى أنها حكر عليه. ‏خاضت اليمن الكثير من الاضطرابات، أوشكت على السقوط لمرات لا يستهان بها، وتهاوت وانكبت على وجهها أكثر مما نتخيل، إلا من عودات جمعت فيها نفسها بصعوبة ببضع أجزاء من خيوط وأسلاك شائكة..

 ‏بامكاننا توجيه إتهامات حقيقية على السلالة المريضة بآفة التميز العرقي على غالبية المصائب التي وقعت في اليمن، لكن ذلك لا يعفي اليمني نفسه من تهمة المشاركة في الأذى وهو يعلم غالباً تبعاته لكنه رغم ذلك مستمر في خوضه وكأنه أمام لعبة أو أحداث مغامرة :" من سيدمر البلد ؟! ".. 

 ‏قد يكون الحكم ورغبة السلطة وراء سعي أسياد الحروب في إثارة البلبلة والقلاقل، لكن ما الداعي الذي يرافق الملبين لها؟!، ما الذي يثار في دماء البعض لحظة سماعهم زمجرة  الحرب الأولى وهتافات غربانه، ما الرغبة التي تسري في عروقهم وتجعلهم يلقون محراثهم عنهم ويستبدلوها برغبة متوحشة تتشبث بالسلاح وبرغبة انتقام لا يستطيعون إنكارها؟!..  ‏

حين تراقب بضعة أطفال في لعبة جماعية، لن تجد الجميع سعداء بالنتيجة التي ستوزع فيها الهزيمة على الاغلبية، فالكل يتمنى الاستئثار بالنصر وامتلاكه لكنهم ومن أجل استمرار اللعب يتبعون قوانينه وبالتالي القبول بنصر الغير، فقد انتموا فعليا للعبة وشروطها منذ لحظة اشتراكهم بها، قلة فقط من ستسعى لكسر وتحطيم قواعد اللعبة وتخريب ساحتها مع علمهم اليقين بأنهم سيكونون أول محروم منها!!.. 

 ‏حين تحاول فهم مثل ذلك السلوك ستجد أن عجز الطفل "المخرب" عن إتمام اللعبة مهما بذل من مجهود جعله يشعر بالنبذ الذي أفقده انتمائه لساحة اللعب..

 ‏لا تختلف ساحة اليمن عن تلك الساحة سوى بالأعداد الغير قليلة لمن يحاول تحطيمها مرة تلو الأخرى، بنشوة اندفاع لذلك الفعل لا ينقصه سوى هتاف شمشون: "علي وعلى أعدائي!!"..

 ‏هل يتبادل اليمني مع أرضه علاقة طبيعية، أم أنها تحمل من التعقيدات ما يفوق علاقة الإنسان بأرض يسكنها؟!.. 

 ‏حين تقف أمام مشاعر اليمني تجاه أرضه تجد أنك أمام محب يرى أن علاقته بأرضه كعلاقة حب بعاشقة ليست بعيدة عن "زليخة" حسب تصوره، تعاتبه يوما: "لم لا تمنحني القليل وتقاسمني بعض حبي لك؟!"، وتعطيه ظهرها حينا وهي تسأل الجلاد أن يزيد في تعذيبه؟!، وهو يقف بين جنونها حائرا في كيفية التعامل معها، هل يعطيها ظهره ويغادرها باحثا عن حبيبة أكثر رأفة به، أم يحاول الامساك بيدها مرتهناً لصدفة تعقلها حتى يتجاوزا محنتهما سوية؟!..

 ‏لم تكن جغرافية اليمن ابدا باللطف التي تتحدث عنه الاغاني، فهي أرض شاقة واورثت ذلك الشقاء لأبنائها، الذين أفنوا اعمارهم لاستصلاحها وزراعتها، دون أن يجدوا مقابل ملائم لما دفعوا أو مكافىء للأوقات التي رفعوا فيها أيديهم للسماء استجدا لقطرة ماء، وحتى في تلك اللحظات التي تحنو فيها عليهم وتلين لهم ستجد أن من يقطف خيرها قلة مرفهة لم تحمل لها معول او تذرف على ترابها عرقاً..

 ‏أصيب اليمني بالوهن نتيجة هذا الرابط، واهتز معه الأمان وبعض من الانتماء للأرض التي  يقطنها؟!، لذلك نزع نسبة لا بأس بها من ابنائها عن انفسهم تلك العلاقة عنهم وغادروا الارض الا من بعض التفاتات تعيد لهم بعض ذكريات، ومن تبقى عليها حاول مهادنتها وهو يمارس عليها حياة شاقة، واصبح أحد اثنين أما عازم على دفع ثمن عشقه للأرض بقلب متسع لشقاء وشفاء، أو آخر تحول إيمانه بها لقلق وتربص افقده مع الأيام قدرته على منح الأعذار والغفران وقد حملها تبعات اقدار لا تملك منها شيء..

 ‏  ‏هل انتقمت الفئة الاخيرة للشقاء الذي نالته  من قسوة هذه الأرض؟!..  ‏"

"مهما كانت الحروب قاسية لكنها أكثر عطاء من أرض بخيلة" قد يقولها من فضّل مصلحته الشخصية عن سلام هذه الأرض وهو ينفخ في النيران فيها بانتقام عاشق متشف، دون أن يدرك أن النيران لن تتوقف عند احراق الأرض، بل ستمتد لتلتهمه بمكاسب حروبه واعذار الانهاك والتعب التي أفقدته إيمانه بها..  

السبت، 2 مارس 2019

صنعاء.. "وتعطلت لغة الكلام"..  

السبت, 02 مارس, 2019 - 08:12 مساءً 

 نور ناجي  

 يحدث أن تفرغ منك القصص وتتبلد الحكايا. لا شيء يغضبك أو يسعدك. تتوقف روحك عن شغف الحياة والاستمتاع بتدفقها وحسب، دون أن تبدى لك أسبابها، لعلك تدركها في قرارتك، لكنك لا تريد كشفها لنفسك بوضعك الكثير من الأعذار؛ كالسأم أو رفض الواقع، فأنت مخلص لحالتك مهما كان مزاجها.

   برغم مهادنتك لتلك الحالة، إلا أنها في واقع الأمر تنهكك، تجعلك تفقد جزء من هويتك. لذلك لا يجب عليك الاستسلام أو الانصياع لها، فأنت دون دورة الحياة التقليدية حولك، تحتاج لتعريف جديد وهوية غريبة عنك، وليس من اليسير العثور على بطائق شخصية في هذا الزمن .. 

  ستتفاجأ أن الخروج من هذه الحالة لا يحتاج- أحيانا- لمجهود كبير؛ مجرد وجوه جديدة؛ أو ربما رحلة قصيرة بين قصص الطرقات المزدحمة قد تعيد لك حيوية تدفقك.. أكدت ذلك لنفسي وأنا أخرج من المنزل..   

أنه يوم السبت، الذي قرر الانقلابيون الغاؤه كإجازة بقرار مبكر ليكون يوم دوام رسمي. لم أعرف حتى اليوم أسباب ذلك القرار، وقيمته الحقيقية، أو الانجازات التي تمت بموجبه؟! 

  أشرت للباص الصغير الذي كان فارغاً وانتقيت مقعدا مريحا. اعتدت نسيان ما حولي سابقا في رحلاتي في الباص، إلا أني في مثل هذه الرحلة كنت بحاجة ملحة للبقاء متنبهة لاقتناص فرصة وصيد حكاية ما. كان النهار قد اقترب من الانتصاف، وتأكدت من ساعتي، بعد أن كاد الشارع ينجح في خداعي بهدوئه وقلة ازدحامه.. ربما لسنا في وقت الذروة فقط !! 

  كانت الباصات، كما أتذكر في سنوات دراستي الجامعية، لا تتوقف عن التنافس بينها في إدارة أحدث الأغاني، أو فتح الاذاعات التي حفظنا توقيت برامجها، إلا أن كاسيت الباص الذي يقلني كان صامتاً. لا بأس أن أختار السائق ذلك، ربما لا يعشق سماع الألحان، أو أن الكاسيت الباص معطل. لا داعي للتذمر، فمجرد عدم سماع الزوامل عدالة يجب أن تكون كافية بالنسبة لي..  

 كنت أبحث عن حكاية، لعلي أجدها في ملامح السائق الجانبية التي أحدثت الشمس فوضاها عليها بلا شفقة. وببرود، حرك المقود أمامي بيدين لطختهما آثار زيت المحركات، إلا أني لم أجد فيما أراه ثغرة تدل على قصة ما.  ترى ما حكايته؟! ما زال في مقتبل العمر، لكن تصلب قسماته تقول إنه لا يفكر في شيء، ولا يريد ذلك. لعله كان أقرب لحالتي التي تركتها في المنزل !!

   لا بأس سأعثر على ضالتي قريبا.. 

  توقف الباص مع إشارة راكب جديد. لم يتذمر سائقو العربات حولنا، يبدو أن شوارع صنعاء الضيقة لم تعد تعاني هي الأخرى من الازدحام أو من ضيق الأفق. حوار قصير دار بين الراكب وسائق الباص بسبب الأجرة، صعد أثرها بعد أن اتفاقا على دفع نصفها.. هل خيب ذلك ظني؟! ربما كنت آمل في بذرة حكاية على غرار: "وثار السائق اخيرا".. 

  تركت سائق الباص، فلا فائدة تُرجى منه، واختلست النظر إلى الراكب الذي دلت هيئته على موظف حكومي تقليدي بثياب رثة أصبحت هي الصفة المميزة لغالبية موظفي الدولة، بعد توقفهم منذ أكثر من ثلاث سنوات عن قراءة رسالة نزول الراتب في حساباتهم البنكية. في هذا المشهد "حكاية"، قد تكون مثيرة في الظروف العادية، إلا أنها غدت بالنسبة لي ولغيري حكاية سمجة لا تثير المشاعر أو تحركها، فاعتياد المهانة واقتسامها بين شعب بأكمله يجعلك تفقد الشعور بها مع توالي الأيام..!!  

 لم يُطِل الباص السير، حتى توقف مرة أخرى. كانت هذه المرة سيدة تجاوزت الستين من عمرها. لم تحاول تخفيض الأجرة بل دخلت الباص بنظرة حازمة قبل أن يعترض أحدنا على "الشوالة" التي تحملها !! كنت أريد أن اطمئنها بأن لا معترض منا، إلا أني توقفت. يجب أن تأخذ الأحداث مجرياتها دون تدخل مني ..!!

   أخذني الفضول لمعرفة ما تحوى تلك "الشوالة"، فسرقت لمسة خفيفة ميّزت عبرها الخبز الناشف. لابد وأنها تربي بضعة اغنام وليس الخبز سوى طعامها، متى ستتحدث عنها؟!.. 

  طال الوقت دون جديد. لماذا لا تبادلني الكلام كما تفعل النساء عادة؟! قد يكون انتظار الحدث، إفراغ واضاعة له، قلت ذلك في نفسي وأنا أخالف قواعدي وألقي عليها التحية. شَعرتُ بالدماء تتدفق إلى رأسي ساخنة، حين أجاب الصمت تحيتي !! هل اعتبرت السيدة إشارة رأسها الخفيفة، والتي بالكاد لمحتها، ردً كافٍ عليّ؟!..   

ما الذي حدث لسكان مدينتي؟! ما هذا الخرَس الذي ران على قلوبهم؟! ربما أخطأتُ ببحثي عما يحرك البركة الراكدة في وجوه تعطلت منها لغة الكلام !!..  

 كانت صنعاء، ومازالت، منبع لا ينبض، لذلك غادرت الباص الفاقد للحكايات سريعاً، وترجلت للسير على أرصفة المدينة. اشتقت لصنعاء، المدينة الجميلة التي مهما حاول الزمن إخراجها عن مسارها التاريخي تعود رغما عنه. حاولت السير أطول فترة ممكنة، لعل الوجوه ليست باردة غير مبالية كما توقعت، أنها أقرب لوجوه اعتادت على الكلام حتى لم يعد بإمكانها منحه..!!   

ربما عجزت عن إيجاد إلّهام في وجوه ساكني صنعاء، لكنني كنت خبيرة في تقصي أخبار المدينة ومعرفة أحوالها. مازال نبضها، بالنسبة لي، هو المؤشر الحقيقي الذي أعتمد عليه. رفعتُ رأسي إلى الجبال المحيطة لخصر المدينة، والتي لم أعد اسمع ترانيمها الصباحية منذ فترة ليست بالقليلة. هل تغيرت صنعاء كما يقول البعض؟! ..   

"معك حق الصبوح يا عمة"؟!، قاطعني ذلك الوجه الذي لم يتجاوز سنواته الخمس. من المفترض أن يؤلمني ذلك الطلب، إلا أن ذلك البريق المحتال الذي بدى في عينيه، جعلني ابتسم. قبَضتُ على كفه التي استسلمت لي وأنا أسأله مرافقتي بضع دقائق، ليحكي لي، خلال دقائق قصيرة، كيف سيصبح طبيبا بيطريا يعالج قطط الشوارع التي يعطيها جزء من طعامه كل يوم..   

ما الذي توقعته حقاً من المدينة؟ لن تحبذ مدينة نفسها حين تكتظ بالفقر والحاجة والمهانة! لن تستقبل طالبي النسيان بالابتسامات والهزل! لن تكون سعيدة حين ترى توقف سكانها بفعل جماعي عن الكلام! ستصاب بخيبة أمل قاسية نتيجة خذلان فاق الأربعة أعوام من وعد بنصر لم يوفى..   

ليست صنعاء أو ساكنيها كما يظنه البعض؛ وليس الصمت وتعطل البوح والشكوى تبلد وبرود؛ فهناك نبضات غاضبة قد لا نستشعرها على الوجوه، إلا أنها تصل عبر نبض الأرصفة والطرقات؛ غضب هادر، قد تكون مفارقة ابتسامة ذلك الصغير شعلة إيقاده، بعد أن استقت المدينة وقود الغضب، من ذلك السائق والموظف البائس والسيدة ومني؛ نبضٌ، يجعلني لا أخشى على صنعاء مهما طالت مدة الانقلاب الجاثم عليها..  

 ستعود صنعاء كما كانت، إن لم تكن عودتها للأفضل. فبعض المدن لا يمكن للحياة أن تعطيها ظهرها بسهولة..    

السبت، 23 فبراير 2019

دكاكين طبية.. 

  السبت, 23 فبراير, 2019 - 09:38 مساءً 

 نور ناجي 

  للحرب في صنعاء شكل مختلف، بعيدة كل البعد عن الصورة النمطية التقليدية. فهي أقرب لكائن رمادي شفاف أحاط المدينة وتسلل اليها ببطء، زحف بين شقوقها والتصق بأبوابها ونوافذها حتى ابتلعها بألوانها القديمة، ونسخ نفسه عليها..  

 كنا نسخر من المتشائمين، الذين كانوا يحذرونا من نية الحوثي وجماعته اعادتنا لعصر ما قبل التاريخ. ليس ثقة في الحوثي، بل لاستحالة العودة للماضي في مثل هذا العصر المنفتح، متناسين أن مؤشر الحضارة كما يصعد يهوى للقاع بمنتهى السهولة. وتم للانقلاب ما تمنى، وهوت اليمن تحت ثقله لقاع لم يسلم فيه شيء..   

المضحك، أننا وصلنا الى نقطة الّلا شكوى، فلن تعيد الهتافات والمناشدات شيء لسابق عهده..  

  ككل الخدمات في صنعاء، تردت حالة الخدمات الطبية. نستطيع القول بأنه لم يعد هناك من طب حقيقي في المدينة الفارغة الجيوب سوى للقادر، والقادر جدا. أما غالبية الشعب فقد ترك لها خيار الموت البطيء، أو تحمل ما لا تطيق من ثمن خدماته الباهظة..   

وحتى لا أكون جائرة، لم تغلق على المواطن جميع الابواب، بل منح لنا خيار مغامرة دخول الدكاكين الطبية المستحدثة، والتي لا تختلف كثيراً عن صور الماضي الرمادية التي سخرنا من فكرة عودتها..  

 لن تدهش حين ترى الازدحام على عيادات، أو دكاكين الطب الشعبي، أو النبوي، أو ذلك المتشعب في علم الجان وسحر المارد "مرجان"، أو حتى الاحواش الخاصة بعلاج "الونش". نعم الونش والذي يقال بأن تجربته لا تخلو من الإثارة!! وستجد الزائر لتلك الدكاكين، بعد أول زيارة لها، يتحول إلى أكبر المدافعين عنها، وكأنه يزيح عن نفسه حساب ضميره لقبوله أن يُحتال عليه بمثل تلك الكذبات..  

 وكان لي، للأسف، نصيب في تجربة أحد تلك الدكاكين. قبضت ذلك النهار على يد "شهد"، في محاولة لمدها ببعض الشجاعة بعد أن سبقتنا والدتها إلى طاولة الاستقبال في "العيادة"، إن كان بإمكاننا إطلاق لفظ العيادة على بلاط ذلك البدروم المظلم برائحته الموبوءة!..  

 كان المكان مزدحماً، لدرجة أنك لن تجد موضع قدم "لزبون" إضافي، لكن أبوابها كانت مازالت تستقبل المزيد. اختنق المكان بالبكاء والزفير الخانق، إلا أن المذيع كان يقبض على ميكرفونه ومصمم على نقل أخبار المعارك من قلب جيزان ونجران عبر الشاشة المغبرة بكل حماس. يدهشك المدى الذي يصل إليه اعلام الانقلاب في الحفاظ على مثل هذا الثبات الانفعالي، رغم مرور السنوات على ذات الخبر!!.. 

  لمحت شيخ كبير يلوح بعصاه في وجه الممرضة البارد:"إنكِ تخالفين الطابور، وتحابين صديقاتكِ أو من يدفع لكِ، رأيت ذلك بأم عيني" صاح بعصبية وهو يرغي ويزبد، مؤكداً لمن حوله أنه يقف على نفس المسافة من الطابور منذ ثلاثة أيام دون ان يُجري العملية. سالت نفسي بين تشنجاته: هل من المعقول بأنه لم يُزِل الّلوزتين بعد هذا العمر؟!. لعلها ليست الُلوز على أي حال، فمثل هذه الدكاكين لا ترفض مريض أو تعجز عن شفائه!..   يبدو أن الشيخ لم يكن جائرا كما اتهمه البعض، فقد احتفظت والدة "شهد" بالحجز الذي تأخرت عنه يومين كاملين، وتخطت الطابور و"مخاط" الاطفال ولعنة الشيخ، بمنتهى البساطة، باتجاه "غرفة العمليات"!!..  

 تلمسنا الطريق بصعوبة: "لا يجوز أن يكون في غرف العمليات نوافذ"، هَمَسَتْ لي قبل أن تتعثر بجسد سيدة افترشت البلاط. قد تكون والدة شهد محقة في مسألة عدم وجود نوافذ، لكن ذلك لا يعطي الذباب الحق في احتلال مثل هذا المكان واتخاذها مسكناً له. اعتدنا الرؤية بعد لحظات، ليطل علينا بوجهه البشوش. لا يعطي البالطو الابيض الإيحاء دائما بأن من يرتديه طبيب، وهذا ما شعرت به من حديث "الطبيب"، الذي يبتلع نصف حديثه وكأنه يخشى التورط في كلمة تُدينه!.. 

  تجعلنا الحرب أنانيون بعض الشيء، وتخرج أسواء ما فينا. وقد كنت أنانية، بمقدار ولو بسيط، وأنا أزيح بعض الأطفال عن السرير المزدحم، بعيدا عن أعين أمهاتهم بالطبع، لأواجه شهد بابتسامة مشجعة وأنا أسد أذنيها الصغيرتين عن الصراخ المحيط بنا. لا يجدر بها أن تضعف جرّاء انهزام اللحظات الأخيرة. لن تتلقى ابتسامة رضى نتيجة ذلك، فقد أخرجت الحرب أيضاً أسواء ما في والدة "شهد" وحولتها لكتلة من العصبية..   

 استوعبت الطفلة محاولتي، فأبعدت كفاي وعلى وجهها ابتسامة واثقة: "اطمئني يا خالة، إن خلع اللوزتين بهذه الطريقة أسهل وبدون وجع تقريباً. كما أن أكثر وفيات المستشفيات نتيجة للمخدر الذي يستخدمه الأطباء، وأنا لا أريد أن أموت". لم أكن بحاجة لذكاء خارق لأدرك من الذي وضع لشهد تلك المعلومة. لم يتعلم الأطفال شيئا من الحرب، ومازالوا في منتهى "السذاجة" !!  

 كنت حريصة على أن يستبدل الطبيب المحتال قفازيه الطبيين بأخرى جديدة. فأن يستخدم ذات الزي المتسخ وسرير العمليات المرصوص بالصدى والمرضى شيء، وأن يبدأ عملية جديدة بنفس القفازات شيء لا ينبغي السكوت عنه ابدا، ولن اسمح به..  

 اصابتني نوبة شديدة من الغثيان بعد صرخة شهد المدوية، وخروج الكماشة الملطخة بالدماء من حلقها. يبدو أن علبة البخاخ التي رشها على حلقها لم تكن كافية، أو ربما منتهية الصلاحية، حتى بعد أن هزها مرارا بحاجبين مقطبين وانحني مرة أخرى "لنتع" اللوزة الثانية.   من نعم ربنا سبحانه وتعالى أنه اكتفي بلوزتين في الحلق. لم تكن الطفلة لتقبل بجولة ثالثة حتى وإن ماتت اختناقا بمخدر المستشفيات، أو هددتها والدتها بسلخ جلدها..  

 لم أكن اعلم أن شهد تحمل ذلك القلب الأسود حين قاطعت العائلة، محملة إيانا مسؤولية الصدمة التي اصابتها. إلا أني استطعت بعد عدة محاولات اختراق الجبهة المنيعة التي حصنت نفسها بها، وشرحت لها ظروف والديها التي أصبحت في منتهى السوء بعد انقطاع الراتب: "إنها الحرب يا شهد، غادرت الشوارع فعلاً لكنها لم تختفي بعيداً، مازالت هنا ملتصقة بلونها الرمادي على جلودنا"..  

 هتفت الطفلة بحنق وهي تحاول كتم نشيجها: "يا رب اقطع لوز الناس اللّي عملت الحرب، واقطع لوز اللّي قطعوا راتب أمي وأبي!".    
هززت رأسي دون أن أردد حروف دعائها أو أؤمن عليه. فكما يأسنا عن الشكوى، توقفنا عن الدعاء حتى نستحقه أو نحقق شروطه. كل ما كان يشغل تفكيري: هل ستواصل حياتنا التدهور عن ما وصلنا إليه، أم سينالنا الحظ ونتوقف عند محطة البخاخ المخدر؟!..  

السبت، 16 فبراير 2019

قطعة نرد 

 السبت, 16 فبراير, 2019 - 08:59 مساءً

 نور ناجي 

 ألقت امريكا قطعة النرد خاصتها ليكون القرن العشرين قرناً اسرائيليا بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، بمساراته، تاريخه وأحداثه، سواء تلك التي وقعت بنية سليمة، أو الأخرى المُبيّته بمؤامرة كونية خطط لها جيداً، أو بتزاحم مصادفات مدهش. لكنها، وكما أرادت، ازاحت خرائط العالم ببرود لتفسح مجالا للدولة الوليدة..   

لا يعني وجودك بالضرورة استمرار بقائك في ظل وجود مغامرات على شاكلة محاولة إغراقك في البحر. لذلك كان لازما على امريكا إضافة قرن جديد ألقت على أيامه الأولى قطعة النرد مجدداً، لإعادة صياغة العالم وترسيخ وجود ذلك الكيان بثبات وقوة.  

 ماذا عنا نحن؟ ما دورنا في كل ما يدور في العالم؟!   

نحن في أفضل حال. مازلنا نحتفظ بالنفط، السائل المقدس الّلزج، الذي يمدنا بكينونتا. الاهنا وصنمنا المعبود، هويتنا، وصك بشريتنا، الذي لولاه ما كنا ولا أثبتنا للعالم- مع مرور كل ناقلة نفط- بأننا كائنات حية، وسيتم استمرار الاعتراف الدائم بنا حتى نضوبه، لنعود بعده لسيرة معاركنا الأولى بالقوس والنشاب، والربابة والمزمار- إن افُتي لنا بجواز سماعه بالطبع..   على الرغم من ندرة التساؤلات الحماسية الا أنها مازالت تُطرح: ما مدى قبول المواطن العربي بمثل هذا الكيان؟ أين رفضه وتنديده؟! اناشيده الحماسية؟! ماذا بالنسبة عن المقاطعة الفعالة؟ المظاهرات الحاشدة؟! لينظر إليها الغالبية باستغراب، فلم يعد قلب العربي قادر على تحمل مجهود مثل هذا الطرح، أو يملك الرغبة في اجاباته.  

 كانت أكبر الأخطاء التي وقعت فيها امريكا ومدللتها إسرائيل، مواجهة العرب كقوة وعدو واحد. ورغم الهزائم التي لحقت العرب إلا أن تكلفة الحرب كانت باهضة حين فاقمت من كراهية العالم الحر للكيان الصهيوني، وألهمت العرب- في لحظة فارقة- بمنع تصدير الكنز الشهي المدفون في أرضها، وهو الأمر غير المقبول بتاتاً!!..  

 لذلك تم اعتماد الخطة (ب)، والتي لا تستدعي فتح الجبهات أو إطلاق النيران. لن تكون حدود العرب مع إسرائيل آمنة، حتى وإن عمّقت من حفر الأخاديد حولها. إلّا في حالة مضاعفة وتجزئة الحدود العربية-العربية، لدرجة اقامتها ما بين مواطن وآخر، بعد تمزيق جميع ما كان يربط بينهما. 

  لا ينبغي الظهور العلني لإبعاد أصابع الاتهام. لذلك كان من الأفضل استخدام عدو تقليدي قديم. وتبرعت إيران للقيام بذلك الدور لتقاطع مصالحها ولدغدغة حلم السيطرة القديم. وبحكم معرفتها التاريخية بالمنطقة، كانت الاطول نفساً والأقل في نسبة الخسائر.    

فلسنا أمام حرب مباغتة قصيرة، بل أخرى شاملة، تبدأ بقطع الرؤوس ولا تنتهي بتسوية الاوطان بالتراب. كانت الفتنة الطائفية فعالة وتدميرية على مر الحروب التي استخدمت فيها. وكان لها ذلك وتحولت الأوطان إلى كينونات متناحرة، مارست الإرهاب بينها البين بأسوأ اشكاله. حتى أصبحت إسرائيل كلمة لطيفة وربما مطمح ديمقراطي للمقهورين.   

تحولت إسرائيل من عدو إلى دولة تتمنى أي دولة شرق أوسطية صداقتها. على الرغم من معرفة الجميع بأن الدماء التي سالت في المقام الأول كان لأجل تثبيت وجودها. إلا أن الانهاك والخوف أصاب الجميع، وصار خيار السلم في الحارة والشارع هدف وجودي بالنسبة للدول المنكوبة، وأولوية لتلك التي تخشى سقوطها.   

تقلصت قضية العرب الأولى، ولم يعد تحريرها سوى حوار ساخر، يدار بين خيار تحريرها عن تحرير صنعاء أو بغداد مثلا. لم يعد المواطن اليمني يهتم لما يحدث في رام الله قدر اهتمامه بحجور. يتابع الفلسطيني أخبار غرقى سوريا على شواطئ العالم وهو يشكر الله على سلامة أبنائه. يزمّ الليبي شفتيه حين يحدثه سوداني عن مظاهرات تزمع إسقاط النظام.  

 ما الجديد إذن؟! ربما كانت صياغة السؤال خاطئة، وتصحيحه هو: ما القديم الثابت على الساحة؟!   

من المضحك ان تكون وجوه مسؤولينا وملامحهم هي الثابت الوحيد، رغم معرفة الجميع بزيفها، وانكشاف مقابلاتهم السرية التي لم تعد مزعجة لنا. إلا أنهم مصممون على إثارة اشمئزازنا وهم يرسمون ملامح الامتعاض على ملامحهم لحظة مشاركتهم طاولة الاجتماعات مع مسؤول إسرائيلي "مندهش لتصرفاتهم العلنية"!!  

 مازال القرن في بدايته، وساحة اللعب مفتوحة بخياراتها. هل مازال العربي قادر على انتزاع نفسه من واقعة المزري، أم سيبقى حجر نرد بأوجه صماء لا قدرة لها على التنبوء؟!   

فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...