فرانكشتاين!..
لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صفحاتها لا ينبغي إلا أن يوجد على يد "إمرأة"!..
لا أحد ينكر براعة المرأة في الإنتقام على الرغم من توقف مهارتها على رسم المخططات، فغالباً ما يكتفي خيالها بالتوغل في دماء عدوه أو حتى شربه قبل أن تنهره عاطفتها بالكف عن تصرفات الصبيان!..
تقف أمام الرواية مثنياً على الإنتاج النسائي البحت فاتزان المرأة يمنعها من إرتكاب أخطاء تقليدية تبعث على السأم كخلق وحوش لا تملك سوى الخلود أو القوة الفائقة؟!..
ما الذي يجعل أحدهم يتمسك بإقامة مملة أمام إثارة لحظات قصيرة مكتظة بالشغف، وما المتعة التي قد نجدها في حياة مطعمّة بإلاكراه؟!..
"ينبغي أن لا تختلف الوحوش النسائية عن محيطها حتى يسهل اختفائها بين الجموع باقنعة غير مكلفة!"، أكدت ماري شروطها على الطبيب "ڤيكتور فرانكشتاين" بطل الرواية وهو يعد نفسه بحماس لأداء دوره!..
تجلى إبداع "شيلي" في عدم إتكالها على تدوير منتجات الغير، فعلى الرغم من جمع الطبيب لأجزاء وحشها من بين الجثث والمقابر صممت على جعله بذاكرة نقية لم تلوث بأي ماضي، ليس لإمرأة قادرة على الإنجاب وبعث الحياة أن تنسخ وحوشاً بذكريات قديمة، كمصاص الدماء مثلاً _الكائن الذكوري المنشأ_ الذي مازال يقتات على دماء غيره متخذاً حيرته أمام التوقيت الحقيقي لميلاده عذراً لشراهته!..
برغم وقوف ماري على ما يدور في معمل فرانكشتاين إلا أنها تراجعت عن تحذيره لمخاطر تمرير التيار الكهربائي ونتائجه، كانت قد اعتبرت الطبيب الحاضن الشرعي للاوصال المرقعة امامها وليس لها منعه من تحمل مسؤوليته حتى مع عدم اقتناعها باهداف قيامه بتلك التجربة والتي راح يسردها وهو يدون ملاحظاته الأخيرة!..
لم تكن محاولة الخلق خطيئة الطبيب، تخليه اللا اخلاقي عن ما صنعه لاحقاً هو ما وضعه ضمن قوائم المذنبين، فكيف لماري أن تغفر لفرانكشتاين اقتصار نظرته على ملامح المخلوق المشوهة وبشرته الصفراء وتغافله عن الروح الحائرة التي استيقظت للتو على طاولته!..
لم يكن التيار الكهربائي هو من أوجد الوحش، "الوحدة وازدراء النفس" الذي شعر بهما عقب تخلي فرانكشتاين عنه كان الخطوة الأولى لاتمام صناعته كوحش..
"كان يجب أن أكون آدم الخاص بك، لكني بدلًا من ذلك كنت الملاك السيء!"، يقول المخلوق لصاحبه وقد اختلط لوم نفسه بمشاعر الخذلان والخيبة التي احس بهما، "ألم يكن "فرانكشتاين" قادراً على اسعاده، أم أنه شعر بعدم استحقاقه لأدنى قدر من الاهتمام؟!"، لم يكن الوحش على دراية بعد بمقاييس البشر لتبادل المحبة بينهم البين ومشاعر الجبن والخوف التي قد تعترضها؟!..
استغرق الكائن أو المخلوق ما يلزمه من وقت حتى كف عن تساؤلاته وتوقف عن ملاحقة الطبيب الفزع، " لا تتوقف الحياة على أحد!"، قالت "ماري تشيلي" وهي تلحق بمخلوقها بعد أن فقدت الامل في إصلاح ما بين ابطالها!..
ليس العيش المنفرد سهلاً على المرأة، لذلك فشلت "ماري" في تشكيل مخلوق لا يقدّر الحياة العائلية أو يستشعر اهميتها، مازال وحشها يجتهد في البحث عن عائلة تحتويه أو يحتويها حتى أدرك بأن شكله المخيف سيقف عائقا بينه وبين ما يريد، "يبدو أن البشر يعطون الاغلفة البراقة أهمية أكثر من جوهرها!"، تمتم الوحش بأسى أمام صورته التي انعكست على سطح الجدول!!..
"لست وحشاً، ولن أكون ما يريده لي الغير!" هتف بغضب قبل أن ينهض من مكانه عازماً على تغيير قدره، بينما تبعته ماري وقد امتلاء قلبها بالاسف عليه!!..
لا يعود المجرم منفرداً لمسرح جريمته، غالباً ما تعود الضحايا لتفقدها أيضاً!، وعاد الثنائي للالتقاء مجدداً..
ربما تجددت مشاعر المخلوق تجاه الطبيب في تلك اللحظة لكنه جاهد لكبحها بالحساسية المفرطة التي اورثته فيها كاتبته، "انتهى وقت الاستجداء!"، همس لنفسه قبل أن يقف بثبات أمام فرانكشتاين الفزع ويهتف بحزم : "عليك إصلاح ما افسدته!"..
كان يستحق الحب وهو على ثقة من إمكانية إيجاده وإن عبر الشخص الذي حرمه اياه، فالحاجة أم "التنازل" الذي اضطر إليه وهو على ثقة بأن قِطع الأجساد الملتقطة من المقابر ستكون أكثر رقة من قلب بشري ينبض بالقسوة!.
وضع المخلوق مطالبة على الطاولة التي شهدت ميلاده بكل صرامة :"يجب عليك إيجاد رفيقة لي!" على الأغلب أن "فرانكشتاين" لم يلتقط رسالة الكبرياء القوية التي اخفاها الوحش بين طيات مطلبه، واستبدلها بمخاوف تهديد فناء البشرية التي راح عقله يرددها بصمت؟!..
"أي أنانية حملها ذلك "الفيكتور"؟!، قدرة البعض على عدم الفهم تتجاوز قدرتك على الدهشة!"، لعل هذا ما جال في خيال ماري شيلي وهي تسعى لاهثة بين الأوراق لمراقبة تلاعبه ومواعيده الكاذبة، ولم يمر وقت طويل حتى صدق حدس الوحش ودمر فرانكشتاين جسد رفيقته التي كان يفترض به خلقها!..
لم تكن "الكاتبة" منذ البدء لتسكب مدادها على "كائن" لا مبرر لوجوده، امتلكت ما يكفي من أسباب الوجع لاسقاطها عليه سواء تعمدت ذلك أو باحت بما فيها دون أن تعي، قد يكون ذلك هو سبب تعاطف القراء أمام المخلوق البائس وقد لامس حضوره اوجاعهم الخاصة!..
على الأغلب أن "ماري شيلي" شعرت بالذنب تجاه "اليزابيث" خطيبة الدكتور "ڤيكتور"، إلا أنها زمت شفتيها وضمت كفيها لقبضة الوحش لتشاركه اعتصار عنق الفتاة :" حانت لحظة السداد التي انتظرتها طويلاً، ولن يضير الرواية تخلصي من بعض شخصياتها!"..
انتظرت "ماري" ما يكفي حتى تذوقت بطرف لسانها لوعة فرانكشتاين وهو ينوح على جثمان حبيبته، " من قال بأن الإنتقام ليس حلواً؟!"، تسألت قبل أن تمضي بحماس وتلقي آثارها أمام الطبيب الخاوي من كل شيء إلا ملاحقة الوحش حتى لم يعد بامكانها الابتعاد أكثر، تلفتت للمدى الأبيض الذي احاط بها دون ان تخفي ابتهاجها، لن تجد لفرانكشتاين وقلبه موضع أكثر مثالية من المحيط المتجمد!..
مازال قلب المرأة هو الأكثر رأفة، لذلك لم تقوى كاتبتنا على ترك فرانكشتاين وحيداً، القت جواره اوجاعها القديمة قبل أن تعطيه ظهرها وتغادر :"كان لا بد من ذلك الختام، فأجود أنواع النهايات تلك التي تلصق لعنتها بمستحقيها للأبد!"، رسمت ماري ابتسامة بريئة على وجهها ووضعت الاوراق المذيلة بكلمة "انتهى!" جانباً..
يدرج البعض رواية فرانكشتاين ضمن "أدب الرعب"، متجاهلين تقلبات روح ذلك المخلوق وصداها الذي مازال يصرخ مدافعاً عن نفسه وعن ماري :" أن كان هناك من جانب مظلم بين الأحداث، فأصله يعود لما تحت رداء "فرانكشتاين"!..
جميعنا يسكنه وحش ما، البعض ينكره والبعض يعترف بوجود ما يشبهه، كانت "ماري شيلي" من القلائل الذين حملوا شجاعة الاقرار بحقيقته، حاولت كثيراً الترويح عنه وترويضه حتى فقدت السيطرة عليه، لم تكن سعيدة بتنظيف الفوضى التي تركها خلفه إلا أنها تحلت بالشجاعة ونصرته متحملة كافة مسؤوليتها تجاهه!..
نور ناجي..
الأحد، 19 يوليو 2020
الأحد، 5 يوليو 2020
تقول الأسطورة اليونانية إن الإنسان عاش جوار الآلهة بهيئة كائن يحمل أربعة اذرع وأربعة أرجل بينما حمل رأسه وجهين كل في جهة، قبل أن يشعر الإله "زيوس" بالقلق نتيجة تزايد قوة ذلك الكائن، فيشطره وينزله الأرض متفرقاً. وليس التعلق الذي يربط المحبين بعضهم لبعض وشعورهم الدائم بأنهم التقوا مسبقاً، سوى نتيجة التقاء شطري كائن واحد لم يكن له أن يتشظى.
ومع إدراك الإنسان لخرافة الاساطير، وحقيقة أنها ليست سوى حلول مؤقتة للقضايا التي استعصت على فهمه، ألقى بأسباب مشاعره إلى أمزجة القلوب وتقلباتها، قبل أن يتطور العلم ويؤكد بتجاربه المخبرية أن انفعالات البشر ليست سوى نتاج تفاعلات "كيميائية/بيولوجية" مركزها الدماغ، تتبادل الهرمونات فيها الأدوار قبل أن تذوي وتتلاشى ما أن تنتهي من أداء وظائفها. فكما ينشأ الحب نتيجة بعض التفاعلات، يبهت وينطفئ لذات السبب.
بعض الحقائق العلمية تشعرك بالإحباط وتزيل عن قصائد الشعراء ومعلقاتهم الكثير من سحرها قبل أن تنتفض: لم يقل العلم الحقيقة كاملة ما زالت قصص الحب الأصيلة تصدح عن نفسها بشجاعة.
شهد القرن الماضي قصة حب غير عادية جمعت الكاتبة "مي زيادة" بشاعر المهجر "جبران خليل جبران". علاقة خالفت المقاييس العلمية التي تحدد فترات تقريبية لمراحل الحب، واستمرت لمدة عشرين عاماً!..
ولدت مي زيادة في "ناصرة فلسطين"، العام 1886م من أب لبناني وأم سورية، نشأت وتلقت تعليمها في لبنان قبل أن تنتقل مع والديها إلى القاهرة- قبلة المثقفين والأدباء ذلك الوقت. لم يطل بها المقام حتى انشأت صالونها الأدبي، الذي جمع كوكبة أدباء ذلك العصر، مثل: طه حسين، وعباس محمود العقاد، وأحمد الزيات، واحمد شوقي.
لم تملك "مي زيادة" الجمال الجامح لإيقاع أدمغة أولئك الأدباء في غرامها؛ إلا أن ذلك حدث وأخذ الأدباء يعترفون لها بحبهم تباعاً. أي فتاة كانت ستشعر بالسعادة أمام ما اتيح لها من خيارات؛ لكن "مي زيادة" فاجأت الجميع برفضها لهم وتمسكها بالشاعر "جبران خليل جبران".
"على الأغلب أن زيوس كان سيشعر بالحنق لنتيجة ذلك اللقاء!" تقول بتشفي، قبل أن تتفاجأ ببقية أحداث القصة، فلم يلتقِ العاشقان طيلة سنوات حبهما، ولم يحاولا!. مازال جبران خليل جبران في مدينة نيويورك بعيداً عن مي زيادة بآلاف الأميال، مكتفياً بالرسائل المتبادلة بينهما.
لخط اليد مذاق خاص، لكن هل يمكنه فعلا أن يبقي المرء معلقاً بطرفه لعشرات السنين؟! يبدو أن "مي" وقعت في ذلك الفخ، لكن لماذا اسميه فخاً؟ لعل قلبها أو دماغها، أيا كان محرك مشاعرها، هو من أراد ذلك التأرجح، حين وجد في تلك العلاقة مسافة آمنة، ستحميه من خوض تجارب مجهولة النهايات، كما إن الشغف الدائم سيكون مادة غنية لقريحتها.
تتداخل المشاعر حتى لا تقدر على تمييزها، وقد المحت الشاعرة لبعض حيرتها في إحدى الرسائل: "أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير، كما أن الجفاف والقحط واللاشيء بالحب، خير من النزر اليسير، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا؟ وكيف أفرّط فيه؟! لا أدري.."..
هناك استثناء دائماً. على الرغم من العالم المفتوح ل"جبران" والعلاقات المتعددة التي رافقت مسيرته، إلا أنه لم يقبل بالتخلي عن "مي" أو رسائلها. لعل الشك في إمكانية انطفاء حبه لها، بعد أي لقاء، كان سبباً لتخاذله، لكنه استمر بكسر حواجز الجغرافيا مناجياً إياها وكأنها تجلس أمامه:
"أفكر فيك يا ماري كل يوم وكل ليلة، أفكر فيك دائماً، وفي كل فكر شيء من اللذة وشيء من الألم، والغريب أنني ما فكرت فيك يا مريم إلا وقلت لك في سري “تعالي واسكبي جميع همومك هنا، هنا على صدري”، وفي بعض الأحيان أناديك بأسماء لا يعرف معناها غير الآباء المحبين والأمهات الحنونات.. وها أني أضع قبلة في راحة يمينكِ، وقبلة ثانية في راحة شمالكِ، طالباً من الله أن يحرسك ويبارككِ ويملأ قلبكِ بأنواره، وأن يبقيكِ أحب الناس إلىّ”..
توقفت الرسائل بعد وفاة "جبران"، ليُكسر قلب "مي"، وتدخل مصحة نفسية، لا تلبث أن تخرج منها حتى توافيها المنية وحيدة!..
لا تكاد تنتهي من جمع فصول القصة حتى يصيبك الحزن، من المؤسف أن يشعر الغريب بإخلاص وصدق ثنائي أختارا تكذيب قلبيهما!..
يحدث أن تشعر بالجبن أمام مشاعرك، فتختار الوهم عنها. بعض الخيال أكثر جمالاً من الواقع، بل إنه يصلح أن يكون متنفساً مناسباً لمجمل حياتك. على الأغلب أن " مي وجبران" كانا من "الأنصاف" التي خلقت لتقارع العلم ونظرياته الباردة، لكنهما لم يملكا شجاعة الفعل على الرغم من سهولته!!.
تمكن العلم من توصيف أدق الانفعالات التي تصيب المرء لحظة وقوعه في الحب، إلا ان توصيفه مازال ناقصاً.. لماذا تشعر بالتعلق تجاه شخص دون غيره؟! ولماذا كان في الأمس وليس اليوم أو غداً؟! وما الذي يجبرك على التمسك بأحاسيس معينة، رغم اذاها؟!
لعل جهلنا لتلك الإجابات هو ما يمنح الحب سحره ويجعله أسطورة لا تتحقق حتى يتحلى أطرافها بالشجاعة.
الأحد، 28 يونيو 2020
مازلنا نحمل، ومنذ بدء الخليقة، علامة استفهام حائرة عن أسباب المعاناة الإنسانية، سواء اقتصرت تلك المعاناة على رغبات النفس ومحاذيرها، أم امتدت لتكون حجة النزاعات البشرية وحروبها التي لا تتوقف، قبل أن نتوقف عاجزين أمام قوى الطبيعة التي لا تكتفي منا ولا نكل نحن من محاولة ترويضها!.
لماذا كُتبت المعاناة على البشر؟ وما الجدوى من وجود الشر؟! مازالنا نطرح ذلك التساؤل بين وقت وآخر، استوى بذلك من حاول إخفاؤه، أو من جاهر به مبدياً اعتراضه!..
على الأغلب، لن تجد إجابات شافية، فالسور الذي بناه جارك وحجب عن منزلك الضوء "شراً" تضررت منه، بينما يشعر جارك تجاهه بالاطمئنان!..
لا يقتصر الأمر على تضارب المصالح الفردية أو الفئوية، فقد امتد اختلاف البشر إلى تصنيفهم للأخلاق. فما يعتبره العرب مروءة وشهامة، قد يعد في المجتمع الغربي تهوراً واندفاعا غير مبرر. لا اظن أن وصف أحد "الهنود الحمر" بالرجولة، سيكون مفهوماً أمام مجتمع لم يعانِ من احتكار جنس معين لصفات محددة..
مازال التباين في وجهات الرأي، حتى في الانظمة والقوانين العالمية. فعلى الرغم من عيوب الديمقراطية، مازال البعض يفضلها على الملكية، كما أن الرأسمالية الجشعة، مرضية لقطاع كبير حين يقارنها بقمع الأنظمة الشمولية..
قد يكون إطلاق صفة الشر على القوى الطبيعية أمر غير منصف تماماً، على الرغم من قلقنا تجاهها..
فعلى الرغم من الأرقام المرتفعة لضحايا جائحة كورونا؛ إلا أن توقف عجلة الحياة العملية للبشر جعلت كوكب الأرض يتنفس بارتياح، ويكشف عن قمة جبل ايڤرست للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية بفضل غياب التلوث الجوي!..
لعل الفلاسفة أكثر من خاض في هذا البحث؛ فقد أعتقد "أفلاطون" أن الخير طبع لمن اعتاده، والشر مباح لمن أراده"، ليلقي بذلك اللوم على الفرد لاغياً تأثير ما يكسب الفرد من محيطه! بينما رأى "دانتي" أن النفس البشرية ساذجة، تجري كالطفل وراء مصالحها الدنيوية التافهة، لذلك وجد أن من الضروري إيجاد قوانين صارمة لرعاية البشر. وكأنه سمح- بطرحه- فرض الأنظمة القمعية سيطرتها على الفرد، منعاً لانحراف لا مفر منه!..
لم تتجاهل مدرسة إبن رشد ابداء رايها في تعريف الشر، وقالت بأن الأصل في العالم هو الخير، وليس الشر- في نظرها- سوى طارئ؛ كالعقوبات التي تفرضها القوانين البشرية، والتي تعتبر- في تعريفها- شرور وجدت من أجل الخير. أما عن وجود الشر في العالم فقد قسمته مدرسة إبن رشد الى قسمين؛ شر مطلق لا علاقة للرب بوجوده؛ وشر نسبي، فالنار "شر" حتى تستخدمها في المنفعة!..
ربما كان طرح إبن سينا هو الأكثر تميزاً حين ربط تعريف الشر بثنائية "الوجود والعدم"؛ فيُقال للشيء "شراً" عندما يترتب عليه حرمان الموجودات من الكمال؛ فالعمى شر لأنه حرم حاسة الإبصار من كمالها!.
تعريف بديع، أردف بعده، استحالة وجود ما يسمى بالخير المطلق أو الشر المطلق، إلا في بعض استثناءات، مازال الماء لازم للحياة إلا أن ذلك لا يمنع الغرق فيه!..
لعل بحثنا عن عالم مثالي ليس سوى ضرب من ضروب العبث، وليس علينا كبشر إلا محاولة السعي في محاولة التخلص مما نعتبره شراً أو الحد منه، لعلنا نحصل على بعض الكمال أو في احسن الأحوال: عالماً أقل شراً..
الزيدية بين المذهب والفكرة!..
مازال البعض يردد _وإن على استحياء_ بأن المذهب الزيدي أقرب المذاهب الشيعية لأهل السنة لولا السمعة التي نالته بسبب تصرفات الميليشيا!..
" لم لا؟!"، تقول ذلك مدركاً أن المطامع السياسية تجبر أصحاب المذاهب والمِلل _ أحياناً _على توسيع معتقداتهم أو تضييقها في سبيل إرضاء ولي الأمر، وقد يكون البحث الجاد عن أصول المذهب الزيدي هو الطريقة الوحيدة لتبرئته!..
يعرف المذهب لغوياً بالطريقة أو المقصد ووجهة النظر، بينما يشير اصطلاحه الفقهي إلى الإتجاه في فهم الشريعة والمنهج في استنباط أحكامها التي تمس حياة المسلم من خلال الأدلة الواردة في القرآن والسنة ودون الخروج عن قواعد وأصول فقهية محددة، فهل انطبق شروط المذهب الفقهي على الزيدية؟!..
ظهر الفكر الزيدي بعد دعوة زيد بن علي بن الحسين للخروج على الخليفة الأموي " هشام ابن عبد الملك"، قبل أن يفشل إلا أن دعوته لاقت صدى في كل من نجد وشمال أفريقيا والمناطق المحيطة ببحر قزوين كما استقرت في شمال اليمن، واتخذت منذ نشأتها تسميات مختلفة اطلقت على الأغلب باسماء ناقليها، " سالمية، ناصرية، جارودية، هادوية، وغيرها من الفرق...."
على الأغلب أن الزيدية لم تستشعر حاجتها لفقة خاص مع استمرار التقاطها لأفكار المعتزلة والمذهب الحنفي، عدى القاعدة الأساسية للزيدية والتي تمحورت حول "الخروج عن الحاكم الظالم"، والتي انكب عليها "فقائها" بحثاً وتمحيصاً لتجيز حكم عدة أئمة في ذات الوقت، رغم ما قد ينتج عن ذلك من حروب واقتتال!..
ربما وجدت "الزيدية" في الأمام العادل ما يغني عن بقية فروع الفقه، لذلك طالبت الساعي اليها "بالعلم والفضل، الشجاعة، السخاء الورع، وجودة الرأي والعدالة" قبل أن تتأكد من سلامة أطراف وحواشي الإمام "الفاطمي الجديد"، الذي يجب أن يسبق منافسيه للمبايعة!!..
كان لا بدّ من ذلك السبق المحموم مع مطاطية الشروط السابقة، تبقى الأفضلية للأكثر سرعة وحركة، _الشرط الذي لم تنسى الزيدية اضافته_!..
يمكننا القول بأن المذهب الزيدي خصص نفسه لتهيئة الأئمة أكثر من انشغاله بتنظيم حياة الفرد وشؤونه، وقد تلقت مناطق شمال اليمن الكثير من التأنيب بسبب تمسكها بمذهب هزيل لم يسبب للأرض التي تعلقت بها سوى الخراب وتكرار الحروب!!..
تهمة قد يراها البعض جائرة، فلم تتلاشى الزيدية في المناطق الأخرى إلا بسبب تشيع أصحابها الصريح أو مواجهتها بقوة فرضت نفوذها على عدم منطقية "المذهب المختص بقيام الفتن"، ولم يكن استثناء اليمن من تلك القاعدة إلا بسبب ظروف خاصة هيأت للزيدية اسباب البقاء..
كانت الجغرافيا سبباً رئيسياً لاستقرار الأئمة في اليمن، فابتعاد أرضها عن مراكز الخلافات الإسلامية جعلها قبلة الهاربين الذين رحب اليمني باستقبالهم نكاية بتجاهل الخلافات لمظالمه قبل أن يثور حالما شعر بالجور الذي وقع عليه وللامتيازات التي ظهرت تباعاً واختصت فئة بعينها مستثنية اياه، لتدور المعركة سجالاً بين اليمني والفكر الزيدي الذي استخدم اسحلته الشهيرة "التجويع والتجهيل ونشر الدسائس والفتن بين أعدائه"، حتى أعادت الجغرافيا لعبتها وحولت اليمن من منطقة مهجورة إلى مطمع خارجي..
تدخل الأئمة بشكل مباشر أو غير مباشر باستدعاء تلك التدخلات، واستغلوا لاحقاً حالة عدم الإستقرار الأرض ليرتدوا ثياب الوطنية ويعودوا بقوة للواجهة السياسية بحجة محاربتهم المحتل برفقة اليمني!..
من الجائر إطلاق لفظ المذهب على الزيدية، مازالت منذ نشأتها الاولى "فكرة ثورية" تبناها زيد بن زين العابدين ضد مظلومية معينة قبل أن يقتات عليها الكثير، لعلها أمست في اليمن إشارة لمنطقة جغرافية أكثر من كونها مذهب معمول به، فلن تجد _ أيام السلم_ فوارق حقيقية بين زيدي ويمني أياً كان مذهبه إلا من سربلة وضم، أو تغيير طفيف في عبارات الأذان حتى تصحو "الفكرة" مجدداً على يد طلاب السلطة وامتيازاتها الخاصة..
نور ناجي
دخل الإسلام بلاد البنغال مبكراً إلا أن ادارتها عبر حكام مسلمين لم يتم حتى انشقت عن الامبراطورية المغولية في القرن الرابع عشر.
انشأ "النواب"- اللفظ الذي كان يطلق على ولاتها- دولة قوية، امتزجت فيها الثقافة البنغالية والاسلامية بطريقة فريدة، قبل أن يتسبب أحد امرائها بالقضاء على استقلالها واستعمار بريطانيا للاقليم كاملاً..
امتلك "مير محمد جعفر علي النجفي"- المعروف ب"مير جعفر"- طموحا سياسيا ورغبة عارمة في الحكم، جعلته ينضم إلى الجيش البنغالي مبكراً ويتدرج في مناصبه حتى تمكن من الزواج من ابنة "نواب سراج الدولة"، والي البنغال حينها. لم يكن ذلك بالأمر العسير، خاصة مع اصوله القرشية، التي حمل لها مسلمي البنغالي الكثير من التقدير.
ارتبط تعريف الطموح بالحركة والسعي لتنفيذ الرغبات. يمكنك القول أن حركة الأرنب بحثاً عن عشب، أو فراره من مفترس، لا يتعدى عن كونه طموح في البقاء..
لا يستثنى الإنسان من ذلك التعريف، إلا أن "نوعية البقاء" ومقدار الجهد المبذول لأجله هي ما تحدد حركة البشر لتنفيذ طموحاتهم التي لا تخرج غالباً عن ثلاثية: "السلطة، المال، والحب"!..
فما المدى الذي بلغه "مير جعفر" للوصول الى احلامه وطموحاته؟!..
حملت "شركة الهند الشرقية" تفويضاً مباشرا من ملكة بريطانيا للتجارة مع جزر الهند الشرقية، قبل أن تكون المدخل لاستعمار المنطقة. وقد تنبه سراج الدولة في منتصف القرن السابع عشر لمخاطر تلك الشركة واهدافها الحقيقية، فعمل على محاربتها قبل أن يواجهها مباشرة بالقرب من قرية "بلاسي"..
بدى له من ساحة المعركة الممتدة امامه ومعطياتها رجوح كفته، فقد كان صاحب الأرض وادرى بشعابها، تجاوز جيشه 35000 مقاتل، بينما اقتصر العدو على 3000 جندي بريطاني. لم يكن العدد من منحه تلك الثقة وحسب، بل دعمته عدالة قضيته وحتميتها، دون أن يدرك أن "مير جعفر" كان قد تلاعب بتلك المعطيات!..
سارت المعركة في بداياتها الأولى، كما توقعها "سراج الدولة"، حتى استيقظ على فوضى انشقاق جيشه على يد زوج ابنته وانضمامهم لجيش العدة. لا بّد وانه حارب بقسوة بغية القبض على ذلك الخائن قبل أن يصيبه اليأس ويرجو الهرب ..
لم يذكر التاريخ إن كان "مير جعفر" حضر إعدام "سراج الدولة"، بعد ان تم القبض عليه، أم ترك مهمته الثقيلة للقائد البريطاني "روبرت كلايف" وجنوده؟!..
لا تحمل النفس البشرية ذلك النقاء. مازال الخير والشر فيها بذات القدر، يرجع تفاوت نسبه بين شخص وآخر إلى مقدرة احدهم على تخطي الحاجز الفاصل بينهما. قد يكون الطموح مبررا لفعل الخطيئة، إلا أن فهم الكيفية التي قد يتخفف بها فرد من قيمه الأخلاقية لدرجة المساعدة في احتلال بلده، كانت ومازالت الأصعب؟!.
لم يكن "مير جعفر" الوحيد الذي ادرك خفته بعد تخليه عن وطنه، فقد عامله حلفاؤه قياساً على وزنه الجديد، خاصة وقد كان أول قراراته تعويض بريطانيا عن خسائر استعمار بلاده. لا يحمل المستعمر الاحترام لخائن إلا بقدر الحاجة إليه، وقد تم الاحتفاظ بمير جعفر بعض الوقت قبل أن يتم استبداله ب"زوج إبنته" الذي حاول لاحقاً التمرد، الأمر الذي حدى ببريطانيا إعادة "مير جعفر"، ذو الطموح الأنسب لمصالحها!..
من قال أن القاع لا يمنح المزايا؟!..
قد تكون السلطة هي الرغبة الأعلى في مراتب طموحات البشر.. كانت ومازالت المانح السهل لبقية مطامعهم!!..
اعتقد مير جعفر أن خيانته لوطنه ستمنحه تلك السلطة، حتى وقف على كرسي حكمه جندي بريطاني أخذ يراقب حركاته وسكناته عن كثب خشية محاولة انقلابية أو تمرد جديد. فلا يمكن لبريطانيا منح ثقتها الكاملة لخائن. لعل الملك الهش اكتشف بعد انعدام الخيارات أمامه، واستمراره في تقديم التنازلات للمستعمر، بأن المفاضلة بين الطموحات أشد صعوبة من السعي إليها..!
هيمن الإستعمار البريطاني على البنغال طيلة 200 عام، قبل أن تتحرر من سطوته وتحاول محو ما بقي من أثاره؛ إلا من لفظ "مير جعفر"، الذي مازال يستخدم ك"شتيمة" مرادفة للخيانة والغدر، فبعض الجرائم لا تسقط بالتقادم!..
السبت، 6 يونيو 2020
"اللهم انصر الإسلام بأحد العمرين!"، ما زال الرسول يقصد بدعائه: "عمر ابن الخطاب"، و"عمرو بن هشام"!..
كان المسلمون بعد البعثة في أشد لحظاتهم ضعفاً، لم يؤذن للرسول بالهجرة بعد، كما لم يملك أي من أدوات الدفاع عن نفسه وأتباعه الأولين، ليتوجب عليه البحث عن مخرج مناسب ضمن معطيات أنظمة قريش وقوانينها!..
لم يكن رأس المال ذو نفع كبير للمسلمين، وإن تمكنوا من شراء بعض العبيد بواسطته، فلم تميز عنصرية قريش بين المسلمين، عبيداً كانوا أو أحرارا ..
ربما حمل صاحب المكانة الإجتماعية- منفرداً- بعض من حصانة؛ إلا أنها مازالت مهددة بالزوال، حتى تقترن بشخصية قوية تتجاوز الدفاع عن نفسها، لشجاعة وعصبية مواجهة الآخرين. وعلى ما يبدو أن الرسول عليه الصلاة والسلام وجد تلك الصفات في "العمرين"..
كان الغريب في الأمر، استنكار المجتمع احتمالية إسلام عمر بن الخطاب، حتى قالت الناس حينها: "لا يُسلم عمر بن الخطاب حتى يُسلم حماره!"، على الرغم من عداء عمرو أبن هشام الشديد للاسلام!.
هل كان ذلك بسبب الغلظة التي عُرف بها "عمر" ة؟! أم أن تخففه من قيود منصب إبن هشام، (أكبر سادات قريش)، جعله أكثر حركة. لعل الرجلان لم يحملا ذات الأهداف، أو أن ابن الخطاب تفوق في كراهيته تجاه الدعوة الجديدة. فقد تحدثت كتب السيرة عن نيته إغتيال الرسول قبل أن يفكر بذلك عمرو ابن هشام أو يلجأ إليه..
إلا أن ابن الخطاب خالف توقعات السواد الأعظم، وأعلن اسلامه. ولم يكد يؤدي الشهادتين حتى رفع راسه للرسول وطرح تسأؤلاته بحزم: "اولسنا على حق؟! فلم نعطي الدنيّة في ديننا؟!". تبسّم الرسول أمام أسئلة "الصحابي الجديد" وقد وجد فيها إجابة لدعاء طالما نادى به ربه!.
تخفف المسلمون من ضغوط أثقلت كواهلهم، حتى أن "عمرو ابن هشام" كان يفكر مرتين قبل أي محاولة تنمر جديدة، فهو أدرى الناس بكلفة مواجهة "إبن الخطاب"!..
ألا يدعونا ذلك للتسائل عن سبب استجابة الله لدعوة رسوله بإسلام عمر بينما حجبها عن عمرو؟!..
لم يكن الإسلام بالدين الصعب على قريش وسكان الجزيرة العربية. بعض من التهذيب لعادات وتقاليد لم تمس جوهر أخلاقيات تعارفوا عليها. وأغلب الظن أن عمر ابن الخطاب لم يحارب الاسلام كدين، فلم تكن الحجارة المرشقة حول الكعبة لتشغل مثله، خاصة وأن الإله الذي يدعو إليه محمد هو الرب الجامع لكافة ما ينضوي تحته. لم ينكر أحد عليه ذلك حتى اشتعلت الخلافات بين معارض ومؤيد لطريقة العبادة التي وجد فيها ابن الخطاب فتنة تسعى لتمزيق تماسك قبيلة يعلم يقيناً خطورة تفككها، حتى مس اليقين قلبه!!..
لعله انضم بجهالة لجانب الباطل، وكان دين محمد هو ما ينقص قبيلته، ألا يكفي أنه سيتوقف عن الانحناء لآلهة من "تمر"، طالما تسائل عقله عن جدواها بينما هو يلتهمها؟!
لم يجد عمر ابن الخطاب غضاضة في الإعتراف بذلك، فهل جهل ابن هاشم تلك الحقيقة؟ أم أنه فضل تجاهلها حتى أعلن سبب حربه صراحة تحت قدمي الصحابي ابن مسعود: "لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رُويّعيّ الغنم!"..
أكاد اجزم أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لم ينشغل بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، بقدر ما انشغل بالسبب الذي جعل الضعفاء يصبرون بكل جلادة أمام الأذى الذي كانوا يتعرضون له. شيء كبير يجعلهم يستميتون في تحمله برضى، وإن دفعوا حياتهم ثمناً! كان يعرف تلك المشاعر جيداً، هل يعقل أن يمتلك رجل- وإن مارس السحر- هذا القدر من الاغواء؟! لم يسمع بذلك من قبل!.
على عكس إبن هشام، الذي سبق واعترف في عدة مواقف بتصديقه لنبوة محمد، الرجل الذي لم يعرف عنه الكذب قط، فلماذا استمر في عدائه؟!..
تشابه عُمر وعمرو في الطباع، إلا أنهما اختلفا في نظرتهما للأشياء، ليقف كل منهما في طرف مغاير للآخر. شتان بين دفاعك عما تراه "حقاً"، وبين ما تراه "حقاً لك"!..
مازالت الأهداف المحرك الرئيسي لمسارات البشر. حارب عمر بن الخطاب قبل الاسلام وبعده في سبيل ما يراه واجباً، وإن خالف هواه..
بينما ألغى عمرو ابن هشام (أبو الحكم) عقله، وقلص رغباته، إلا من الحفاظ على مكانة وقوة، وجد أن معايير الدين الجديد ستنزعها عنه، ليستحق التصاق لقب "أبو جهل" عليه، حتى بعد مماته!..
الأحد، 31 مايو 2020
لم يشعر والدي يوماً بوجع في أسنانه، ولم يذهب إلى إحدى عياداتها، لذلك امتلكت الكثير من الثقة بحصولي على إرث مناعي قوي. لا زلت أنظر إلى المصابة اسنانهم بإشفاق قبل أن يتمرد عليَّ ضرسي!..
أن تتعاطف مع المتألمين من حولك، أمر، وأن تكون أنت المصاب، مأساة مختلفة. ربما تخففت من بعض الصدمة حين أخبرني الطبيب- لاحقاً- بأن العصب كاد أن يموت من تلقاء نفسه نتيجة اهمالي، إلا أن ذلك لم يشفع للضرس المحشو. أي ضرس هذا الذي يرفض الانصياع لأوامر صاحبه!!..
لعلي كنت بحاجة للمرور بهذه التجربة. على الأقل صار بامكاني التأكد من أن وجع الأسنان لا يطاق فعلا! وليست "العصابة" التي يلفها الموجوع حول رأسه مبالغة درامية!..
لم تنحصر مشاكلي في الضرس "العاق"، فقد كان اختياره للتوقيت مكيدة أخرى جعلتني أجز عليه بغيظ وألم: "الم يدرك أن فيروس كورونا كان قد احتل كوكب الأرض منذ أشهر، ومازال بكامل شهيته، أم أنه تعمد ذلك؟!" تساءلت قبل أن انطلق إلى العيادة مطمئنة نفسي: "لم التشاؤم، على الأغلب أن الفيروس لن يستسيغ مذاقي!"..
لم أستغرب تباعد المرضى دون أن يحاول احداهم فتح باب للحديث أو حتى إعمال حاسبة عقله لإحصاء ما سيجني الطبيب أخر يومه. لا وقت للحسابات أو الحديث، فجلوسك المتربص لا يمنحك وقت لترهات الزمن القديم، فاحتمال تخفي الوحش بين الأجساد المحيطة بك وارد جداً!!..
لم ينحصر الخطر في صالة الإستقبال، فقد جلس الطبيب ساهماً خلف مكتبه قبل أن يتنبه لوجودي. يبدو أن الأطباء غيروا من نوعية قماش زيهم التقليدي ليصبح أقرب من ثياب رواد الفضاء. هل كان يتمكن من الرؤية الصحيحة خلال الكمامة التي تكاد تغطي عينيه؟!..
في حقيقة الأمر لم أكن مهتمة لمدى إبصار الطبيب حتى لو أخطأ في الضرس المصاب، فقد انصبت هواجسي في خلوه من الفيروس أو العكس!! لم لا؟! ابدى كورونا ولعه بالاطباء منذ أيامه الأولى!..
لست- في العادة- من النوع الذي يحمل سرعة بديهة أو ملكة التفكير السريع، إلا أنها كانت من المرات النادرة التي تمكن فيها عقلي من تدبير خطة وتنفيذها على الفور؛كان على الطبيب اجتياز اختبار السلامة الذي قمت به، وقد تجاوزه بنجاح حين قفز مبتعداً عني بعد سعالي الشديد!..
شعرت بارتياح لئيم للقلق الذي أصابه ولاصابعه المرتبكة حين بدأ بعمله على الضرس "العاق"، قبل أن يحدد موعد زيارة بعيدة نسبياً، وقد اتجه لتعقيم نفسه بالكحول دون أن يتحفظ من وجودي. لا بأس! لا داعي للأخذ بقواعد الاتيكيت في مثل هذا الوقت.
غادرت العيادة لأجد الشارع فارغاً من الحياة. يبدو أن "كورونا" جعلنا أكثر تهذيباً. ضاق صدري قبل أن أتسائل: "اليس هذا ما كنت أطمح له بعد شكواي المستمرة من الضوضاء المزعجة والتلوث؟! لماذا التذمر الآن وقد انصت الشارع- من فرط هدوءه- لتتابع خطواتي!!..
فقدت الأرض لطفها القديم منذ اجتياح الفيروس للعالم. كثيراً ما تشعر بأنها تنفذ انتقامها من البشر. انتقام مستحق لا أحد ينكر ذلك، إلا أنه اقسى مما كنا قد نتصوره يوماً!..
جميعنا يخشى الموت، وإن ادعى أحدنا جاهزيته له، إلا أن شعورك الدائم بتربصه أمسى أشد رهبة، وكيف لا، ونحن نرى الأرض بين الفينة والأخرى ترفع سجادتها من تحت اقدامنا بضعة أمتار، قبل أن تلقي بنفسها مجدداً نافضة ايانا عنها، إلا تدرك أنها بذلك تستعيدنا إلى باطنها مجدداً؟!..
ربما كان ذلك مسعاها، فالإنسان أكثر سلاماً حين تجف منه الحياة.
من الصعب أن تشعر بالأمان حين تدرك بأنك خصم محتمل لأرض تحيا عليها!..
أعتقد بأن تمسكنا بحياة مكتظة بالكراهية والحرب والمرض، لا يدل على رغبة في الاستمرار بقدر ما هو تسليم بالأمر الواقع حتى يحين موعد ناموس التغيير، أيا كان شكله ونوعه!..
السبت، 23 مايو 2020
قال تعالى: "يٰٓأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوٰجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"..
نزلت الآية السابقة بعد قيام زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام "بحيلة صغيرة"، لم أجد كامرأة ضيراً من استخدامها في سبيل التخفيف من زيارات الرسول لعروسه الجديد السيدة "ماريا القبطية". ربما أضفت إليها بعض التعديلات والرتوش، قبل أن أتوقف للحظة وأشعر بالانزعاج!..
لا يجدر بنا الاصغاء للنساء خلال نوبات غيرتهن. أقولها بكل صدق. فغالباً ما تفقد المرأة خلالها مَلَكَة المنطق السليم، وغالباً ما كانت السبب الرئيسي لعدم تعاطف نساء النبي مع السيدة "ماريا". هل كان جمالها، الذي عرفت به، سبباً لوضعها في "مرمى النيران"؟ أم أن البعض لم يجدها مكافئة بالقدر المناسب كونها "جارية سابقة"؟!..
لا تحمل النفس البشرية ذلك النقاء، مازلنا نحمل شوائبها وإن تحت سقف منزل نبوي، ألم يرد الله- في موضع آخر- أن يذهب الرجس عن أهل بيت رسوله؟!..
لعل معجزة الرسول عليه الصلاة والسلام الحقيقية هي عدم امتلاكه "معجزة حسية" خاصة به. لم يؤمن له أتباعه بسبب عصى سحرية ولم يُسخر الجن لإقامة مملكته،...، مازال رسولنا الكريم يحمل لمسة إنسانية تضج بمفارقاتها العديدة: هواجس وطموح، شك ويقين، وضعف بشري يقابله صرامة وقوة حين يستدعي الأمر. وعلى ما يبدو أن الرسول لم يجد ضرورة لاستخدام الشدة في معاملته لأهل بيته، حتى تخللت حياته بالممحاكات النسائية!..
لم يكن تحريم الرسول العسل على نفسه هي الحادثة الوحيدة. فها هي إحدى زوجاته تسرب لأخرى بعض أسراره! هل حدث ذلك من باب الصدفة أم أن وشوشة الزوجتان كان لإعداد مخطط جديد؟ قال تعالى: "وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلٰى بَعْضِ أَزْوٰجِهِۦ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ"..
لم تدرك أم المؤمنين فداحة ما قامت به، حتى تسأل زوجها (الرسول) عن مصدر معلوماته؟! وربما قامت باستشارة رفيقتها عن تكتيك أفضل للتعامل مع هذا المستجد. لم يكن لاستمرار زوجتا النبي تقليل من شأنه- عليه الصلاة والسلام- كل ما في الأمر أنه يحمل قلب لين، يشفق على من حوله، حتى إن علم بما يخططان له. مازالت زوجتا الرسول تتهامسان قبل أن يأتيهم الرد الإلهي: "إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلٰىهُ وَجِبْرِيلُ وَصٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ"!!..
أي حشد؟! أعتقد بأن الرسول كان أول من تفاجأ بالدعم الذي أعده له الله مقابل تعنت زوجاته اللائي أخذنّ ينظرنّ إلى بعضهن البعض بحيرة وجزع: "لم تحض معركة بدر بكل هذا الدعم؟! هل تخطينا الحدود بسبب معركة وهمية؟! لا يتخطى الأمر غيرة نسائية مجردة، وأي إمرأة تلك التي لا تغار؟!"..
ليت الأمر توقف عند ذلك، فمازالت الآيات تتابع تأنيبها بلهجة قاسية: "عَسٰى رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمٰتٍ مُّؤْمِنٰتٍ قٰنِتٰتٍ تٰٓئِبٰتٍ عٰبِدٰتٍ سٰٓئِحٰتٍ ثَيِّبٰتٍ وَأَبْكَارًا"..
أكاد أشعر باللطمة التي أصبنّ بها. ليس من السهل تذكير إمرأة بسهولة تبديلها، فكيف إن كانت "زوجة رسول" تدرك المكانة التي نالتها بشرف الاقتران به، كما تدرك بأن السماء لا ترسل "ازواجاً انبياء" كل يوم؟!..
طالما تساهلنا في تجاوزات الأقرب والأكثر محبة، واستسصغرنا أذاها، سواء نالت منا أو أصابت غيرنا، متجاهلين بأن ذلك التساهل يجعلنا مشاركين فاعلين في الظلم :"يٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوٓا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ !"..
يبدو أن السور القرانية أخذت تسميتها من "السور"، أو" الطوق"، الذي يحدد هدف كل سورة!!..
ابتدأت سورة التحريم بتأنيب الرسول وزوجاته، وانتهت بمقارنة صريحة بين أربع شخصيات نسائية مذكورة في القران، نصفهن تقيد بالإيمان، رغم قيود البيئة الثقيلة التي أحاطت بهن، ونصف آخر آثر الانهزام أمام ضعف. لم تكن الغيرة بأي حال من الأحوال مسبباً له!..
لم تكن الآيات تجرم غيرة النساء أو تسعى لتجريدهن منها. مازالت- وغيرها من الطباع البشرية- مغروسة فينا حتى تتجاوز حدودها ويشوبها الاعوجاج..
من حسن حظنا كمسلمين، أن القرآن لم يترك تلك الحادثة لأمزجة قلوب أصحابها، والا كنا فقدنا مذاق العسل مبكراً. فلم يكن إرضاء النبي لازواجه ليقتصر عليه، طالما سنت تشريعات وقوانين من خلال أفعاله.
السبت، 16 مايو 2020
لم تختلف ساحة القرية عن قرى أخرى، إلا من جلافة عابريها، ومن القلق الذي ينتابها للوجوه غير المألوفة، لذلك كان من الطبيعي، ذلك النهار، أن يحاط غرباء بالريبة، خاصة مع تجاهلهم منازل عِلِيّة القوم، وأتجاههم مباشرة نحو باب متهالك لم يطرق منذ زمن!..
"غرباء في منتهى الجمال، في منزل نبي الله لوط!"..!! كان ذلك هو الخبر السار في قرية كانت ترتكب الفواحش ويشتهر قومها بـ"إتيان الرجال شهوة دون النساء"..!!
لم يكن الفتية، الذين أخذوا ينشرون الخبر في أرجاء القرية، هو المستهجن الوحيد. فقد بدى الاستنكار على ملامح المرأة التي استقبلتهم على الباب: "من هؤلاء، وما الذي يبغون من لوط؟! هل يعقل أن الهراء الذي مازال يردده وصل اليهم؟!"..
أطلق القرآن على قوم لوط أقسى عبارات الوصف، فهم: المجرمون؛ والذين يأتون بفاحشة لم يسبقها إليهم أحد من قبل؛ مسرفون، ظالمون، مستكبرون..!! فقد كانت "قرية لوط"، القرية العادية التي فعلت الخبائث، وقطعت السبيل، وأتت المنكر في كل نادٍ ومستقر لها..!! حتى أن المرء يتسائل عن منكر عافته- قد يكون شفيعاً لها- فلا يجد..!!
رغم ذلك، حاول سيدنا إبراهيم عليه السلام، الجدال فيهم، وتأجيل عذابهم لعلهم يهتدون. فقد عادت قرى عديدة لرشدها بعد منحها فرص جديدة، لكن الله سبحانه وتعالى كان حازماً في قراره أمام تلك القرية..
مهما اختلفت المشارب والآراء، مازال الظلم يحمل تعريفات متشابهة، إلا من اختلافات نسبية تعتمد على البيئة أو الثقافة، حتى قلبت قرية لوط تلك التعريفات رأساً على عقب بإنشاءها تعريفاً خاصاً بها. تجد ذلك واضحاً من خلال حكمها الجائر على نبيها: "قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ"- سورة الشعراء
فرق هائل بين أن تكون فاسداً، تحاول أن تخفي فسادك على المجتمع، وبين أن تكون مجاهرا بفسادك على الملأ، بل وتقضي جُلّ عمرك لتطبيع هذا الفساد مع من حولك، محارباً الاستقامة بذات الوقت: "فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آل لُوط مِنْ قَرْيَتكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ"- سورة النمل
على ما يبدو، أن "قرية لوط" كانت الأولى في شرعنة الظلم، والأنحراف، وفرضهما كقانون!!..
لم تسعى قرية لوط إلى "عولمة" قانونها بملاحقة زوار نبيها، إلا أنها اضطرت إلى ذلك أمام الغرباء! فليس من الجيد أن يسمح نظام فاسد باظهار ضعفه عبر "تطّهُر" أحد أفراده!! ويمكننا القول بأن الهدنة التي مُنحت للوط، لم تكن موجهة للغرباء، بقدر ما كانت آخر الفرص المتاحة لتخليه عن مبادئه!..
لنا أن نتفهم الأسباب التي دعت قوم لوط إلى استخدام التهديد والوعيد؛ غير أن انحياز "إمرأة" لوط التام لتلك القوانين كان هو المستغرب!! فلم تكن هذه "المرأة" (كما وصفها القران بهذا الوصف دون أن يذكر لها أسم حتى) بالشابة الطموحة لتستفيد عملياً من مفاسد قومها أو تطمح لبعضها. وبالتالي كان يفترض بعجوز- أقرب لآخرة يدعو إليها زوجها- أن تراهن على إيمان مريح..، فلماذا اختارت مساندة قريتها عن الوقوف في صف زوجها؟!..
للفساد نكهة خاصة؛ متعة تجذب الكثير. مازال الفساد و"المتعة اللحظية"، تُحَجِّم من قدر منافسيها، وإن كان اليقين هو ذلك المنافس، فمازال مؤجل المكاسب. وعلى الأغلب أن امرأة لوط كانت من ضمن تلك الجماهير، لولا قيد زواجها!..
أغلب الظن أن إمرأة لوط، كانت تكره زوجها (الطاهر) في قرية ديدنها الفساد والانحراف. وكيف لا، وقد أجبرها على إلتزام الفضيلة لسنوات طويلة من عمرها؟! هل أخفت مشاعرها طيلة تلك السنين، أم نزعت عنها رداء الورع بعد حين؟! لا أعتقد أن دور امرأة "تّزمل" زوجها حين تغلبه الحيرة، كان يليق بها!! ربما اختارت صبّ المياه القذرة على رأسه، أو وجدت في السخرية منه ما يشفي غليلها!!..
لم تبالي المرأة بالعجز، وقلة الحيلة، اللّذين بديا على لوط. فنامت، وقريتها، تلك الليلة دون أن تدرك بأن "غرباء" الصباح كانوا آخر زوار سيطرقون بابها، ليغادر نبيّ الله مع وبقية أهله دون زوجته، تلك القرية الظالمة، دون أن يلتفت إلى الخلف، كما أمره ربه، وقد كان يعلم في قراره نفسه بأنه لم يعد يملك شيئاً في قرية حق عليها العذاب الإلهي عبر زواره الغرباء، الذين لم يكونوا سوى رُسل ربه من الملائكة!!
لم تكن إمرأة لوط قد أرتكبت الفواحش مع قومها، إلا أن روحها كانت قد تلوثت بالفعل، ولم تعد تختلف عن قومها في شيء. فكما جاهدوا في نشر الفساد وقوننته، لم تبخل هي على زوجها بطاقة سلبية أفسدت أيامه، لتستثنى من أهل بيته الناجيين معه، وتنال ذات النصيب من العذاب الذي استحقه قومها، قال تعالى: "فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ"- سورة الأعراف
"غرباء في منتهى الجمال، في منزل نبي الله لوط!"..!! كان ذلك هو الخبر السار في قرية كانت ترتكب الفواحش ويشتهر قومها بـ"إتيان الرجال شهوة دون النساء"..!!
لم يكن الفتية، الذين أخذوا ينشرون الخبر في أرجاء القرية، هو المستهجن الوحيد. فقد بدى الاستنكار على ملامح المرأة التي استقبلتهم على الباب: "من هؤلاء، وما الذي يبغون من لوط؟! هل يعقل أن الهراء الذي مازال يردده وصل اليهم؟!"..
أطلق القرآن على قوم لوط أقسى عبارات الوصف، فهم: المجرمون؛ والذين يأتون بفاحشة لم يسبقها إليهم أحد من قبل؛ مسرفون، ظالمون، مستكبرون..!! فقد كانت "قرية لوط"، القرية العادية التي فعلت الخبائث، وقطعت السبيل، وأتت المنكر في كل نادٍ ومستقر لها..!! حتى أن المرء يتسائل عن منكر عافته- قد يكون شفيعاً لها- فلا يجد..!!
رغم ذلك، حاول سيدنا إبراهيم عليه السلام، الجدال فيهم، وتأجيل عذابهم لعلهم يهتدون. فقد عادت قرى عديدة لرشدها بعد منحها فرص جديدة، لكن الله سبحانه وتعالى كان حازماً في قراره أمام تلك القرية..
مهما اختلفت المشارب والآراء، مازال الظلم يحمل تعريفات متشابهة، إلا من اختلافات نسبية تعتمد على البيئة أو الثقافة، حتى قلبت قرية لوط تلك التعريفات رأساً على عقب بإنشاءها تعريفاً خاصاً بها. تجد ذلك واضحاً من خلال حكمها الجائر على نبيها: "قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ"- سورة الشعراء
فرق هائل بين أن تكون فاسداً، تحاول أن تخفي فسادك على المجتمع، وبين أن تكون مجاهرا بفسادك على الملأ، بل وتقضي جُلّ عمرك لتطبيع هذا الفساد مع من حولك، محارباً الاستقامة بذات الوقت: "فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمه إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آل لُوط مِنْ قَرْيَتكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ"- سورة النمل
على ما يبدو، أن "قرية لوط" كانت الأولى في شرعنة الظلم، والأنحراف، وفرضهما كقانون!!..
لم تسعى قرية لوط إلى "عولمة" قانونها بملاحقة زوار نبيها، إلا أنها اضطرت إلى ذلك أمام الغرباء! فليس من الجيد أن يسمح نظام فاسد باظهار ضعفه عبر "تطّهُر" أحد أفراده!! ويمكننا القول بأن الهدنة التي مُنحت للوط، لم تكن موجهة للغرباء، بقدر ما كانت آخر الفرص المتاحة لتخليه عن مبادئه!..
لنا أن نتفهم الأسباب التي دعت قوم لوط إلى استخدام التهديد والوعيد؛ غير أن انحياز "إمرأة" لوط التام لتلك القوانين كان هو المستغرب!! فلم تكن هذه "المرأة" (كما وصفها القران بهذا الوصف دون أن يذكر لها أسم حتى) بالشابة الطموحة لتستفيد عملياً من مفاسد قومها أو تطمح لبعضها. وبالتالي كان يفترض بعجوز- أقرب لآخرة يدعو إليها زوجها- أن تراهن على إيمان مريح..، فلماذا اختارت مساندة قريتها عن الوقوف في صف زوجها؟!..
للفساد نكهة خاصة؛ متعة تجذب الكثير. مازال الفساد و"المتعة اللحظية"، تُحَجِّم من قدر منافسيها، وإن كان اليقين هو ذلك المنافس، فمازال مؤجل المكاسب. وعلى الأغلب أن امرأة لوط كانت من ضمن تلك الجماهير، لولا قيد زواجها!..
أغلب الظن أن إمرأة لوط، كانت تكره زوجها (الطاهر) في قرية ديدنها الفساد والانحراف. وكيف لا، وقد أجبرها على إلتزام الفضيلة لسنوات طويلة من عمرها؟! هل أخفت مشاعرها طيلة تلك السنين، أم نزعت عنها رداء الورع بعد حين؟! لا أعتقد أن دور امرأة "تّزمل" زوجها حين تغلبه الحيرة، كان يليق بها!! ربما اختارت صبّ المياه القذرة على رأسه، أو وجدت في السخرية منه ما يشفي غليلها!!..
لم تبالي المرأة بالعجز، وقلة الحيلة، اللّذين بديا على لوط. فنامت، وقريتها، تلك الليلة دون أن تدرك بأن "غرباء" الصباح كانوا آخر زوار سيطرقون بابها، ليغادر نبيّ الله مع وبقية أهله دون زوجته، تلك القرية الظالمة، دون أن يلتفت إلى الخلف، كما أمره ربه، وقد كان يعلم في قراره نفسه بأنه لم يعد يملك شيئاً في قرية حق عليها العذاب الإلهي عبر زواره الغرباء، الذين لم يكونوا سوى رُسل ربه من الملائكة!!
لم تكن إمرأة لوط قد أرتكبت الفواحش مع قومها، إلا أن روحها كانت قد تلوثت بالفعل، ولم تعد تختلف عن قومها في شيء. فكما جاهدوا في نشر الفساد وقوننته، لم تبخل هي على زوجها بطاقة سلبية أفسدت أيامه، لتستثنى من أهل بيته الناجيين معه، وتنال ذات النصيب من العذاب الذي استحقه قومها، قال تعالى: "فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ"- سورة الأعراف
الأحد، 10 مايو 2020
ليس من المستغرب أن تتعلق إمرأة بطفل ألقاه القدر على بابها. أراها تتوسل وهي تحتضن الصغير بلهفة لعلها تحميه من نظرات الريبة التي أخذ فرعون يرمقه بها قبل أن تتوسله مجدداً: "وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا "..
مازلنا أمام موقف إنساني يتشارك الغالبية مشاعرهم تجاهه، فكيف حين يتميز ذلك الطفل بصناعة ومحبة إلهية أجبرت فرعون بطغيانه على الرضوخ لرغبة زوجته التي سارعت في طلب المرضعات للصغير..
لم تكن سيدة القصر لتشك بالفتاة التي عرضت عليهم مرضعة تثق بالتزامها: "فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون". فمازالت بحاجة الى حل سريع لمشكلتها خاصة بعد رفض الصغير المرضعات، على الرغم من صرخاته الجائعة قبل أن يستقر على صدر المرضعة المشار إليها..
تشعر المرأة أحيانا بالعبء نتيجة تدفق احاسيسها بالهشاشة التي تجعلها قابلة للانكسار بين الحين والآخر، إلا أنها- على الأغلب- لن تتنازل عن ذلك الضعف مقابل الحدس العالي الذي طالما كان رفيقاً له..
أكاد أجزم بأن "الملكة" كانت قد شعرت بأن المرضعة القادمة من بني إسرائيل هي الأم الحقيقية للصغير الذي تبنته. إن لم تكن سكينة الرضيع وتدفق الحليب دليلاً كافياً، لا بدّ وأن تقارب الملامح كان قد دلها على ذلك..
مازال فرعون يرى في بني إسرائيل أعدائه، يستضعفهم ويسومهم سوء العذاب، دون أن يوقف بحثه عن غريمه بينهم. أخذت امرأة فرعون تفكر في ذلك وهي تنقل بصرها بين الصغير وأمه، وتحاول إخفاء المعركة الدائرة في صدرها..
لا بد وأنها عادت بالاحداث الدرامية الاخيرة لنقطة البدء، تفاصيل الكابوس الذي أرق نوم زوجها، وربما لما قبلها من ظلم قام به زوجها ضد بني إسرائيل وغيرهم، قبل أن تدير العجلة مرة أخرى للأمام: "هناك أمر جلل يُعد!!"، انبأها حدسها، وقد يكون فيه نهاية مملكة زوجها وحكمه الذي سيمسها هي أيضا بشكل أو بآخر!!..
طالما تساءلت عن الأسباب التي حدت بزوجة فرعون إخفاء ما يحدث تحت سقف قصرها..! الم تخشى زوال مملكتها؟!.
لن تجد امرأة لا تحب القصور. طالما كان التاج ولقب الأميرة أو الملكة حلم طفولة أي فتاة، وقد أدركت زوجة فرعون وضعها ومكانتها جيداً منذ خطواتها الأولى في قصر زوجها: السيدة الأولى، وزوجة حاكم البلاد الأقوى على مر التاريخ، إلا أن تحقيق حلم طفولتها، الذي طالما حسدتها النساء عليه، لم يجعلها تتغاضى عن قسوة قلب زوجها والإستبداد الذي استمرأه. أي يأس شعرت به حين اختلفت قوانين زوجها عن قوانين المملكة التي تمنتها لنفسها!..
يبقى الظلم ظلماً، حتى مع محاولة تزيينه بالقصور وتغليفه بالقوة التي قد تُمنح لاصحابه!!..
يرى البعض أن المستضعفين هم الأسهل انقياداً لفكرة وجود حياة أخرى، بحثاً عن عداله لم يحصلوا عليها. ربما وجدوا أن الزاهد في الدنيا ليس سوى عاجز أخفى قلة حيلته بالتزامه بالأوامر الإلهية. قد يكون في ذلك جزء من الحقيقة، فالإيمان درجات، أولى خطواته الاستسلام، إلا أن تلك الدرجات لا تتوقف على المحرومين، فقد تكون "الجنة" حلم من لم تلبي الحياة طموحاته رغم وفرة ما اعطت!..
لم تكن مخاطرة زوجة فرعون، باخفاء ما يدور تحت قصره، سوى صرخة صامتة ضد ظلمه، دون أن تتخلى عن أحلام طفولتها، بدليل دعوتها استبدال قصر فرعون بآخر، سيكون بالتأكيد أكثر فخامة وعظمة مع ملائمته لقوانين عادلة تنشدها، طالما تتغير دعواتنا وامانينا بتغير طموحاتنا، قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"..
"دون اليقين"، تبقى الروح مجتزأة ينقصها الأهم، كثيرون من لم تبخل عليهم الحياة، إلا أنهم لم يجدوا في عطاءها ما يلبي احتياجاتهم..
على الأغلب أنهم يملكون من الصبر والتجلد أكثر من غيرهم، لذلك لن يكون تأجيل متعهم، مقابل ملء ارواحهم باليقين، بالأمر الصعب أو العسير عليهم..
السبت، 2 مايو 2020
طالما كانت إمرأة العزيز صورة للمرأة اللعوب في الأذهان، المرأة صاحبة الدهاء التي حاولت اغواء سيدنا يوسف وتمادت في أذاه حتى كانت السبب لنسيانه في سجن بائس، لتبقى وبنات جنسها على مر التاريخ متهمات "بالكيد" مهما حاولنّ الإنكار!!..
لكن لماذا الإنكار؟!، فاستخدام تلك التهمة يمنح المرأة أحيانا مهابة تحتاجها!..
تعتمد الطريقة التقليدية في سرد أي حكاية على وجود طرفان أحدهما شرير والآخر طيب. يمكننا وضع زوجة العزيز "طرف شرير" في قصة سيدنا يوسف، إلا أنها لم تكن "الشرير" الوحيد، فقد بدأت العداوات تحيط بالنبي مبكراً ومن أقرب الناس إليه، حتى أن والده حذره من غدر إخوته لمجرد سرده حلم مبهم: "قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ!"..
شعر سيدنا يعقوب بالضغينة التي يحملها أبناؤه على أخيهم، إلا أنه- شفقة بنفسه وبهم- أختار إلقاء تبعات مشاعرهم على الشيطان. يتواجد الشيطان دائماً، لكن هل جعله ذلك التواجد مخططاً رئيسياً لجريمة إخوة يوسف؟ أم كانت هناك أياد خفية أخرى: "قَالُوا يٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلٰى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنٰصِحُونَ"..
على الأغلب، أن المشاعر التي تتفلت من لسان المرء في لحظات غضبه الأولى تكون الأصدق- رغم مبالغتها أحياناً. تمنى أخوه يوسف "قتلة" سريعة لاخيهم، قبل أن يحجمها العقل والدم المشترك والمبادىء التي تشربوها عبر والدهم، لذلك تراجعت العصبة- رغم قدرتها- عن القتل، وتدرجوا نزولاً في أنواع العقاب المستحق "لاخيهم"، حتى وجدوا أن قضاءه عبداً بقية عمره سيكون مناسباً!..
لا تدري في حقيقة الأمر أي العقابين كان الأشد سوءا: "قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيٰبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ"..
لا أعرف كيف تم اقتياد يوسف إلى مصيره، غير أني على ثقة بأن ابتسامة كاذبة هي ما رسمت على وجه الفاعل، على عكس الملامح التي استقبلت بها امرأة العزيز زوجها وهو يقدم لها الفتى المرتجف من قضاءه أيام أو أسابيع متنقلاً في أسواق العبيد: "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا"..
تمر السنوات وتتخذ القصة مسارا مختلفا، على الأغلب أن امرأة العزيز عاشت صراعا صامتا طويلا حين اتخذت مشاعرها مساراً مختلفاً لم تكن تتمناه وربما رفضته فطرتها كثيراً قبل أن تعترف لنفسها بأنها تعشق الشاب..
ليس المظهر الحسن، بالضرورة، اغراء كاف ليهز مبادىء وقناعات المرء، حتى يضاف إليه الحكمة والعلم الذي اُختص به النبي يوسف عن غيره من أقران، لتستسلم المرأة في النهاية وتكشف عن ما يراودها: "وَرٰوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ الظّٰلِمُونَ"..
استند إخوة يوسف على مبررات كاذبة وتخطيط مسبق لإخفاء مشاعرهم ومخططاتهم الحقيقية، فحيناً كانت استمالته أبيهم سبباً لإبعاد يوسف، وحينا كانت العصبة القوية التي يمثلونها مبررا مناسباً، على عكس امرأة العزيز التي نقصتها المبررات!!..
على الأرجح أنها لم تأخذ وقتاً في التخطيط أو التدبير، ومالت تصرفاتها إلى العشوائية والتهور منذ لحظة اعترافها للحظة اختيارها موقع الجريمة! فلم تلبس المرأة قناعاً زائفاً وهي تقتاد يوسف إلى مكان منعزل، ولم تستند إلى اكاذيب لإقناعه بما تريد!..
غلقت المرأة الأبواب في مكان سهل الانكشاف والتوقع، واختارت أن تكون صريحة وصادقة وباحت بمشاعرها. لعل ذلك الصدق هو ما أدى إلى استسلام يوسف، فكما كان الشاب قوياً وصادقاً لحظة رفضه الأولى، تراخى بعض الشئ كما ذكرت الآية لاحقاً: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ"..
لا تبقى المشاعر على حالها حين تضاف إليها معطيات الوقت والظرف، وصدق قلب عاشق!..
تجاوز يوسف ذلك التحدي برفضه جملة وتفصيلاً مع العروض المشابهة التي أخذت تتوالى عليه، والتي لم تحمل ذات الصدق الذي كاد أن يؤدي به. أدرك النبي أن استسلام مجدد سيكلفه انتزاع إرادته الحرة، ليفضل السجن عن الفوضى التي أحاطت به: "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجٰهِلِينَ"..
مازال الشاب يحتفظ بما يخشى خسارته، بعكس إمرأة العزيز التي كانت قد خسرت كل شيء بالفعل، بعد أن نالتها الفضيحة وراحت الألسن تتداول قصتها، حتى لم يعد لديها إلا التمسك بهواها. هل كان ذلك الحب منزهاً إلا من الرغبة في الحصول عليه؟! أم أن كبريائها المهان أضاف أسبابا جعلتها تتشبث بالشاب!!..
تختلط المشاعر على المرء، حتى لا يدرك أن كان ما به حقيقي أم مجرد وهم يرى فيه ما يكمله! الوقت فقط هو ما سيحدد ماهية تلك المشاعر!..
مضت أحداث القصة كما أرادها الله، لتعود إمرأة العزيز إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، لكنها هذه المرة وقفت أمام ملك مصر الذي بدت رغبته في براءة يوسف واضحة للعيان!!..
موقف مهيب، يجعل من أي شخص يشحذ كافة أسلحته خشية عواقبه، إلا أن امرأة العزيز لم تكن بذلك الضعف وتملك العديد من الأسلحة!.
فمازالت زوجة "عزيز مصر"، بمكانته ومقامه، أمام شاب منهك لا تدعمه سوى "تفسيرات أحلام"، يبقى تحقيقها في علم الغيب. كما أن القدر وضعها مجدداً أمام الشاب الذي رفض قلبها وكسره، وجعل من محيطها يضعها في محل شك واتهام دائم!..
لن تجد امرأة العزيز أفضل من هذه الفرصة لانتقام جديد! فرصة لا تحتاج منها إلا تأكيد نفيها السابق وخلق بلبلة أمام الشاب الطموح، لكنها فاجأت الجميع باجابتها المستسلمة: "الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ"..
على ما يبدو، أن فكرة فراق يوسف لم تكن قد مثلت في ذهن امرأة العزيز من قبل، رغم السنوات التي قضاها في السجن!؛ "سيخرج يوماً وتمنح لها فرصة أخرى لعرض حبها!"، لعلها كانت تمضي أيامها بتلك الأماني، قبل أن تدرك أمام المحاكمة الجديدة أن لحظات الفراق الحقيقي قد حانت ولم يعد من مجال للمزيد من الأوهام!..
قاست المرأة بشكل سريع الخسائر التي سوف تدفعها ثمناً لبراءة من أحبته، وقارنتها أمام ما سيبقى لها من ذكرى ترضاها عن نفسها في ذهنه. ولعلها اختارت الصدق لتحرير نفسها من أوهام محبة لم تجد لها أرض صالحة للعيش، أرادت المرأة حريتها من قيد "خيانة" جديد، قبل حتى أن تفكر في حرية يوسف: "ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَآئِنِينَ"..
لم يكن إخوة يوسف ليملكوا تلك الشجاعة أو الصدق، رغم مرور سنوات على ذنبهم الأول ونتائجه التي أدت إلى عمى والدهم، فما أن وضعوا في تجربة فقدان "صواع الملك" حتى ألقوا بتبعته على أخيهم الضائع!! خيال خصب لم تكن لامرأة أن تبتكره، وربما كان سينطلي على سيدنا يوسف لولا أنه كان من حاك الموأمرة: "قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ"..
لم تتهرب امرأة العزيز من اخطائها، كما حاول سيدنا يعقوب إلقاء اخطاء أبناءه على الشيطان، أو كما حاول أبناؤه من بعده. كانت المرأة مذنبة، أقرت بذلك بكل شجاعة وهي تضع وصفاً دقيقاً للصراع الدائر في النفس البشرية، مطالبة في ذات الوقت بحقها الإلهي في طلب المغفرة: "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ"..
مثّلت امرأة العزيز العدو الأكثر صدقاً وشجاعة في القصة، تمسكها بالخطاء لبعض الوقت لم يجعلها تبرر لنفسها إستخدام وسائل غير مشروعة كالكذب والزيف. قد تبدو فكرة البحث عن عدو يحمل بعض القيم الإنسانية، لتحمل له في المقابل بعض الاحترام، فكرة رومانسية وبعيدة عن الواقع..
فعلى الدوام كان إلقاء التهم على الآخر(الشيطان)، وتنزية أنفسنا، هي الطريقة المثلى للخروج بأقل الخسائر، متجاهلين حقيقة أن الخسائر تبقى فينا طالمنا رفضنا الإعتراف بها!..
لكن لماذا الإنكار؟!، فاستخدام تلك التهمة يمنح المرأة أحيانا مهابة تحتاجها!..
تعتمد الطريقة التقليدية في سرد أي حكاية على وجود طرفان أحدهما شرير والآخر طيب. يمكننا وضع زوجة العزيز "طرف شرير" في قصة سيدنا يوسف، إلا أنها لم تكن "الشرير" الوحيد، فقد بدأت العداوات تحيط بالنبي مبكراً ومن أقرب الناس إليه، حتى أن والده حذره من غدر إخوته لمجرد سرده حلم مبهم: "قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ!"..
شعر سيدنا يعقوب بالضغينة التي يحملها أبناؤه على أخيهم، إلا أنه- شفقة بنفسه وبهم- أختار إلقاء تبعات مشاعرهم على الشيطان. يتواجد الشيطان دائماً، لكن هل جعله ذلك التواجد مخططاً رئيسياً لجريمة إخوة يوسف؟ أم كانت هناك أياد خفية أخرى: "قَالُوا يٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ۫نَّا عَلٰى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنٰصِحُونَ"..
على الأغلب، أن المشاعر التي تتفلت من لسان المرء في لحظات غضبه الأولى تكون الأصدق- رغم مبالغتها أحياناً. تمنى أخوه يوسف "قتلة" سريعة لاخيهم، قبل أن يحجمها العقل والدم المشترك والمبادىء التي تشربوها عبر والدهم، لذلك تراجعت العصبة- رغم قدرتها- عن القتل، وتدرجوا نزولاً في أنواع العقاب المستحق "لاخيهم"، حتى وجدوا أن قضاءه عبداً بقية عمره سيكون مناسباً!..
لا تدري في حقيقة الأمر أي العقابين كان الأشد سوءا: "قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيٰبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ"..
لا أعرف كيف تم اقتياد يوسف إلى مصيره، غير أني على ثقة بأن ابتسامة كاذبة هي ما رسمت على وجه الفاعل، على عكس الملامح التي استقبلت بها امرأة العزيز زوجها وهو يقدم لها الفتى المرتجف من قضاءه أيام أو أسابيع متنقلاً في أسواق العبيد: "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا"..
تمر السنوات وتتخذ القصة مسارا مختلفا، على الأغلب أن امرأة العزيز عاشت صراعا صامتا طويلا حين اتخذت مشاعرها مساراً مختلفاً لم تكن تتمناه وربما رفضته فطرتها كثيراً قبل أن تعترف لنفسها بأنها تعشق الشاب..
ليس المظهر الحسن، بالضرورة، اغراء كاف ليهز مبادىء وقناعات المرء، حتى يضاف إليه الحكمة والعلم الذي اُختص به النبي يوسف عن غيره من أقران، لتستسلم المرأة في النهاية وتكشف عن ما يراودها: "وَرٰوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ الظّٰلِمُونَ"..
استند إخوة يوسف على مبررات كاذبة وتخطيط مسبق لإخفاء مشاعرهم ومخططاتهم الحقيقية، فحيناً كانت استمالته أبيهم سبباً لإبعاد يوسف، وحينا كانت العصبة القوية التي يمثلونها مبررا مناسباً، على عكس امرأة العزيز التي نقصتها المبررات!!..
على الأرجح أنها لم تأخذ وقتاً في التخطيط أو التدبير، ومالت تصرفاتها إلى العشوائية والتهور منذ لحظة اعترافها للحظة اختيارها موقع الجريمة! فلم تلبس المرأة قناعاً زائفاً وهي تقتاد يوسف إلى مكان منعزل، ولم تستند إلى اكاذيب لإقناعه بما تريد!..
غلقت المرأة الأبواب في مكان سهل الانكشاف والتوقع، واختارت أن تكون صريحة وصادقة وباحت بمشاعرها. لعل ذلك الصدق هو ما أدى إلى استسلام يوسف، فكما كان الشاب قوياً وصادقاً لحظة رفضه الأولى، تراخى بعض الشئ كما ذكرت الآية لاحقاً: "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ"..
لا تبقى المشاعر على حالها حين تضاف إليها معطيات الوقت والظرف، وصدق قلب عاشق!..
تجاوز يوسف ذلك التحدي برفضه جملة وتفصيلاً مع العروض المشابهة التي أخذت تتوالى عليه، والتي لم تحمل ذات الصدق الذي كاد أن يؤدي به. أدرك النبي أن استسلام مجدد سيكلفه انتزاع إرادته الحرة، ليفضل السجن عن الفوضى التي أحاطت به: "قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجٰهِلِينَ"..
مازال الشاب يحتفظ بما يخشى خسارته، بعكس إمرأة العزيز التي كانت قد خسرت كل شيء بالفعل، بعد أن نالتها الفضيحة وراحت الألسن تتداول قصتها، حتى لم يعد لديها إلا التمسك بهواها. هل كان ذلك الحب منزهاً إلا من الرغبة في الحصول عليه؟! أم أن كبريائها المهان أضاف أسبابا جعلتها تتشبث بالشاب!!..
تختلط المشاعر على المرء، حتى لا يدرك أن كان ما به حقيقي أم مجرد وهم يرى فيه ما يكمله! الوقت فقط هو ما سيحدد ماهية تلك المشاعر!..
مضت أحداث القصة كما أرادها الله، لتعود إمرأة العزيز إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، لكنها هذه المرة وقفت أمام ملك مصر الذي بدت رغبته في براءة يوسف واضحة للعيان!!..
موقف مهيب، يجعل من أي شخص يشحذ كافة أسلحته خشية عواقبه، إلا أن امرأة العزيز لم تكن بذلك الضعف وتملك العديد من الأسلحة!.
فمازالت زوجة "عزيز مصر"، بمكانته ومقامه، أمام شاب منهك لا تدعمه سوى "تفسيرات أحلام"، يبقى تحقيقها في علم الغيب. كما أن القدر وضعها مجدداً أمام الشاب الذي رفض قلبها وكسره، وجعل من محيطها يضعها في محل شك واتهام دائم!..
لن تجد امرأة العزيز أفضل من هذه الفرصة لانتقام جديد! فرصة لا تحتاج منها إلا تأكيد نفيها السابق وخلق بلبلة أمام الشاب الطموح، لكنها فاجأت الجميع باجابتها المستسلمة: "الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ"..
على ما يبدو، أن فكرة فراق يوسف لم تكن قد مثلت في ذهن امرأة العزيز من قبل، رغم السنوات التي قضاها في السجن!؛ "سيخرج يوماً وتمنح لها فرصة أخرى لعرض حبها!"، لعلها كانت تمضي أيامها بتلك الأماني، قبل أن تدرك أمام المحاكمة الجديدة أن لحظات الفراق الحقيقي قد حانت ولم يعد من مجال للمزيد من الأوهام!..
قاست المرأة بشكل سريع الخسائر التي سوف تدفعها ثمناً لبراءة من أحبته، وقارنتها أمام ما سيبقى لها من ذكرى ترضاها عن نفسها في ذهنه. ولعلها اختارت الصدق لتحرير نفسها من أوهام محبة لم تجد لها أرض صالحة للعيش، أرادت المرأة حريتها من قيد "خيانة" جديد، قبل حتى أن تفكر في حرية يوسف: "ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَآئِنِينَ"..
لم يكن إخوة يوسف ليملكوا تلك الشجاعة أو الصدق، رغم مرور سنوات على ذنبهم الأول ونتائجه التي أدت إلى عمى والدهم، فما أن وضعوا في تجربة فقدان "صواع الملك" حتى ألقوا بتبعته على أخيهم الضائع!! خيال خصب لم تكن لامرأة أن تبتكره، وربما كان سينطلي على سيدنا يوسف لولا أنه كان من حاك الموأمرة: "قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ"..
لم تتهرب امرأة العزيز من اخطائها، كما حاول سيدنا يعقوب إلقاء اخطاء أبناءه على الشيطان، أو كما حاول أبناؤه من بعده. كانت المرأة مذنبة، أقرت بذلك بكل شجاعة وهي تضع وصفاً دقيقاً للصراع الدائر في النفس البشرية، مطالبة في ذات الوقت بحقها الإلهي في طلب المغفرة: "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ"..
مثّلت امرأة العزيز العدو الأكثر صدقاً وشجاعة في القصة، تمسكها بالخطاء لبعض الوقت لم يجعلها تبرر لنفسها إستخدام وسائل غير مشروعة كالكذب والزيف. قد تبدو فكرة البحث عن عدو يحمل بعض القيم الإنسانية، لتحمل له في المقابل بعض الاحترام، فكرة رومانسية وبعيدة عن الواقع..
فعلى الدوام كان إلقاء التهم على الآخر(الشيطان)، وتنزية أنفسنا، هي الطريقة المثلى للخروج بأقل الخسائر، متجاهلين حقيقة أن الخسائر تبقى فينا طالمنا رفضنا الإعتراف بها!..
السبت، 25 أبريل 2020
قد أُتهم بالإنحياز، إلا أني لا أبالغ حين أقول بأن الأفلام والقصص ذات الطابع الذكوري البحت تبعث على التوتر ولا تشعرك بالارتياح، ومهما بالغ النقاد في مدحها يبقى في أحداثها شيء ناقص يجبر المرأة على استعجال الوقت لتنتهي من الفوضى المعروضة أمامها..
ربما لا ينطبق الحال على قصص القرآن، إلا أن وجود المرأة في أي منها يضفي عليها بريقاً خاصاً.. نكهة غنية تُدعى "المشاعر" التي قد تقابل أحياناً بنوع من اللامبالاة!..
لم تأخذ والدة سيدنا موسى حيزاً كبيراً من الآيات القرآنية.. أربع اشارات كانت كافية، لنعيش أصعب مراحل حياتها..
كانت "أم موسى"، على الأغلب، في أشهرها الأخيرة حين وصلها قرار فرعون بذبح أطفال بني إسرائيل، لم تكن لتجهض جنينها، وتستبدل قاتل بآخر، فاختارت الاستسلام، ولا تدرون كم يكون الاستسلام شاقاً حين يضطر المرء لأختياره..!
لا بدّ وأن آلام المرأة الأم كانت أعسر مما نتصور، ففي حال كتمت صرخات مخاضها كيف لها أن تكتم صرخات وليد يتأهب الحُرّاس للعثور عليه وذبحه؟! في أحسن الأحوال سينهي أحدهم جريمته بعيدا عن بصرها، إن حمل قلبه بعض من رحمة، إلا أن المرأة تجاوزت اختبارها الأول وأنجبت موسى دون أن يشعر جنود فرعون.
على الأغلب، أن المرأة تصاب بحالة غريبة من الشجن الحزين أثناء وبعد الولادة، حتى إن لم تكن أمام اختبار إلهي، فكيف بإمرأة تنظر الى وليدها المهدد من قبل سلطات فرعون؟! وجع كبير، لا بد وأنها استحقت لاجله طمأنينة إلهية عبر وحي اختصها الله به، والسيدة مريم لاحقاً حين شاركتها ظرف مشابه..
"وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ"- تحظى اللحظات الأولى لإرضاع الطفل بمذاق خاص، لا شيء يماثله حتى تتكرر في ولادة أخرى. من لا يمر بهذه التجربة قد يعتبرها مجرد مبالغة أو مشاعر أنثوية لا يعول عليها، إلا أن الأمهات يشعرنّ فعلياً في تلك اللحظة بتوقف العالم وتجلّي الله لهنّ. ورغم حساسية وضع سيدنا موسى والأخطار المحيطة به، لم يحرم الله والدته من لحظتها الخاصة بطلبه منها إرضاع الصغير، فقد كانت بحاجة لبعض السكينة قبل أن يلقي عليها بالأمر الذي لم تكن لتتوقعه!..
"فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ!"- تلقي ابنها في اليم!!. يمكنني الجزم بأن الأمومة هي أقوى المشاعر البشرية وأكثرها صدقاً. مشاعر لا يمكن احتواءها.. حين لا تجد المرأة لها اطفالا، لن تبخل بعطاءها لغريب، لا تربطها به صلة رحم، ارضاءاً لها في المقام الأول، فكيف يُطلب من امرأة- وإن لم تكن نفساء- أن تلقي بفلذة كبدها؟! واين؟!: في اليم؟!، كيف للمياه الجارية أن تكون خيارا مطروحاً لأم؟!..
أعترف بأني مازال أشعر بالجزع، كلما مررت بالآية، حتى أكاد اصرخ في أم موسى: احملي رضيعك يا امرأة، لن يكلفك الله بأكثر مما يحتمل قلبك.. اهربي واجعلي من أي واحة صحراوية مستقرا وارضاً للاستغفار، على أن تلقي ابنك للمجهول.. يدرك الله مدى ضعفك ويعلم حدود قدرتك، فلا تخلعي قلبك وسارعي بالفرار!..
ما أزال الهث، وأمسك على قلبي، حتى تكمل الآية نفسها: "وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ!"..
"إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ"، إيمان هائل هو ما جعل ام موسى تستكين لعبارة بذلك الإيجاز؛ ربما لم تطفىء الخوف والحزن في روحها، إلا أن مقايضتها بنهاية سعيدة، أمدّها بيقين يكفيها بعض الوقت. فربما تضعف وتلين لصوت قد يهمس فيها ويدعوها للتريث: لعل ما اعتبرته وحيا ليس سوى هلوسات، فرضتها الظروف الصعبة المحيطة بك!..
ضمّت أم موسى ابنها للحظات، قبل أن تضعه جانباً وتباشر مهمتها على عجل.. أراها تبحث في زوايا كوخها الصغير عما يساعدها. على أكثر تقدير لن تجد سوى سلة قديمة مصنوعة من القَش!، ربما سكبت عليها بعض الماء لتجربتها واصلاح ما بها من عيوب قبل أن تتجاهل قطرات الماء وهي تنز منها وتتكل على يقينها ووعد الله لها!..
ترى ما الذي كانت تقوله لنفسها لحظة اختفاء ابنها في اليم؟!..
ربما جاع الآن؟! لن يقوى على رياح المساء الباردة!! امازالت الأغطية تمنحه الدفئ، أم انزاحت عنه؟! انشغلت أم موسى بكثير من التفاصيل حتى تهرب من هاجسها الحقيقي: هل كان النهر رحيماً برضيعي أم اختار القسوة؟! مازالت "أم موسى" واقفة على ظلها، قبل أن يخلو قلبها فجأة!!..
للحزن درجات، يرى البعض أن "الكمد والبث" أعلاها مرتبة، إلا أن القرآن أشار إلى نوع آخر لا يقل قسوة: يحدث أن يفرغ القلب، تبحث على سطح التجويف المستحدث فيك، فلا تجد للصدى فيه مكاناً، تنشد الصراخ خلاله بأوجاعك، لعلها تملؤه دون جدوى، لطف إلهي فقط هو ما يشفي هذا النوع من الأحزان، يقول تعالى: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"..
سارت أحداث القصة كما أراد لها الله أن تكون.. يقول تعالى، مخاطباً رسوله (موسى) ومذكرا إياه بمحطات لم يكن لينجو منها: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ"..
ربما يتوجب على الأنبياء والرسل، والصالحين بالمثل، المرور بتجارب قاسية تسبق استحقاقهم للهداية، قد تمتد بعضها لتخص من حولهم، وسواء انتهت بالسلب أم الإيجاب، مازالت تصب في صالح رحلته الروحية..
ربما لا ينطبق الحال على قصص القرآن، إلا أن وجود المرأة في أي منها يضفي عليها بريقاً خاصاً.. نكهة غنية تُدعى "المشاعر" التي قد تقابل أحياناً بنوع من اللامبالاة!..
لم تأخذ والدة سيدنا موسى حيزاً كبيراً من الآيات القرآنية.. أربع اشارات كانت كافية، لنعيش أصعب مراحل حياتها..
كانت "أم موسى"، على الأغلب، في أشهرها الأخيرة حين وصلها قرار فرعون بذبح أطفال بني إسرائيل، لم تكن لتجهض جنينها، وتستبدل قاتل بآخر، فاختارت الاستسلام، ولا تدرون كم يكون الاستسلام شاقاً حين يضطر المرء لأختياره..!
لا بدّ وأن آلام المرأة الأم كانت أعسر مما نتصور، ففي حال كتمت صرخات مخاضها كيف لها أن تكتم صرخات وليد يتأهب الحُرّاس للعثور عليه وذبحه؟! في أحسن الأحوال سينهي أحدهم جريمته بعيدا عن بصرها، إن حمل قلبه بعض من رحمة، إلا أن المرأة تجاوزت اختبارها الأول وأنجبت موسى دون أن يشعر جنود فرعون.
على الأغلب، أن المرأة تصاب بحالة غريبة من الشجن الحزين أثناء وبعد الولادة، حتى إن لم تكن أمام اختبار إلهي، فكيف بإمرأة تنظر الى وليدها المهدد من قبل سلطات فرعون؟! وجع كبير، لا بد وأنها استحقت لاجله طمأنينة إلهية عبر وحي اختصها الله به، والسيدة مريم لاحقاً حين شاركتها ظرف مشابه..
"وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ"- تحظى اللحظات الأولى لإرضاع الطفل بمذاق خاص، لا شيء يماثله حتى تتكرر في ولادة أخرى. من لا يمر بهذه التجربة قد يعتبرها مجرد مبالغة أو مشاعر أنثوية لا يعول عليها، إلا أن الأمهات يشعرنّ فعلياً في تلك اللحظة بتوقف العالم وتجلّي الله لهنّ. ورغم حساسية وضع سيدنا موسى والأخطار المحيطة به، لم يحرم الله والدته من لحظتها الخاصة بطلبه منها إرضاع الصغير، فقد كانت بحاجة لبعض السكينة قبل أن يلقي عليها بالأمر الذي لم تكن لتتوقعه!..
"فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ!"- تلقي ابنها في اليم!!. يمكنني الجزم بأن الأمومة هي أقوى المشاعر البشرية وأكثرها صدقاً. مشاعر لا يمكن احتواءها.. حين لا تجد المرأة لها اطفالا، لن تبخل بعطاءها لغريب، لا تربطها به صلة رحم، ارضاءاً لها في المقام الأول، فكيف يُطلب من امرأة- وإن لم تكن نفساء- أن تلقي بفلذة كبدها؟! واين؟!: في اليم؟!، كيف للمياه الجارية أن تكون خيارا مطروحاً لأم؟!..
أعترف بأني مازال أشعر بالجزع، كلما مررت بالآية، حتى أكاد اصرخ في أم موسى: احملي رضيعك يا امرأة، لن يكلفك الله بأكثر مما يحتمل قلبك.. اهربي واجعلي من أي واحة صحراوية مستقرا وارضاً للاستغفار، على أن تلقي ابنك للمجهول.. يدرك الله مدى ضعفك ويعلم حدود قدرتك، فلا تخلعي قلبك وسارعي بالفرار!..
ما أزال الهث، وأمسك على قلبي، حتى تكمل الآية نفسها: "وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ!"..
"إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ"، إيمان هائل هو ما جعل ام موسى تستكين لعبارة بذلك الإيجاز؛ ربما لم تطفىء الخوف والحزن في روحها، إلا أن مقايضتها بنهاية سعيدة، أمدّها بيقين يكفيها بعض الوقت. فربما تضعف وتلين لصوت قد يهمس فيها ويدعوها للتريث: لعل ما اعتبرته وحيا ليس سوى هلوسات، فرضتها الظروف الصعبة المحيطة بك!..
ضمّت أم موسى ابنها للحظات، قبل أن تضعه جانباً وتباشر مهمتها على عجل.. أراها تبحث في زوايا كوخها الصغير عما يساعدها. على أكثر تقدير لن تجد سوى سلة قديمة مصنوعة من القَش!، ربما سكبت عليها بعض الماء لتجربتها واصلاح ما بها من عيوب قبل أن تتجاهل قطرات الماء وهي تنز منها وتتكل على يقينها ووعد الله لها!..
ترى ما الذي كانت تقوله لنفسها لحظة اختفاء ابنها في اليم؟!..
ربما جاع الآن؟! لن يقوى على رياح المساء الباردة!! امازالت الأغطية تمنحه الدفئ، أم انزاحت عنه؟! انشغلت أم موسى بكثير من التفاصيل حتى تهرب من هاجسها الحقيقي: هل كان النهر رحيماً برضيعي أم اختار القسوة؟! مازالت "أم موسى" واقفة على ظلها، قبل أن يخلو قلبها فجأة!!..
للحزن درجات، يرى البعض أن "الكمد والبث" أعلاها مرتبة، إلا أن القرآن أشار إلى نوع آخر لا يقل قسوة: يحدث أن يفرغ القلب، تبحث على سطح التجويف المستحدث فيك، فلا تجد للصدى فيه مكاناً، تنشد الصراخ خلاله بأوجاعك، لعلها تملؤه دون جدوى، لطف إلهي فقط هو ما يشفي هذا النوع من الأحزان، يقول تعالى: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"..
سارت أحداث القصة كما أراد لها الله أن تكون.. يقول تعالى، مخاطباً رسوله (موسى) ومذكرا إياه بمحطات لم يكن لينجو منها: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ"..
ربما يتوجب على الأنبياء والرسل، والصالحين بالمثل، المرور بتجارب قاسية تسبق استحقاقهم للهداية، قد تمتد بعضها لتخص من حولهم، وسواء انتهت بالسلب أم الإيجاب، مازالت تصب في صالح رحلته الروحية..
وقد نجحت "أم موسى" في موضع لا أعتقد أن "أمّ" عادية كانت لتجتازه، لتنال بذلك عناية إلهية بالغة في التميز: "فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"..
السبت، 18 أبريل 2020
قال تعالى: "إذ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا"- سورة الكهف.
لم يملك فتية الكهف مخططا مناسبا للحفاظ على عقيدتهم فآثروا الإبتعاد حتى يتدبروا أمرهم؛ ليكونوا بذلك اشهر من أتخذ قرار "العزلة" دون أن تكون للأوبئة والفيروسات يد في ذلك..
على ما يبدو أن ذلك الهروب كان الحل الأنسب والاسلم أمام حاكم ميؤوس من إصلاحه، ومجتمع يرفض الاختلاف، حتى انقضى على الفتية أكثر من ثلاثمائة سنة في الكهف، قبل أن تكون مقايضة حريتهم بإيمانهم هي الحدث الأهم!.
لم تكن تلك الحادثة هي "العزلة" الوحيدة المذكورة في القران الكريم، فقد أشارت سورة "يس"- وإن بشكل غير صريح- إلى "عزلة" أقصر، أختارها أحدهم من أجل إيجاد حلول كان ينشدها!.
"وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ".. نقف أمام الإختبار التقليدي الذي طالما وضعت فيه الأمم، والذي- على الأغلب- لن يمر بسهولة وسيلاقي الرفض الشديد كغيره، إلا أن تلك القرية لم تكتفِ بالرفض المجرد، بل أوشكت على الفتك برسلها: "قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ"، مازالت تتابع الأحداث قبل أن تلتقط هتاف قادم من بعيد..
طالما حملت سورة "يس" طابع خاص، شَجّن، لا تهتم- مع مرور الوقت- بتحديد منبعه، بقدر تمسكك به. وعلى الأغلب أن شعور الشفقة مازال يراودك كلما توقفت أمام لهاث الرجل المذكور في الاية: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ"..
اللافت للنظر، أن الرجل لم يكن في قلب المدينة لحظة الاضطرابات التي سادتها، كما يفترض به أن يكون!..هل قرر اختيار "العُزلة" بعد وصول المرسلين، في محاولة تأمل هادئة لإيجاد إجابات لم تكن ضوضاء المدينة تمنحه إياها؟!..
يبدو أنه كان يدرك بأن التمسك العنيف بالمنظومة القديمة- رغم عيوبها- هو رد الفعل الأولي لأي محاولات تغيير مطروحه، دون الاهتمام بدراسة الطرح الجديد، ووضعه في ميزان التحليل والمنطق!!..
يحدث أن تنادي لفكرة، وتتعصب لها بكل ما أوتيت من قوة، قبل أن تدرك بأن ما كنت تدعو إليه لم يكن نابعاً منك بقدر ما كان نتاج لما يتردد حولك..
لا تنقل التجمعات عدوى الأمراض فقط، فالأفكار ذات الصيت الأعلى- بغض النظر عن قيمتها- تنسخ نفسها عبر النطاق الذي تصل إليه، مكونة "سياسة القطيع"!..
كان الرجل يدرك تأثير تلك السياسة، فقرر اعتزالها حتى يخرج بما يرضيه دون تأثيرات خارجية. على الأغلب أنه لم يضع الشرائع الجديدة، المعروضه على قريته، نصب عينيه، بل ركز طاقته على "الرسل المبعوثين للقرية"!!
لم يكن "المُرسَلوُن" من أهالي القرية، كما يبدو؛ كما أنهم مازالوا يرددون استغنائهم عن أي مكاسب- وإن كان مُلكاً- حال إيمان القرية، إلا أنهم لم يتزحزحوا عن محاولاتهم! فما الذي يضعهم أمام خطر يدركون، تماماً، المهالك الناتجة عنه؟! هل فقدوا عقلهم حتى أمسى مصير القرية أهم من مصائرهم؟! أم أنّ تَحّمُّل الأذى كان في سبيل أمر أكثر اهمية؟!..
لعلَّ الله سبحانه وتعالى لم يضع اختباراته على الأمم وحسب، ربما جعل الجزء الأكبر أمام الرُّسُلّ لمعرفة مدى تمسكهم بما يدعون إليه!!..
توصل الرجل لصدق المُرسَلِين، ففزع إلى أهله، عارضا عليهم النتائج التي توصل إليها، متداركاً حماقتهم، فقال لهم ناصحا: "اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ"، قبل أن يعلن إيمانه علناً لعل أفكاره هي الأخرى تنعكس رأياً عاماً على قريته: "وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ"..
وُلِدَ المرءُ حراً، ولم تُسَن السجون عقابا إلا لأثرها السيء على الفرد، إلا أن اختيار "العزلة" قد يُحدِث فعلا عكسياً، ويعالج الروح السقيمة قبل أن يوسع مداركها ونظرتها لما حوله. كان الصحابي عمر ابن الخطاب من أكثر أهل قريش معاداة للاسلام، قبل أن يختار اعتزالها- كما أوردت كتب التاريخ- ولم يمض على عودته بعض الوقت حتى أعلن إسلامه..
ربما يقف العالم على أعتاب "عزلة إجبارية"، يعلم الله تعالى موعد انتهاءها، ولنا أن نرفض كونها إجبارية باختيار كيفية قضاء الوقت فيها؟
يقول ابن جوزية: "يا هذا، إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة، فإن أيدي المعاشرة نهَّابة!”..
لم يملك فتية الكهف مخططا مناسبا للحفاظ على عقيدتهم فآثروا الإبتعاد حتى يتدبروا أمرهم؛ ليكونوا بذلك اشهر من أتخذ قرار "العزلة" دون أن تكون للأوبئة والفيروسات يد في ذلك..
على ما يبدو أن ذلك الهروب كان الحل الأنسب والاسلم أمام حاكم ميؤوس من إصلاحه، ومجتمع يرفض الاختلاف، حتى انقضى على الفتية أكثر من ثلاثمائة سنة في الكهف، قبل أن تكون مقايضة حريتهم بإيمانهم هي الحدث الأهم!.
لم تكن تلك الحادثة هي "العزلة" الوحيدة المذكورة في القران الكريم، فقد أشارت سورة "يس"- وإن بشكل غير صريح- إلى "عزلة" أقصر، أختارها أحدهم من أجل إيجاد حلول كان ينشدها!.
"وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ".. نقف أمام الإختبار التقليدي الذي طالما وضعت فيه الأمم، والذي- على الأغلب- لن يمر بسهولة وسيلاقي الرفض الشديد كغيره، إلا أن تلك القرية لم تكتفِ بالرفض المجرد، بل أوشكت على الفتك برسلها: "قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ"، مازالت تتابع الأحداث قبل أن تلتقط هتاف قادم من بعيد..
طالما حملت سورة "يس" طابع خاص، شَجّن، لا تهتم- مع مرور الوقت- بتحديد منبعه، بقدر تمسكك به. وعلى الأغلب أن شعور الشفقة مازال يراودك كلما توقفت أمام لهاث الرجل المذكور في الاية: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ"..
اللافت للنظر، أن الرجل لم يكن في قلب المدينة لحظة الاضطرابات التي سادتها، كما يفترض به أن يكون!..هل قرر اختيار "العُزلة" بعد وصول المرسلين، في محاولة تأمل هادئة لإيجاد إجابات لم تكن ضوضاء المدينة تمنحه إياها؟!..
يبدو أنه كان يدرك بأن التمسك العنيف بالمنظومة القديمة- رغم عيوبها- هو رد الفعل الأولي لأي محاولات تغيير مطروحه، دون الاهتمام بدراسة الطرح الجديد، ووضعه في ميزان التحليل والمنطق!!..
يحدث أن تنادي لفكرة، وتتعصب لها بكل ما أوتيت من قوة، قبل أن تدرك بأن ما كنت تدعو إليه لم يكن نابعاً منك بقدر ما كان نتاج لما يتردد حولك..
لا تنقل التجمعات عدوى الأمراض فقط، فالأفكار ذات الصيت الأعلى- بغض النظر عن قيمتها- تنسخ نفسها عبر النطاق الذي تصل إليه، مكونة "سياسة القطيع"!..
كان الرجل يدرك تأثير تلك السياسة، فقرر اعتزالها حتى يخرج بما يرضيه دون تأثيرات خارجية. على الأغلب أنه لم يضع الشرائع الجديدة، المعروضه على قريته، نصب عينيه، بل ركز طاقته على "الرسل المبعوثين للقرية"!!
لم يكن "المُرسَلوُن" من أهالي القرية، كما يبدو؛ كما أنهم مازالوا يرددون استغنائهم عن أي مكاسب- وإن كان مُلكاً- حال إيمان القرية، إلا أنهم لم يتزحزحوا عن محاولاتهم! فما الذي يضعهم أمام خطر يدركون، تماماً، المهالك الناتجة عنه؟! هل فقدوا عقلهم حتى أمسى مصير القرية أهم من مصائرهم؟! أم أنّ تَحّمُّل الأذى كان في سبيل أمر أكثر اهمية؟!..
لعلَّ الله سبحانه وتعالى لم يضع اختباراته على الأمم وحسب، ربما جعل الجزء الأكبر أمام الرُّسُلّ لمعرفة مدى تمسكهم بما يدعون إليه!!..
توصل الرجل لصدق المُرسَلِين، ففزع إلى أهله، عارضا عليهم النتائج التي توصل إليها، متداركاً حماقتهم، فقال لهم ناصحا: "اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ"، قبل أن يعلن إيمانه علناً لعل أفكاره هي الأخرى تنعكس رأياً عاماً على قريته: "وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ"..
وُلِدَ المرءُ حراً، ولم تُسَن السجون عقابا إلا لأثرها السيء على الفرد، إلا أن اختيار "العزلة" قد يُحدِث فعلا عكسياً، ويعالج الروح السقيمة قبل أن يوسع مداركها ونظرتها لما حوله. كان الصحابي عمر ابن الخطاب من أكثر أهل قريش معاداة للاسلام، قبل أن يختار اعتزالها- كما أوردت كتب التاريخ- ولم يمض على عودته بعض الوقت حتى أعلن إسلامه..
ربما يقف العالم على أعتاب "عزلة إجبارية"، يعلم الله تعالى موعد انتهاءها، ولنا أن نرفض كونها إجبارية باختيار كيفية قضاء الوقت فيها؟
يقول ابن جوزية: "يا هذا، إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة، فإن أيدي المعاشرة نهَّابة!”..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
فرانكشتاين!.. لم أصب بالدهشة حين وجدت أسم الكتابة "ماري شيلي" على غلاف "رواية فرانكشتاين"، فمثل الكائن المتجول بين صف...
-
الزيدية بين المذهب والفكرة!.. مازال البعض يردد _وإن على استحياء_ بأن المذهب الزيدي أقرب المذاهب الشيعية لأهل السنة لولا السمعة التي نالته...
-
صراع أزلي الأحد, 14 يونيو, 2020 - 06:49 صباحاً نور ناجي مازلنا نحمل، ومنذ بدء الخليقة، علامة استفهام حائرة عن أس...
-
شواهد قبور.. هل من المفترض إدعاء خشيتي من زيارة المقابر، ربما سأكون سيدة أكثر رقة ونعومة أمام المحيطين بي إن وضعت على وجهي قناع مزيف ...